مقالات

أحمد الشّارف

بين الواقع وذاكرته القريبة

أرشيف الكاتب
2017/02/17 على الساعة 06:22

إنّ الإنسان حين يرجع إلى الخلف بزمنه قاصدا تحليل حدثٍ ما لا يجلب معه مشاعره الآنية التي تحكمها أحداث وحروب دموية ومآلات بشعة بل إنه ولكي يُجيب على السؤال الذي اتخذه لنفسه مفتاحا يرجع به إلى زمن مضى ينبغي له بأن يرجع بذاته ومشاعره وتفكيره وآمالهِ وقتما كان الحدث ليقيس عليه وليسأل: هل كانت ثورة أم لا؟ هل كان صحيحا أننا ثرنا على نظام القذافي؟

انه لمن الخطأ  أن يرجع للحدث وفق حنينٍ ما راجع لردّ فعل من واقعه المُعاش أي بمعنى آخر أن يرجع بجسده وعقله ومشاعره "الآن"، إنه بهذا سيقول فوراً ودون تردد أنّ ذاك النظام كان أفضل من هذا الوضع الذي يُعتبر بالقياس في زمن النظام حينها  أسوأ، هو أسوأ فعلاً كحالة إنسانية نعيشها ونمر بها، ولكن بالتأكيد ليس حُكما صائبا أن نقوم بتجميل ومدح النظام السابق وندعوه بما لا يستحق لأن واقعنا لا يزال يتفاعل بناءً علي هذا الحدث السابق ولا نزال نحن كـ"ذوات" في حالة تشتت نفسيّ واجتماعيّ.

لذا و إن نحنُ رجعنا بمفاتيح الوقت الماضي وأغمضنا أعيننا لاتّضح لنا بما لا يدعو مجالا للشك عدة فوارق مهمة تجعلنا ننفي صفة المقارنة بتاتا. وهو أنه - وبجزمٍ واضح -إنّ هذا النظام طوال أربعين عاماً كان واضحاً للمرء تمام الوضوح بأنه نظام همجيّ دموي وفق مقاييس الأنظمة السياسية السائدة حينها "واقعيا ونظريا" بل انه إن قلنا مجازا أنّ الطبيعة الدكتاتورية للنظام هي مطلب ظرفي للبناء كما كانت ترى وتبرر اغلب دول العالم النامي حينها، نجد أنه وبالقياس لعصره السابق وموارده وقتها قد انحدر اجتماعيا وسياسيا وأوضّح هنا بمقصدي بالانحدار من واقع المفهوم العام للتنمية السياسية والاجتماعية والاقتصادية التي من الضروريّ أن نصل إليها  بالقياس لما تمتلكه هذه البلاد من موارد، ولم نكن نشهد أيّة ملامح للبناء والتطور خصوصا في السنوات الأخيرة ولا أي خطط مستقبلية إلا على الورق وتجاذبات سياسية هنا وهناك داخل السلطة السياسية، بل إننا كنا نسمّي هذه الدولة تهكّما (وبمناسبة التهكّم فلربما كنا أكثر شعبٍ تهكّم على خطب زعيمه ونسج النكت وقلناها في مخادعنا سرا بهمسٍ أشبهَ بالصمت) أعود لقولي بأننا كنا نسمي هذه الدولة بدولة القرار، إذ أننا كنا ندرك وخلال أربعين سنة بأننا سنصحو كل يوم لنقول ماذا يا تُرى سيأمر العقيد في جلسات المؤتمر القادمة؟.

ومن الفوارق المهمة التي لابد لنا أن نعيها هي أنه حين ثرنا علي هذا النظام ثرنا عليه من واقع رفضنا "لدولة العقيد" القائمة ذات السلطة المطلقة بغيّة استبدالها بدولة ذات نظام سياسي مغاير تماما، ولذا فالمقارنة هنا مجحفة وليست منطقية خصوصا بما يتعلق بالأمن والحاجيات الأساسية فنحن ثرنا علي نظام قائم بذاته له سلطة واحدة وهيئة سياسية تحكم ومُسخّرةٌ لها كل الموارد والإمكانيات أما اليوم فنحن لم نؤسس بعد نظاما سياسيا بدستوره وسلطاته الدائمة والذي من خلاله سنقارن به نظام القذافي السياسي الذي ثرنا عليه، فسياسة المقارنة علميا تقوم علي نظامين سياسين قائمين لهما طرق واضحة وثابتة في صناعة القرار ومؤسساتٌ أيّا كانت فهي مؤسّسات منضبطة وتعمل وفق رأي الهيئة السياسية التي تقود  وليس على نظام سياسي ومرحلة انتقالية وظيفتها الوحيدة والمفترضة أصلاً هي بناء النظام السياسي المأمول.

