مقالات

غسان عتيقة

فبرايرستان

أرشيف الكاتب
2017/02/18 على الساعة 12:55

في ربيع 2011 خرجت صور المتضاهرين امام مديرية امن بنغازي لتنطلق منها شرارة الانتفاضة الشعبية ضد نظام جماهيرية العقيد الراحل بسرعة اذهلت الليبيين انفسهم خصوصا بعد انتشار النكتة المشهورة "طبسو يا ليبيين خلي التريس تسلم على بعضها" بعد نجاح الثورات التونسية و المصرية بالاطاحة برؤساء الدولتين الجارتين... السؤال الذي يرفض الكثير من الاجابة عنه... هل كانت ثورة لاجل الحريات والديمقراطية وحقوق الانسان ايضا؟ هل اثار هذا التساؤل رغبة جامحة للضحك العصبي المتشنج عزيزي القارئ؟ نعم انا كذلك... قبل الانطلاق نحو بنغازي في نهاية فبراير 2011 كانت معظم اسئلة سائقي التاكسيات في القاهرة متطابقة "هو انتو عاملين ثورة ليه يا سعادة الباشا... انا طول عمري باشوف الليبيين عايشين كويس وبيتفسحو وعندهم عربيات جديدة..الخ..الخ..الخ".

سيارة ليبية في القاهرة - فبراير 2011

في يوم 4 مارس 2011 انطلقنا نحو عاصمة الثورة ارض الابطال بنغازي بعد المبيت ليلة في مرسى مطروح. كان مشهد علم الاستقلال على بوابة مساعد (رغم انه كان مقلوبا وبدون نجمة وهلال) يحبس الانفاس وزاد المشاعر الوطنية الفياضة اصرار احد الحراس على انزالنا من الحافلة الصغيرة لاتحتضاننا فردا فردا عندما علم ان منا من مصراتة وطرابلس وغيرها!

خلال رحلتنا من امساعد لبنغازي مرورا بطبرق وتوقفنا في درنة والابرق والبيضاء... كان واضحا ان كل المكونات اللازمة لتفجير انتفاضة شعبية حارقة جاهزة فقط لمن يشعل الشرارة... بنيه تحتية ما بعد المنهارة، فقر مدقع في وجوه اصحابها، بطالة وانعدام فرص امام شباب صغير السن في منطقة غنية بالثروات الطبيعية والاثار التاريخية والطبيعة الخلابة كافيه ان تجعلها في مصاف دول جنوب اوروبا اقتصاديا وحضاريا بدلا من وضعها المزري جدا في عصر اول جماهيرية في التاريخ... نعم كنت اعتقد ان طرابلس و المنطقة الغربية بصفة عامة تعاني التخلف العمراني والعشوائية و الفوضى العارمة لكن هذه الرحلة اثبتت كيف كانت طرابلس وما حولها في وضع افضل قليلا واننا في الواقع نعيش في قوقعات صغيرة لا نعلم كثيرا عما يحدث في القواقع المجاورة في نفس الوطن الذي نعرفه بـأسم ليبيا. لن اتحدث عن الجنوب لاننا لا نعلم عنه الا التنقيب عن النفط وعن بعض السكان هناك الذين لا نعلم بشكل قاطع ان كانوا ليبيين مثلنا ام لا!!!

عودة للسؤال المضحك... هل كانت ثورة لاجل الحريات والديمقراطية وحقوق الانسان؟ بالطبع لا! كانت انتفاضة غضب تفجرت في الشرق الليبي بدأت بالقبض على فتحي تربل ومرورا بتظاهرة ميدان الشجرة التي سمعنا صوت المرحوم ادريس المسماري عبر قناة الجزيرة يتحدى بكل شجاعة حاجز الخوف الذي بناه القذافي لاربع عقود لينهار في الشرق الليبي خلال اقل من عشرة ايام.

الغضب الذي قوبل بالرصاص والاسلحة المحرمة انتقلت عدواه للغرب الليبي ليخرج المتضاهرين في مصراتة والزنتان وطرابلس والجبل يهتفون "بالروح والدم نفديك يا بنغازي" لتصبح مع نهاية شهر مارس من ذلك العام حربا عالمية تشارك فيها 11 دولة انتهت بالنهاية الدموية البشعة للعقيد في مسقط رأسه سرت.

