مقالات

محمد الزنتاني

ما فعلته رواية "قصيل"

أرشيف الكاتب
2017/02/17 على الساعة 11:24

أجمل ما في الرواية بشكل عام، إنها بمعنى ما فلسفة، وأجمل ما في الفلسفة، أنها منبع الدهشة، وأجمل ما في الدهشة، أنها المحفّز الحقيقي الإبداع !و لذا، فالرواية السوية، ليس لها إلا أن تطرح الأسئلة بالأساس، الأسئلة التي تقود إلى الدهشة، الأسئلة الاجتماعية أو السياسية أو الوجودية، وليس بالضرورة أو ليس من صميم تكوينها (كعمل إبداعي) أن تعطي إجابات!.. وهذا ما حاولت أن تفعله  فيما أرى رواية (قصيل للكاتبة الليبية عائشة إبراهيم).

الرواية، أي رواية، تحمل في جعبتها الكثير من الأنانية، هكذا هي، لكنها تمارس أنانيتها باقتدار، حتى في مظهرها الخارجي، فالرواية عادة وبحكم تكوينها وبنائها الفني، ومساحة الورق والزمن اللذين تحتاجهما، تجبرك على قراءتها بمفردك، وبمعنى ما، أن تكون متفرغاً لها لوقت طويل أو لأوقات متعددة، عكس القصة القصيرة أو القصيدة، التي يمكن أن تقرأها وحيداً أو مع آخرين.

وقد خطر على بالي وأنا أدوّن هذه النقاط، استثناءٌ يحمل بعض الطرافة، لا زلت أتذكره جيداً، وهو قراءاتنا للرواية أنا ومجموعة من الأصدقاء بشكل جماعي، وفي أوقات مشتركة، في براحات مدينة سبها البهية، في النصف الثاني من ستينيات القرن الماضي، ولازلت أتذكر الجملة الشهيرة (وين وصلتوا؟) التي يرددها الأصدقاء بين الحين والآخر أثناء التوقف عن القراءة المسترسلة لوقت طويل، اقتناصاً لبعض الراحة أو لشرب الشاي!

أيضا، الرواية كاللوحة التشكيلية في أحد الجوانب، حيث تكتسب خاصيتها مما يصلك منها فقط، لأن ما يصلك منها فهو لك، وما لا تتوفق في الوصول إليه، فربما يكون لغيرك، ولا غضاضة في ذلك على أية حال.   و الفارق هنا، هو أن اللوحة قد يشاهدها آخرون معك في نفس الوقت، لكن الرواية في أغلب الأحيان تجبرك على العزلة، وكأنك صوفي اعتراه الوجد، فهام في عوالم ليست من صنعه، لكنها في تلك اللحظات له هو وحده .

الرواية (معمار) متكامل يسع كل شيء، فهي لغة بكل مستوياتها وتشكلاتها، وهي فلسفة واجتماع وتاريخ وعلم نفس وعلم جريمة واقتصاد وسياسة، وكل هذا وأكثر قد يبقى مجرد (إخبار) جاف لا قيمة له إلا قيمة المعلومة التي يحملها، ما لم ينصهر في بوتقة الفن النبيل، التي تحيل كل ذلك إلى حياة، تنتقل تفاعلاتها من موقف إلى آخر، عن طريق السرد أو الحوار أو المنولوج، أو أية أداة أخرى من أدوات التعبير الفني. ومن خلال ذلك ينبجس التوتر الخلاق، الذي يصنع اللحظة ويطلق إضاءاتها المبهرة في فضاء العمل الروائي!

رواية قصيل، هذه الرواية الجميلة، اللغة تحمل نصيباً جيداً من التجاوز للصياغات المتداولة، والأسلوب يصارع نفسه بين ترك الشخصيات الروائية تعبر عن نفسها بتلقائية بحكم تكوينها، وبين تدخلات الكاتب وفرض آرائه وتصوراته عليها أحيانا. ومع ذلك، ففي أكثر من موقف فإن التوتر الفني، أي تصاعد الحدث، وصل إلى ذرا عالية، وهذا ما أثارني أكثر من أي شيء آخر في هذه الرواية!

