مقالات

شكري السنكي

فِبْرَايـِر فِي ذكراها السَّادِسَة

أرشيف الكاتب
2017/02/17 على الساعة 06:21


 

المشهد الِلّيبيّ فِي ذكرى ثَوْرَة السّابع عشر مِن فِبْرَاير

ست سنوات مرت, على يوم أن هتف الِلّيبيّون بعلو صوتهم: (الشّعب يريد إسقاط النَّظام) وخرجوا بالآلاف المؤلفة فِي الميادين والساحات والجبهات لإسقاط نظام جعل ليبَيا مِن أكثر بلدان العالم تخلفاً وفساداً، وَأكثر دول العالم استبداداً. كان لليبَيا وغيرها مِن الدول الّتي قامت فيها الثورات مَا يدفع شعوبها إِلى الانتفاضة ضدَّ تسلط حكامها ودكتاتوريّة أنظمتها الحاكمـة، ورغم معاناة الِلّيبيّين وما يعيشونه فِي هذه اللحظّة الرَّاهنة مِن خوف ومخاوف وغموض واقتتال وتشرذم بأنواعه، إلاّ أن ذلك نعتبره أمراً طبيعياً مرَّت به معظم ثورات الدنيا، ونتيجة طبيعيّةً لعقود الظلم والظلام وحكم الفرد المستبد، وأنه مرحلة ستمرّ حتماً بعْد مرور بعض الوقت. ونؤكد على أن ثورة فبراير كانت مطلباً شعبياً لكلِّ الِلّيبيّين، والشغل الشاغل لكلِّ المُناضليـن والمُهتمين بالشّأن العام، وثـورة شعـب بأكمله حمل الرغبة بأن تكون الحريّـة وسيادة القانون هما عماد الاستقرار والأمان والنهضة والعمـران. ونضيف أن ثورة فبراير نجحت نجاحاً باهراً فِي تحقيق هدفها، ألاّ وهُو إسقاط الطاغيّـة وتحريـر الشّعب مِن قيود الاستبداد وإعادة شعور المواطـن بضرورة أن يلعب دوراً فِي رسم السّياسات الّتي تؤثر على حياته اليوميّة.

والّذِي حدث، خرج الِلّيبيّون فِي فبراير لإسقاط الطاغيّـة وتحريـر أنفسهم مِن قيود الاستبداد، فخرج سيف ابن الطاغية مهدداً ومتوعداً ومحذراً الِلّيبيّين مِن سوء المصير وعودتهم إِلى زمن مَا قبل اكتشاف النفط!. فمعمر القذّافي لم يُصدَّق خروج الشّعب وانتفاضته ضدَّه، وأن معظم أقطاب سلطته تبرأوا منه ولعنوه، فبعضهم فرَّ إِلى الخارج وبعضهم انشق عليه بعْد اندلاع الثورة مباشرة، فأصابه الذهول والارتباك ولم يستطع الكلام فِي بداية الأمـر.

وَالحَقِيْقَة، أن أكثر مِن ثمانين بالمائة مِنْ الّذِين كانوا مع القذّافي ويهتفون له، انفضُّوا مِنْ حولِهِ وتركوه يواجه مصيره بِمفردهِ، وحينما واجه مصيره الأخير فِي سرت لم يكن معه إلاّ حوالي سبعة أنفار فقـط مِن أقربائه ورفاقه، وقد كان مِن بينهم ابنه المعتصم الرَّابع فِي الترتيب وأقرب المقربين له، والّذِي شغل منصب "مُستشار الأمن الوطنيّ" قبل الثورة.