رغم كل التضحيات البطولية ولدماء التي سالت في جبهات البريقة ومصراتة والجبل والزاوية وزوارة وطرابلس من كل الاطراف، لم تنضج هذه الانتفاضة الى ثورة ابدا بل كانت حربا اهلية بأمتياز بغطاء جوي اممي. هل تذكر عزيزي القارئ بعد ايام قليلة من التمثيل بجثة العقيد خرج رئيس المجلس الانتقالي لعشرات الالاف من المحتفلين في ساحة الكيش باعلانه الشهير للزواج باربع مع صراخ المحتفلين بكل حماس متفجر وتبعتها مهرجانات التعويضات وتمويل مئات المليشات المليارية لعند تفجر الحرب الثانية صيف 2014؟

كانت احد المشاهد المرتبطة بالعقيد الراحل مشهد اساطيل سيارات اللاندكروزر المصفحة تجوب به المدن والتي تعرف بأسم "الرتل"... مع نهاية عام 2011 ورغم الانهيار الشامل للمنظومة الامنية والعسكرية والاستخباراتية للبلاد اصبحت عشرات الارتال تجوب البلاد كل رتل وعقيده... نعم  الكثير كان يكره القذافي لانه لم يكن مثله لا اكثر! 

نعم كان الفساد ينخر اوساط اللجان الشعبية واللجنة الشعبية العامة وخصوصا في عهد البغدادي المحمودي وشاهد الليبيين ابناء العقيد يحتفلون في سان بارت و في يخوت في المتوسط ويسجلون مخالفات مرورية بسيارت البورشيه واللامبورجيني بينما يعاني اغلبيه الشعب الليبي من ضعف المرتبات والتضخم وانحسارمعظم الثروات مع الاقليه المقربة من النظام السابق... رغم كل ذلك، ترك النظام السابق دولة بدون اي ديون دولية تذكر، اكثر من 200 مليار دولار احتياطيات نقدية واصول خارجية بالاضافة لعقود ومشاريع جاهزة تتجاوز قيمتها 180 مليار دولار وفرصة استضافة كأس الامم الافريقية عام 2017!

لو كانت ثورة بقادة حقيقيين لقادوا مرحلة ما بعد الحرب الاهلية مثل ما فعل قادة انجولا النفطية ايضا بعد حرب اهلية طويلة انتهت عام 2002 بتوجيه جميع جهود اعادة بناء البلاد مع استضافة كأس الامم الافريقية عام 2009 وامتصاص كل الغضب والطاقات المعطلة نحو هدف يتفق ويحبه الجميع وهو كرة القدم! طبعا الحالة الليبية كانت اسهل جدا من ما عانته انجولا (25 سنة حرب اهلية مقابل 8 اشهر للحالة الليبية!).

لكن لانها "ثورة" على النظام الفاسد وبعد وعود المجلس الانتقالي للسماح لجميع الشركات للعودة لاستكمال المشاريع المتعاقد عليها والتي يحتاجها الليبيين من مساكن ومحطات كهرباء وطرق ومطارات ومرافق صحية وجامعات، اصبح شعار حكومات ما بعد المجلس الانتقالي هو مراجعة العقود والتاكد من صحتها وخلوها من الفساد وغيرها من الاهداف النبيلة الشريفة.

لا داعي للتطرق لما حدث بعد ذلك لكن لنتحدث بلغة الارقام قليلا:

(1) منذ 2011 لليوم لم يتم استكمال اي من المشاريع الكبرى واصبحت اليوم كتل اسمنتية و حديد تسليح متأكل في طرابلس ومدن اخرى..قيمة هذه العقود لا تضيع بل قد تصبح ما يساوي 200 مليار او اكثر قضايا تعويض وديون على البلاد!

(2) ضياع فرصة ذهبية لامتصاص العدد الكبير من الشباب في الكثير من هذه المشاريع بدل تغويلهم منذ بداية صرف تعويضات الثوار الى حرق و تدمير مرافق ومنشأت اخرى منذ انطلاق حروب فجر ليبيا والكرامة بخسائر لا اقل من 50 مليار دولار من اعادة تأهيل القطاع النفطي والمدن المدمرة الى تعويض مئات الالاف من المواطنين مستقبلا.

(3) هبوط الاحتياط النقدي الى حوالي 35 مليار دولار بعد ست سنوات من الاهدار المالي في مرتبات واستيراد سلع استهلاكية وتهريب وغسيل اموال ادت في نهاية المطاف لسقوط الدينار الليبي في مستنقع التضخم وازمة السيولة مقابل ارتفاع اسعار العقارات في اسطنبول وتونس ودبي مع تصاعد اعداد اثرياء الحرب الليبية!

