مقالات

سليم نصر الرقعي

نحو فهم واقعي للحياة السياسية (1)

أرشيف الكاتب
2017/02/09 على الساعة 22:02

(1) الديموقراطية الواقعية لا تعني حكم وسلطة الشعب!؟

الديموقراطية الواقعية في الغرب لا تعني حكم الشعب بل تعني حكم النخب وفق اختيار جمهور الشعب (الأغلبية الانتخابية) حيث تتداول النخب السياسية على السلطة والحكم وقيادة الدولة بشكل دوري وسلمي وحضاري وفق نتائج انتخابات عامة تعبر عن ارادة الناس(*) فهي وإن كانت تؤكد على ان (السلطة للشعب) أي ان الدولة كجهاز للحكم والادارة بكل مؤسساتها ملك للشعب لا لفرد او حزب أو عائلة أو قبيلة أو طائفة الا أن هذا لا يعني واقعيا أن صاحب هذه السلطة وسيد هذه الدولة ومالكها الشرعي، اي الشعب، هو من سيمارس ويباشر أعمال السيادة بنفسه بل سيختار من بين ابنائه الأمناء الخبراء الاقوياء من يقوم على ادارة املاكه ومباشرة اعماله بالوكالة أي سيختار من بينهم من سيخدمه ولا اقول من سيحكمه!، اذ ان الحكم للدستور والجميع محكوم!، فالحكومة والبرلمان هو الخادم والشعب السيد هو المخدوم، هذه هي الديموقراطية الواقعية والعملية والرشيدة التي تجمع بين ارادة الشعب وكفاءة النخب!.

لقد ناقشت طويلا وفي العمق قبل الثورة في عشرات المقالات عدم واقعية وكفاءة وفاعلية ما يسمى بسلطة الشعب المباشرة أو الحكم الديموقراطي الجماهيري الشعبي المباشر والتي دافع عنها فيلسوف الثورة الفرنسية (جان جاك روسو) في كتابه (العقد الاجتماعي) بعد انتقاده الشديد للديموقراطية الانجليزية النيابية البرلمانية إلا أنه في نهاية تنظيره للديموقراطية المباشرة أكد أن الديموقراطية الشعبية المباشرة هي من الكمال والمثال من الناحية النظرية مما يجعلها "تحتاج في تطبيقها الى شعب من الآلهة"!!، أي أنها غير قابلة للتطبيق البشري!، بل صاحب الكتاب الأخضر، أيا ً كان كاتبه، وقد تلقف فكرة سلطة الشعب من جان جاك روسو والمدرسة اللاسلطوية اللاحكومية (الفوضوية) وتطبيقات ما يسمى بالديموقراطية الشعبية عند مصر/عبد الناصر وبعض دول المعسكر الاشتراكي حذر في نهاية الفصل الأول (الركن السياسي) من تطبيق الديموقراطية الشعبية المباشرة على أرض الواقع لأن تطبيقها كما ذكر سيؤدي بالنتيجة الحتمية إلى حلول عصر الفوضى والغوغاء(**)!!، والسؤال الذي يطرح نفسه بقوة هنا: إذا كان العقيد القذافي يقر بأن تطبيق فكرة الحكم الشعبي المباشر ستؤول للفوضى وحكم الغوغاء، فلماذا طبقها على الشعب الليبي إذن!!؟، (إذا كنت تعلم مسبقا أن الطعام مسموم، فكيف يجوز لك تقديمه الى أولادك!!؟؟)، أم أنه طبق  فكرة الحكم الشعبي المباشر في ليبيا من باب اجراء تجارب على قطيع الجرذان البشرية!!؟ أم ليحل عصر الفوضى في ليبيا ويسيطر الغوغاء على أمور البلاد والعباد وتصبح الدولة دولة الحقراء وشذاذ الآفاق!!؟، أم طبقها ليتخذها غطاء وشعارا سياسيا وستارا فكريا وجلبابا رسميا فضفاضا يحكم من خلاله هو وأولاده ليبيا ثم يدعي بكل صفاقة بأنه يقود ليبيا ولا يحكمها!، فالحاكم هو الشعب الذي يحكم نفسه بنفسه لنفسه من خلال مؤتمرات شعبية تقرر ولجان شعبية تنفذ؟؟؟؟، أليست هذه قمة الدجل الأيديولوجي والتضليل السياسي من أجل الانفراد بالحكم والسلطة تحت ستار وشعار سلطة الشعب!؟؟؟.

سليم الرقعي

(*) من الملاحظ أن اغلب الناس بل حتى الكثير من الناخبين يعزفون عن المشاركة في الحياة السياسية العامة ولو في حدها الأدنى أي المشاركة في الانتخابات بالتصويت!، وسأناقش في مقالة قادمة هذه الظاهرة الطبيعية العامة واسبابها، اي ظاهرة عزوف الغالبية الصامتة من الشعب عن المشاركة السياسية حتى في الغرب الديموقراطي الليبرالي!.

(**) يؤكد كاتب الكتاب الأخضر في نهاية الفصل الاول (سلطة الشعب) بعد أن فرغ من انتقاد الديموقراطية البرلمانية والحزبية وتسفيهها والسخرية منها واعتبارها ديموقراطية زائفة على نقطتين... الاولى: أن الديموقراطية الشعبية المباشرة كما وردت في الكتاب الأخضر (مؤتمرات شعبية أساسية تقرر ولجان تنفذ) هي مجرد نظرية افتراضية اما من الناحية الواقعية فإن الأقوياء هم دائما من يحكمون أي أن الطرف الأقوى هو من سيحكم ويفرض ارادته!. الثانية: يؤكد أنه اذا لم تنتكس هذه الديموقراطية الشعبية وسلطة الشعب المباشرة ونظام المؤتمرات واللجان الشعبية وتعود سلطة الحكم التقليدي للمجتمع في اية صورة من الصور فإن سلطة الشعب تنذر بشر مستطير، فهي ستنقلب الى حكم الفوضى والغوغاء!!.

كلمات مفاتيح : مقالات ليبيا المستقبل،
لا تعليقات على هذا الموضوع
آخر الأخبار
جميع المقالات والأراء التي تنشر في هذا الموقع تعبر عن رأي أصحابها فقط، ولا تعبر بالضرورة عن رأي إدارة الموقع