لم يُصدَّق معمّر القذّافي ما حدث له وجن جنونه، فحتَّى الّذِي كان يلقي على مسامعه برقية تأييد ومبايعة قبل اندلاع الثورة بأسبوع واحـد فقط، انشق عليه ولعنه وكأنه لم يبايعه يوماً ويعلن للعالم أجمع محبته له ويتعهد بِالدّفاعِ عنه حتَّى آخر قطرة في دمـه!!. صمت معمّر القذّافي وسكت مِن آثار الصدمة، ولم يتكلم فِي بداية الأمـر فخرج ابنـه يلّوح بإصبعه قائلاً:..".. لن يذهب أولادكم غداً إِلى المدارس، ولن تكون هُناك جامعات، وسينهار قطاعا التعليم والصّحـة تماماً. وسيصيبكم الخوف والجوع ونقص فِي كلِّ شيء، فلا دقيق يؤكل ولا أموال فِي البنوك.. وستضيع مدخراتكم ومدخرات البلاد، وستسرق وتنهب الأموال الِلّيبيّة.. وستهاجرون وتنزحون مِن بيوتكم. وأن صراعاً سوف ينشب حول "البترول" يؤدي إِلى حرق الخزانات والعبث بالبنية التحتية النفطية، بالإضافـة إِلى قطع إمدادات النفط، وسيؤدي كل ذلك حتماً إِلى حرب أهليّة تنتهي بتقسيم البلاد إِلى دويلات وإمارات وبعدها سترجعون إِلى أيام الفقر والضنك قبل اكتشاف النفط".

لم يتنبأ سيف القذّافي بذلك أو يقرأ "طالع" الِلّيبيّين، بل كان يعلم تماماً أن ما تركوه سيؤدي حتماً إِلى التشظّي والاقتتال والانقسام فِي السّاحة الِلّيبيّة، فنظام أبيه كان قائماً على شخصه وكتائب تعمل لحمايته، بِالإضافةِ إِلى التحكم فِي قوت الِلّيبيّين وصرف الأموال على شراء الذمم وتأليب النَّاس بعضها على بعض، فلم تكن هُناك مؤسسات بإمكانها أن تستمر بعد غياب أبيه، فلا جهاز إداري راسخاً يعّول عليه، ولا مؤسسة شرطيّة تحمي المواطن وتحافظ على أمنه، ولا مؤسسة عسكريّة تحمي الوطن وتدافع عن ترابه وتصـون سيادته ووحدته.

ولعلنا نشير فِي هذا الصدد إِلى مَا حدث بعْد استيلاء معمّر القذّافي على السّلطة، حيث لم يخرج إِلى النَّاس وقتئذ، المَلِك أو وليّ عهده، أو أيَّ مسؤول مِن مسؤولي العهد الملكي، ليقول لهم: "ستهاجرون وتنزحون مِن بيوتكم، وستنهب وتسرق أموالكم، وسيحرق النفط وتغلق الموانئ وتقفل المدارس والجامعات، وسترون بَأْساً شدِيداً وأسوأ أيامكم وأحلكها"، لأنهم كانوا يعلمون أن مَا تركوه مِن مؤسسات وبنيان صحيح سيحول دون الانحدار إِلى هذا المستوى، وأنهم فضلوا ترك الحفاظ على الشّرعيّة ومكتسبات الوطن ومنجزاته ومدخراته أمانة فِي أعناق النَّاس، رافضين الصدام الّذِي يتسبب فِي إراقة الدماء.

وَمِن جَدِيْد، ست سنوات مضت على ثورة فبراير أو حرب التَّحرير الثانيّة فالأولى كانت للتحرَّر مِن الاستعمار، وفبراير جاءت للتخلّص مِن حكم الفرد المستبد وتمكين النَّاس مِن التعبير عَن مطالبهم والدّفاع عَن حُقُوقهم وتفعيل مشاركتهم فِي مجمل السّياسات الّتي تؤثر فِي حياتهم وَفِى مستوى معيشتهم.

نجحت فبراير فِي إسقاط الطاغيّـة، والبلاد تواجه اليوم مخلَّفاته وإرثه الثقيل، وثورة مضادّة زاحفة لإفشال مساعي بناء دولة القانون والمؤسسات، بعد ظاهرة اللا دولة الّتي كانت سائدة طيلة سنوات حكم معمّر القذّافي. ومواجهة أجندات خارِجِيّة بحكم الحضور القوي للعامل الخارِجِي فِي المعادلة المحليّة، حيث تمّت الاستعانة بالتدخّل الخارِجِي فِي مواجهة الاستبداد الداخلي ثمّ لمواجهة المغالاة والإفراط والعصبية أيَّ (التطرّف) والّذِي هُو المفرخ للإرهاب، ومكافحة الإرهاب مبرمة بشأنه اتفاقات دّوليّة لأنه صار خطراً كونياً ولم تعد مواجهته مهمّة تخص دولة أو دولتين أو حتَّى المنظومة الإقليميّة فحسب بل غدا شأناً دولياً تتضافر جهود كل بلدان العالم لأجل مكافحته ومحاصرته.