هذا التوتر الخلاق، تصاعد بالتدريج و بهدوء و تمهّل، ووصل أعلى مستوياته في آخر صفحات الرواية، حتى بلغ مدى  فجّر كل الالتباسات التي يثيرها عادة أي عمل فني خلاّق، ونثر أسئلته الوجودية، بعد أن طرح كافة أسئلته الاجتماعية والسياسية وحتى الاقتصادية، وأعطى الفرصة في نهاية المطاف لالتقاط الأنفاس بعد جهد لا شك فيه، للانصهار في محراب الفن والإبداع، محراب الرواية!

رواية قصيل، قدمت جمالياتها من خلال سرد بديع، يحتفي بالمكان من خلال موجوداته !حدثتنا عن (قصيل) ولحظات من حياته، متوترة أو مبهجة أو كئيبة. وما يتصارع في ذاكرته من أفكار مقتنع بها من الأساس، أو فرضت عليه بحكم الظرف الاجتماعي المتجذّر، وأعطتنا الكثير عن الواقع الاجتماعي ومكوناته الثقافية العفية والصادمة.

الرواية أزاحت الحوار جانبا، وجعلته يتوارى عن المشهد، ونادراً ما يظهر على السطح، وكأنه تعبير عن الصمت الاجتماعي القامع، الذي يأبى أن ينزاح عن كاهل الحياة اليومية. واستعاضت عنه بالسرد والمنولوج  كبراح آخر من خلاله تستمر الحياة رغم قسوتها وإحباطاتها.

هذه الرواية، هل تقول لنا أن من تخلّى أو فقد تاريخه، حتما سيضيع؟! أم أنها تشير لك بحدة و قناعة، وتقول (أنت تاريخك)؟! هل تقول لنا، في لحظة ما أن الإنسان قد يفقد القدرة على المقاومة؟! أم أن المقاومة قد تنهار، في أي لحظة غريبة ولا عقلانية؟! هل تقول لنا أن روح الحياة قد تضيع أيضا، وبصلف غريب.. روح التاريخ والمجتمع، بل والحضارة ذاتها، وبأي مستوى كانت؟!

لا أريد أن أقول أن هذا العمل الروائي كامل أو متكامل حتى، فمثل هذا القول لن يفيد الرواية أو الروائية بشيء، فالهنّات الفنية ستظل دائما موجودة في أي عمل فني، وإنما أقول أنه لا يوجد عمل كامل أو متكامل، بل توجد تجربة مستمرة لا تتوقف، فهناك فقط عمل إبداعي يقدم نفسه كخطوة على درب الإبداع الذي لا نهاية له، خطوة على درب طويل، درب لعله شائك، لكن الدروب الشائكة تقود حتما وفي نهاية المطاف، إلى سهول خضراء، تحلّق في سمائها وبراحاتها، الكثير من الفراشات!