(4) "الثورة" التي قامت من اجل مكافحة الفساد نجحت في تخطي حدود توقعاتنا بسرعة خارقة نحو قاع الفساد عام 2016 حسب تقرير الشفافية الدولية(ترتيب 170 من 175 دولة) متخطية العراق وزيمبابوي وافغانستان وقبل الصومال والسودان الشمالي والجنوبي بقليل بعد ان كانت افضل من روسيا وبارغواي وفينزويلا في العام 2010 (ترتيب 146)!!

كل هذا والمعجزة الاكبر هو وجود ثلاث حكومات في نفس الوقت اثنتان منها تتقاسم العاصمة ومطاراتها!

في النهاية هل شاهدت احتفالية افتتاح صالة كبار زوار مطارطرابلس المهجور بيد من احرقه صيف 2014 احتفالا بهذه الثورة المجيدة والتي قال جورج غالوي موبخا احد الليبيين بما معناه: "لا يمكن تدميرليبيا اكثر مما فعله القذافي بها الا على يد عبقري".  اعتقد اني اتفق مع هذه الجملة لو تم استبدال كلمة "عبقري" بكلمة اخرى... نعم لم تكن ثورة بل كانت عركة وكبرت.

غسان عتيقة
17 فبراير 2017

waeel krekshi | 21/02/2017 على الساعة 11:50
COOL
Nice notes , focused and deep Bravo
نورالدين خليفة النمر | 19/02/2017 على الساعة 11:17
كلام متفائل ..كلام مُتشائل !
شكراً أستاذ غسّان عتيّقة ..مقالة وجدانية رائعة معزّزة بوعي إقتصادي ـ سياسي نحتاجه في هذه الآيام التي يغيب فيها الوعي بالوطن وقبله المواطن كما ذكر الكاتب محمد خليفة في مقالته ..مهم أن نكتب في الذكرى كلاماً مفيداً وواقعياً .
Hisham | 19/02/2017 على الساعة 01:19
لاترمي مصائبنا على القذافي
انا عشت في ليبيا لثلاثة عقود ولم اكن جاهلا او متسلطا او جهويا لا أنا ولا احد من عائلتي وغيري كثر...هذا تراث قديم يجب الاعتراف بذلك.... لن ننجح حتى نتكاشف ونضع اصبعنا على مكمن العطب اما غير ذلك فهو كمن يطلب العسل من مؤخرة ذكر الخنفس...احسنت غسان
منصور عبدالله | 18/02/2017 على الساعة 21:03
اللى تزرعه تحصده
في زمن القدافى.. تم زراعة بذور التخلف والجهل والغوغائية والقبلية والجهوية والتسلط والجور والظلم والعدوان والسرقة والقتل وأكل اموال الناس بالباطل و و .. مثل هذه البذور وغيرها مما لا يتسع المجال لذكره ولكنها جميعا تندرج ضمن ما يسمى بالنظرية الفوضوية تم زرعها في عقول كافة شرائح المجتمع.. وعلى مدى اربعة عقود ... فهل يتوقع الكاتب حصاد غير ما يحدث في ليبيا الآن؟؟!!
متابع | 18/02/2017 على الساعة 20:02
لمن يكون الاحتفال ؟!
كانت ثورة و انتهت الى قاع الفساد بجميع أشكاله و ألوانه. لا ضرورة لكلمة لو. لآنه لو حتى توقع الليبيون ما يمكن أن تصل اليه بلادهم لأبقوا على العقيد و زمرته الفاسدة. لماذا؟. لا لشيء إلا لأنه لا يمكن بأي حال من الأحوال أن يوصل الدولة التي يحكمها الى هذا المستوى غير المعقول الذي وصلت اليه. و لكل من تتبع الذكرى السادسة و ليس المناسبة! معرفة مراحل التشرذم و الانقسام و التباعد الذي حصل بين فئات المجتمع. في طرابلس كانت الاحتفالية الكبرى و كانت فرصة الغنيمة للصوص لجان الاحتفالات و ضباع المال العام مثلما كان يحدث في زمن النظام السابق في شهر هانيبال و ما بعده. و من بعدها طارت الذكرى الى مصراته و مدن أخرى على نفس الهوى. مدن أخرى اعتذرت بطريقة لبقة الى حد ما و قد تكون فرصة ضاعت على من كان ينتظرها. النتيجة أنه لا يهتم أحد بأحد و هذه هي ليبيا الجديدة بعد فبراير. خطابات جوفاء رنانة كاذبة في أكثر الأحوال. و استثمار لأصحاب المصالح و الجيوب الخاصة في غياب واضح لحاجات الجموع.
آخر الأخبار
جميع المقالات والأراء التي تنشر في هذا الموقع تعبر عن رأي أصحابها فقط، ولا تعبر بالضرورة عن رأي إدارة الموقع