قد يستغرب البعض احتفالنا بذكرى ثورة السّابع عشر مِن فبراير بعد أن أصاب فبراير مَا أصابها، ويطرح سؤالاً صار يعتبر مؤلفاً اليوم: كيف تحتفلون بفبراير والّتي رأينا بعدها – وما زلنا - أسوأ أيامنا وأحلكها، والّتي جعلتنا – وحسب رأيهم – نختبر وجهاً مِن الدنيا لم نألفه ولم نكن نظن الوصـول إليـه!!؟؟.

وهذا يدعونا للتأكيد على أن واقـع الحال لا يُرضينا بتاتاً، فإذ نحتفل اليوم بالذّكرى السّادسة لثورة السّابع مِن فبراير لا نقف راضين فرحين بما حدث ويحدث، فالوَاقِع لا يُرضينا وليس هذا مَا تطلعنا إليه وحلمنا به طويلاً، بل تأتي ذكرى فبراير لتذكرنا بأن المشوار الّذِي بدأناه فِي ذلك التاريخ المجيد يجب أن يستمر ولا يتوقف حتَّى الوصول لمبتغاه، وتستحثنا المناسبة لمواصلة المسير, حتّى تتحقق أهـدافنا وكل مَا حلمنا به وتطلعنـا إليه منذ زمـن بعيـد.

وَالحَق الَّذِي لا مِرَاء فِيه أن الوصول إِلى العدل والحريّة والاستقرار ليس سهلاً، وأن البناء أصعب بِكثيرِ مِن الهدم، وأن كل ثورة يكون لها فِي الغالب ثورة مضادّة، ونحن لسنا استثناءً، والثورة المضادّة مستمرة عندنا ولم تتوقف يوماً واحداَ منذ ست سنوات مضت، وقد ظهرت مؤخراً بصورة جلية، بعدما طرأ على البلاد مَا طرأ، وهذا مَا يدعونا إِلى طرح السّؤالين التاليين: هل تنجح المشاريع الخارِجِيّة الّتي تريد إفشال ثورتنا وتستهدف كيان دولتنا؟. وهل تنجح الثورة المضادّة فِي تحقيق أغراضها؟.

والشَّاهِد، عناصر نظام سبتمبر فشلت فِي السّابق فشلاً ذريعاً، وأنها لن تنجح مؤكداً فِي المُسْتقبل مهما بلغ مشروع الثورة مِن تعثر وارتفعت وتيرة المصاعب والتحديات، فعقارب الساعة لا تعود للوراء، وإنَّ كل ليل بهيم وراءه فجر مُشرق. ولا يخفى على أحـد أن عناصر نظام القذّافي استغلت وتستغل الفوضى القائمة، الخوف والمنغصات والمصائب الّتي حلت بِالنَّاسِ، لتحويلها لصالحهم ما أمكن، ولصالح عهد العبوديّة الّذِي يسمونه الاستقرار، ولأجل العودة إِلى الصفحـة الّتي طويت أو إِلى مَا كانت عليه الأوضاع قبل الثورة، ولكنهم واهمـون ولن ينجحوا فِي مسعاهم بإذن الله وإن استبشروا بما يحققونه الآن، لأنهم يفتقرون للمشروعيّة ولا يملكون مشروعاً سوى مشروع الطغيان والتخلف والاستبداد.

وإنّه لمن حسن حظ الثورة وطالعها أن تأتي ذكرى فبراير لعام 2017م وقد تمايزت الصفوف وخرج على السطح كلِّ المتسلقين والنفعيين وراكبي الموجة مِن الثورجية الجدد وفلول سبتمبر الِّذين أهدروا ثروات وموارد البلاد، ولطالما أذاقوا النَّاس العذاب واستولوا على مَا معهم، ولذا الشّعب مطالب اليوم بالوقوف ضدَّهم بالمرصاد, والتّصدي لمخططات إثارة الفتن ونشر الأراجيف والأكاذيب ومحاولات التفريق بين أبناء الوطن الواحد.