ومن الفوارق الأخرى التي سندركها من جرّاء عودتنا بعقولنا للزمن الذي "مضى" بأننا سنجد أن الشعب الليبي كان "شعورياً" يتفق أو بنسبة كبيرة منه طوال أربعين عاما على نكران هذا النظام ومقته والمضي إلى نظام أفضل، نظام سياسي يُصلح ما أفسده النظام القائم وقتها ويقودنا إلى التقدم المنشود، هذا هو الشعور العام والمنطقي، ولماذا المنطقي؟ لأني هنا لا أتحدّث عن مرحلة الربيع العربي كثورة لها تداخلاتها الدولية ذات المصالح المتضاربة بل أتحدّث عن حقبة كاملة اسمها "نظام العقيد" رأينا فيها من الذلّ الإنساني والتدهور والتوتر السياسي والاجتماعي ما لم تشهده دولة في الوطن العربي دونما توسّع لئلّا تخونني المقارنة  وأنا هنا أقارن بين دول قائمة تتشابه في الكثير من المعطيات.

أتحدّث عن حقبة اجتمع الشعب  واتفق فيها على رفضها خلال الأربعين سنة الماضية ولست هنا في خضم أن أُعدِّدَ المشاهد والحوادث التي تُؤكّد هذا الكلام فهي كثيرة والأهم من هذا أنها "واضحة" لمن أراد أن يرى ويُنشّط ذاكرته. إن هذا النظام ووفق المقاييس النظرية لحدوث الثورات ومعجِّلاتها وأسبابها هو باقتدار نظامٌ كان واجبَ السقوط والثورة عليه ولا ديمومة له. إننا في مرحلة أسوأ ونأمل بكل ما نملك أن نتخطّاها إلى الأفضل ولكن هذا لا يجعلنا أن نُجمّل ما لا يُجمّل بداعي تفريغ شحنة اليأس التي نمر بها، فإن المؤرّخين والباحثين بعد زمن سيقلّبون الأوراق والمشاهد وسيحكمون ولن تكون لهم نزعة اليوم ولا ضجر الأمس بل سينقلون ما تم وفق ما اقتضته ظروف المشهد وتعريفه وما أنتجه وبهذا فإنه لا يمكن لنا الآن أن نقارن بين نظام و"لا نظام" ونقول بأن زمن العقيد أفضل - بالطبع أفضل - وهل من بيده سلطة مطلقة لا يجلُبُ الأمن والأمان؟