محمد الزنتاني

يونس الفنادي | 18/02/2017 على الساعة 09:55
قصيل تجربة أولى بنجاح
قصيل عمل روائي استنطق المكان بجدارة وأبان تمكن الكاتبة عائشة إبراهيم من أدواتها الفنية وقدرتها على تحريك شخصياتها واستعمال تقنية الوصف بإتقان من خلال قاموسها اللغوي الثري بالمفردات المعبرة بدقة عن مضمونها ورسالتها. الأستاذ القدير محمد الزنتاني غاص في البعد الدلالي والفلسفي للعمل الروائي وأبدع في التعبير عن تقييمه الفني وهو جدير بذلك لما يملكه من خبرة في مجال القصة القصيرة التي أثرى بها المشهد السردي في ليبيا الحبيبة. لا شك أن رواية قصيل هي تجربة أولى للكاتبة في مجال العمل الروائي وبالتالي فهي قد تكللت بالنجاح وفق تصوري ويجب التركيز على ملاحظات الأستاذ الزنتاني القيمة والاستفادة منها في الإبداعات القادمة التي نترقبها بكل شغف لقلم استطاع أن يبهرنا بعذوبة النص وعمق الدلالة التي لمسناها في قصيل. شكراً للاستاذ الزنتاني على كلماته الداعمة والمشجعة وبالتوفيق للكاتبة في أعمالها القادمة.
صحفي مخضرم | 17/02/2017 على الساعة 21:00
عفواً أستاذ النمر
شكراً للأستاذ محمد الزنتاني على ما تفضل به فكره وقلمه حول رواية "قصيل" وهي التجربة الأولى لكاتبة ليبية تملك أدواتها الفنية وتعمل على تطويرها. ولكن يؤسفني أن يختار الكاتب نورالدين النمري هذا الفضاء للاستمرار في شطحاته الكتابية التي يستعرض فيها بعض تاريخه، إن كان له تاريخ، يزعم فيه الصداقات والبطولات الابداعية والتفوق والنضال والمعارضة. إن اقتباسه من الغزالي "المضنون به على غير أهله" لا صلة له بالرواية ولا الحديث عنها، كما أن نعته للكاتبة بالمبتدئة هو وصف ظاهره الموضوعية وباطنه التقليل من عمل المبدعة الناشئة. إن النقد الموضوعي لا يمكن تجاهله ولكن حب الظهور من أجل الظهور فقط .. لا يقبله عاقل. فتباً لمثل هذه التعليقات التي تحط من قدر الآخرين لأجل الاستعراض لتاريخ مزعوم ...
د . الصديق بشير نصر | 17/02/2017 على الساعة 20:31
عد إلينا أيها الحبيب فما عاد في العمر بقية
الأستاذ محمد الهادي الزنتاني أديب لم يحالفه الحظ وعاندته الأيام وأعرضت عنه بوجهها وأدبرت ، وأقبلت إلى غيره ممن هم دونه خلقاً وإبداعاً . كسر فيه نظامُ الاستبداد القمعي قلماً واعداً متميزاً ، فحرم من الدخول إلى الجامعة وسُحب منه جوازُ سفره لا لشيء إلا لأنه امتنع عن اللحاق بجند الانكشارية الذين كانوا يجندون يومئذٍ لخدمة مهووسٍ مسّه جنونُ العظمة ، وظلّ حبيساً وإن لم يودع السجن . كنا يومئذٍ ثلةً من الأصدقاء مازلت احتفظ بصور فوتوغرافية لهم ، أذكر منهم نورالدين النمر ، وعبد الحفيظ الزياني ، وعبدالسلام قرقوم ، والمرحوم محمود الزقوزي ، وحسني صبري الأمير . وكم أنا سعيد ، سعادة صديقي نورالدين النمر ، بعودة هذا القلم الأثير . فعُد أيها العزيز إلى محبيك ، فقسوة الاغتراب في داخل الوطن لا تعدلها قسوةٌ .
نورالدين خليفة النمر | 17/02/2017 على الساعة 17:14
قصيل من زرع الزنتاني
من إبتهاجات فبراير وذكرى ثورته العزيزة أن أقرأ في الموقع الكريم لأوّل مرّة للكاتب محمّد الزنتاني،وللذي لايعرفه هوكاتب قصة مُجيد من جيلنا المهمّش المغبون وإن ماكتبه لايعيبه كونه تعلّق بكتاب أول لكاتبة مبتدئة فالحدوس والرؤى التي بثها قلمه هي قصيل أخضر من زرع بذرته الروحية الشفّافةوأنضجته الحكمة الصافية هو بوح من كلام شابه مانعته الآمام الغزالي بالمضنون به على غير أهله هي أفكار في تجربةالكتابة والقراءة والأدب والثقافة عموماً كان يبثّها لي وحدي منذ مايقارب الـ40 عاماً من صداقتنا العفية الرائعة ..أتمنى فيما بقى لدينا من عمر أن أقرأ لمحمد عموداً صحفياً، كلاماً يومياً رائعاً في جريدة ليبية تؤسس لليبيا جديدة أخرى غير التي كانت منذ 4عقود وغير التي هي اليوم .
آخر الأخبار
إستفتاء
هل تؤيد دعوة مجلس النواب الليبي لإجراء انتخابات برلمانية ورئاسية؟
نعم
لا
الإنتخابت لن تغير من الامر شئ
الوضع الأمني لن يسمح
لن تفيد بدون تسوية سياسية أولا
التوافق على دستور اولا
كود التحقق :
+
إعادة
لمتابعة ليبيا المستقبل
جميع المقالات والأراء التي تنشر في هذا الموقع تعبر عن رأي أصحابها فقط، ولا تعبر بالضرورة عن رأي إدارة الموقع