ولا يمكن بحال مِن الأحوال أن يكون تردي أوضاع النَّاس المعيشيّة والأمنيّة والاجتماعيّة والاقتصاديّة نتيجة للثورة، فالثورة مِن ذلك براء، ولا أن يُحسب على الثورة مَا يحدث مِن فوضى وانقسام وبلطجة ودعوات انفصاليّة وشرخ اجتماعي فِي النسيج الِلّيبيّ، فالثورة بريئة مِن كلِّ ذلك، لأن السبب الرئيسي فيما وصلنا إليه يرجـع إِلى حكم الفرد المطلق الّذِي تركنا فِي العراء، الأجندات الخارِجيّة وغياب المشروع الوطنيّ، ثم فشل كل مَنْ تولى المسئوليّة أثناء الفترة الانتقالية والمؤقتة، بِالإضافـةِ إِلى انشغال القوى السّياسيّة والنخب المثقفة بمكاسبها وصراعاتها الجانبيّة وإهمالها مصالح الوطـن ومصلحة المواطنين.

وَالحَقِيْقَة، أن الّذِين يتحدثـون اليوم عَن الأمان والاستقرار فِي عهد معمَر القذّافي والإنجازات الّتي تحققت فِي عهده الدموي البائس البغيض، يأخذون الفرصة ويستمدون وجودهم مِن إخفاقات فبراير وليس مِن نجاحات عهد لم يرَ الِلّيبيّون منه إلاّ التنكيل ومصادرة حرياتهم والاستيلاء على خيراتهم وممتلكاتهم عنوةً وغصباً. ولذا، لابُدَّ أن تكون ثورة السّابع عشر مِن فبراير مصدر فخر واعتزاز لكلِّ الِلّيبيّين، ويوماً وطنيّاً وعيد التَّحرير الثانيّة، حيث التخلص مِن المستبد ونظامه.. وعيداً يذكرنا ببهجة الحريّة ويوم هتفنا باسم ليبَيا ولأجلها.. وعيداً نجدد فيه ولاءنا للوطـن الغالي.. ونؤكـد فيه التفافنا حول راية وطننا الّتي تمثل التّاريخ والرمزية، وميراث الآباء والأجداد المؤسسين للدولة الِلّيبيّة.

ولا ريب أن تلك الأصوات المتبجحة ستوضع فِي حجمها عمّا قريب، لأنها تستمد وجودها مِن إخفاق لن يدوم، ولأنها مـوجـة ستنتهي فِي القريب القـادم مِن الأيّـام.. وسوف يستمر – وبإذن الله تعالـى – نهج ثورة السّابع عشر مِن فبراير وخطها الّذِي ينتهي عند محطّة الدولة الّتي تنطلق مِن ميراث الجدود، دولة الشّرعيّة الدّستوريّة والنَّظام والقانون، دولة العدل والحريّة والدّيمقراطيّة والتداول السّلمي على السّلطة.

وأخيراً، نستطيع القول إنَّ ثورة السّابع عشر مِن فبراير كانت لحظّة مفصليّة فِي تاريخ ليبَيا، وإنّها نجحت في تغيير وجه ليبَيا، وليبَيا اليوم تنتظر منا جميعاً تصحيح المسار ومعالجة الأخطاء واستكمال المسير نَحْو النًّصر الكامل، والتغلب على الفتن والفرقة، وتجاوز كل العراقيل وكافـة العقبات والمشاكل الّتي تعترضنا, وأن نكون مدركين أن التّاريخ سيحاسبنا إنَّ لم نحسن النهايات كمَا أحسنا البدايات.

وَفِي التّاريخ عبرة، والعبــرة لمَـنْ يعتبر.

شُكْري السنكي

لا تعليقات على هذا الموضوع
آخر الأخبار
جميع المقالات والأراء التي تنشر في هذا الموقع تعبر عن رأي أصحابها فقط، ولا تعبر بالضرورة عن رأي إدارة الموقع