أحمد الشّارف

كلمات مفاتيح : مقالات ليبيا المستقبل،
احمد الشارف | 18/02/2017 على الساعة 15:03
ليس ردّا بل بيان توضيح (2)
والمهم من هذا وذاك هو ان لا يسوقنا اليأس الى نكران حالة الرفض التام للنظام العقيد وأن لا نعود الى تجميله ومدحه فليس من سنن الشعوب ان تظل النفوس يائسة ومحبطة وان تفكّر للخلف وتتلهف الى العودة للظلم والقمع فهذا مهما يكن من دواعي انسانية انما هو المعطّل الأول لحركة التقدم التي سنصل إليها .
أحمد الشارف | 18/02/2017 على الساعة 14:39
ليس ردّا بل بيان توضيح
الشكر كل الشكر للذين زيّنوا هذه المقالة بحروفهم وكلماتهم التي ابهرتني ووصفتني بما لا أستحق مطلقاً بل واخجلتني أما سبب كتابة تعليقي هنا فهو لتوضيح بعض النقاط حول المقال وليس ردّا على أحد فالرد عادة وكما تعلّمته يكون على أسس ولا يأتي إلا من كلام يناقض المُقال أو ينتقده نقدا واضحاً وسليما من واقع مضمونه ، ولهذا التزمت الصمت ، بيد أني قد عدّتُ وفكّرت ان اكتب ما سمّيته بيان توضيح لما ورد : المقالة هدفها أن أعبّر عن شيئين وجدتهما في غاية الأهمية بالنسبة لهذه المناسبة واللغط يكثر حولهما 1-القبول بأن الثورة هي نتيجة لنظام سياسي وهو هنا نظام العقيد (الجماهيرية) وليست هفوة سقطت من التاريخ أو عرضاً ما بل هي من سنن التاريخ وواجبة الحدوث شأنها شأن تفاعلات البشر الأخرى ، وشروط قيام الثورة موجودة منذ الثمانينيات ومعجلاتها كما ان المعجّل الأساسي الذي ساهم في الفعل هو كما يصوغونه علماء السياسة بـ(أثر المحاكاة) 2انتفاء المقارنة وعبثها بين نظام كان قائما بحد ذاته ومرحلة انتقالية دخلت حرباً أهلية وكانت وظيفتها هي خلق نظام سياسي يتوافق عليه الليبيون كشعب داخل اقليم وهذا ما لم يحدث إلى حديث الآن
ممتعض | 18/02/2017 على الساعة 10:33
ليس بهذه السطحية
السيد واحد من الناس ، أذكر أنه في آخر لقاء لي معه ( وليعذرني الشاعر الشاب للبوح بهذا وإن لم يكن سراً ) قد حدثني عن لقاء جمعه مع عالم النفس والمفكر اللبناني مصطفى حجازي صاحب سيكولوجية الإنسان المقهور ، والإنسان المهدور ، وإطلاق طاقات الحياة ، ومترجم الكلام أو الموت ، ولماذا العرب ليسوا أحرارا لمصطفى صفوان ، مثلما حدثني بما دار بينهما من حوار يمكن استشفاف مداره ، وعلى العموم فهذا مجرد مثال يُرينا الفارق بين إهتمامات أحمد الشارف ودقة فهمه وعمق رؤاه وبين الذين لما يتحرروا من مناهج التلقين ومرددي الشعارات والكليشيهات الفارغة من قبيل ( المهم الطاغية أو '' التاغية كما تصر عليها '' ما ) ولا يمكن تجيير هذا المقال كبيان بلسانهم ، ولا كاتبه ناطقاً بصوتهم ، ليس الأمر كذلك ، بل المقال جهد تنويري يستهدف من بين يستهدفهم ضحايا المناهج التجهيلية التلقينية ، والساخرين منهم على حد سواء ، فكلنا ( بدرجة أو بأخرى ) ضحايا تلك الثقافة العدمية التي زرعت فينا القنوط وافقدتنا الثقة بالذات والمستقبل وببعضنا البعض ، المقال ليس بالسطحية التي قرأته ( حضرتك ) بها .
واحد من الناس | 18/02/2017 على الساعة 07:11
مختصر مقالك
يا شاعرنا المبدع بعد كل هذه الكوارث التي سببتها فبراير و طوار فبراير. تريد ان تقول في مقالك كما يقول طواركم الاشاوس (المهم التاغية مات)
نورالدين خليفة النمر | 18/02/2017 على الساعة 01:18
نور على نور
هاهي شجرة أحمد الشارف تطرح ثمرها اليانع الجديد إنه الكاتب المؤهل في كتابة السياسة أحمد الشارف .إنه أخر الغلّة وليس أخيرها فالشجرة التي إبتدأت بالشاعر القاضي الشرعي أحمد الشارف الجدّ ،أثمرت بعده المعلّم المُرّبي فتحي البهلول الشارف وبعده الحقوقي الآديب سمير أحمد الشارف وهاهو اليوم السياسي والشاعر أحمد أحمد الشارف مقفل الدائرة الأولى ومفتتح الدائرة الجديدة دائرة الوعي والوطنية والثقافة الليبية الواعدة شكراً أحمد الشارف على هذا المقال ونحن في إنتظار مشوق للمزيد حفظك الله .
فاتن "محمد فريد" سيالة | 17/02/2017 على الساعة 12:04
شكر وتقدير لشاب من خيرة شبابنا المعطاء
#ليبـــيا باقية ولن تموت وستنهض ولو بعد حين فلها أبناء صالحين عشقهم الوطن لا غير أمثالكٓ يأيها الشاب الشاعر المُثَقَّف .. . شباب مُحبين وعاشقين لوطنهم هم من سيحققون لنا الأمل المنشود منذ 2011 بقيام دولة المؤسسات .. دولة القانون والقضاء ...دولة لها كيان بين الدول الأخرى .. بعيداً عن أصاحب المصالح الخاصة المتأمرين عليها تحت ستر الدين الذي هو برآء منهم ومن تصرفاتهم الشنعاء ... الأمل موجود بما أن الله في الوجود ولو بعد حين ...
ممتعض | 17/02/2017 على الساعة 09:13
لننصت إلى ما يستحق أن ننصت إليه
عرفت أحمد الشارف صوتاً شعرياً متميزاً ولن أخفي غبطتي وامتناني لاكتشاف أنه أيضاً قارئ رصين ومحلل عميق ، أحمد الشارف وجيله من الشعراء والمثقفين الشباب الذين ( حظيت شخصيا يوم الثلاثاء الماضي ، الذي دعاه مكي أحمد المستجير بالثلاثاء الذهبي ) بسماع بعضهم وكان الشارف ومكي من بينهم ، أعود إليهم لأقول أنهم ، صوت فبراير النقي ورؤاه وأماله الواعدة ، جيل برئ فعلاً من ملوثات الانحيازات المتدنية القبلية والجهوية والأيديولوجية ، جيل منحاز إلى ليبيا وانسانها ، وإذا كان مما يليق بالعاقل أن يبحث دائماً عما يمكن أن يكون فيه أمل ، فأمل ليبيا في هذه الأصوات الوعدة ، وكفانا انسياقاً مع غرغرة عجائز السياسة والقبلية والجهوية والأيديولوجيات الظلامية العدمية وشهقات احتضارهم .
آخر الأخبار
إستفتاء
هل تعتقد أن الإفراج عن سيف الإسلام القذافي:
سيساهم في حل الأزمة الليبية
سيدعم جهود المصالحة الوطنية
سيزيد من تعقيد المشهد السياسي
اجراء غير قانوني
لن يكون له تأثير
كود التحقق :
+
إعادة
لمتابعة ليبيا المستقبل
جميع المقالات والأراء التي تنشر في هذا الموقع تعبر عن رأي أصحابها فقط، ولا تعبر بالضرورة عن رأي إدارة الموقع