مقالات

أسماء الهادي

عن الخطف في ليبيا: غياب الدولة يعزز الظاهرة

أرشيف الكاتب
2016/07/04 على الساعة 15:50

الخطف ليس حدثا طارئا على المجتمعات الإنسانية، فهو قديم قدم الإنسان، أخد يتطور مع تطور الصراعات بين البشر على مناطق النفوذ؛ بما تحويه من مزايا اقتصادية وأمنية. واستمر حتى مع بداية مرحلة جديدة، عهد إرساء الجمهوريات الحاكمة في العالم، وترسيخ النظام السياسي بأشكاله الحديثة.

في هذه المرحلة وتحديدا في عام 1819م، نجد أن ثمة عملية اختطاف جرت في أمريكا، لضحية تدعى ‘‘مارجريت بول’’ وهي طفلة في شهرها التاسع كان الهدف من خطفها، الحصول على فديّة من والديها، إلى جانب عمليات أخرى هدفها الإنتقام، وليستمر الخطف في أمريكا بغرض الثأر وطلب الفدية حتى بعد صعودها العسكري والاقتصادي، وأصبحت القوى العظمى وراعية الأمن والأمان في العالم!.

من المدهش حقا أن ذلك يحدث في وضع طبيعي، لدول قوية عسكريا وسياسيا واقتصاديا، كأمريكا، والتي تكون تركيبتها الاجتماعية فسيفساء متناقضة إثنيا طائفيا وعرقيا، تعجز الأجهزة الأمنية في بعض المناطق -عبر القوة الشرعية- إدارة الاختلاف بينها. ومن هنا نفهم الوضع الطبيعي الذي يحدث فيه الخطف، وتعجز السلطة بكل ما تملكه من قوة، القضاء على هذه الظاهرة التي تهدد أمن مجتمعها.

وأما البلدان العربية التي عاشت في ظل انظمة عسكرية شمولية، وفي ظل الاتجاه السياسي الواحد، وإعلام الصوت الواحد، نجد أنه قبل عام 2011م، أي قبل ما اصطلح على تسميته بــ‘‘الربيع العربي’’، تداول قضايا الخطف والإبعاد القسري، أمر غريب على أفراد المجتمع. باستثناء بعض الحالات النادرة، ونتذكر هنا حادثة السيدة التي خطفت مولوداً من مستشفى الجلاء بطرابلس سنة 1995م، وأظن أنها أول حادثة اختطاف تشهدها ليبيا إن لم تخني معلوماتي.

وفي ظل مناخٍ مشجع لتنامي مثل هذه الظواهر، في البلدان التي تمر بأزمات سياسية، وحروب أهلية طاحنة، نتيجة لغياب رادع القانون وزوال الدولة بأجهزتها الامنية التي كانت تحتكر القوة الشرعية، نجد الموضوع يأخذ دوافع وأبعاد أخرى. حيث الاختطاف بشكله النمطي يختلف من حالة إلى أخرى حسب دافع المختطف، يتركز أغلب الأحيان على سببين:

- الفدية بمبالغ طائلة.
- الثأر.

مع بعض الاختلاف في الحروب والصراعات الأهلية والسياسية، حيث يكون ثمة تفصيلات أخرى، أولها الابتزاز المادي، لافتداء الرهينة بالمال، وهو الرائج أكثر من غيره. وعادة ما يطول أصحاب المال والنفوذ، من رجال أعمال، وفاعلين اقتصاديين وسياسيين، أو ملاك عقارات باعوا أملاكهم أو يتم دفعهم لبيعها للايفاء بالمبلغ المطلوب دفعه.

ونجد ضمن هذا النموذج ممن تم خطفهم: أبناء عائلة “أبو نعامة” الخمسة، وأحدثها فاجعة أبناء “الشرشاري” الثلاثة، وآخرهم خطف “مدرار” طفلٌ لم يتجاوز العشر سنوات في منطقة شارع الصريم، و”محمد شاكر” طالب جامعي من ورشفانة، من أمام منزليهما وأمام أعين الناس.

وعن دوافع الخطف الأخرى عادة يحتاج المختطف المال لغرض المال فقط، وأحيانا يحتاجه لتوفير المخدرات التي يحتاجها لنفسه أو لجماعته، هذه الجماعة كغيرها تأسست على أساس المصلحة، ولايضمن ارتباطها واستمرارها غير الايفاء بحاجتها. أو نجد الدافع لغرض مقايضة فرد بآخر، كإنقاذ حياة مخطوف بمخطوف، أو إخراج سجين لدى ميليشيا، أو للمقايضة السياسية أو مقابل منفعة خدمية. ومن هنا يمكن أن نعزي بداية مرحلة الخطف وتأسسها في ليبيا. حيث المتتبع لظاهرة الاختطاف في البلاد، يجد أنها بدأت بشكل علني، ودون خوفٍ أو رادع؛ منذ سنة 2012م، ولا نتحدث هنا عن المفقودين إبّان التغيير السياسي الذي حدث في السابع عشر من فبراير.

هناك أيضا اختطاف الفتيات لغرض الزواج بالغصب، أي أخذهم من أهلهم عنوة، وهذه حالات قليلة ربما، على الاقل المعروف منها وفقا للمتداول على ألسنة الناس. نجد أولياء الامور في هذه الحالة يفرون ببناتهم إلى بلاد مجاورة، هربا بعرضهم وشرفهم.

يتضح أن عمليات الاختطاف حدثت بداعي الابتزاز المالي، وبما يكشف أن الأمر أضحى وسيلة للكسب والإرتزاق، في ظل عجز الحكومات المتعاقبة أرساء دعائم القانون، الذي يستغل المختطفون غيابه. وهو ما يطرح السؤال التالي: أين كانت هذه السلطات كل هذا الوقت؟! وفيما أضاعت وقتها خلال السنين الخمس الماضية؟!.

فلو باشرت -بما رصد لها من ميزانيات مهولة تربو عن الــ300 مليار، وبما نالت من شرعية شعبية- في بناء دولة القانون، بعيدا عن المهاترات السياسية والتفكير في المصالح الخاصة، لما عاش المجتمع مثل هذه الظواهر التي تفضح عجز الوزراء والنواب والقادة الميليشياويين، وينكشف مدى الفراغ الامني كنتيجة لغياب الدولة، والتي لو كانت قائمة، لما تجرأ بعض الأفراد على الاختطاف، والسطوا على أرزاق الناس، والتعرض لشرفهم في أحيان كثيرة.

وهذا التقصير الناجم عن الأجهزة الرسمية تجاه الأفراد باعتبارهم جزء من كيان المجتمع، يؤثرون فيه ويتأثرون به، هو من دفع ببعض الفئات التي تشعر بالظلم والتهميش، إلى انتهاج سلوك يجافي الانسانية، لإحساسهم بعدم الانتماء للمجتمع أو البلاد بصفة عامة. مع وجود عمليات خطف تتم بإيعاز من قبل المال السياسي، الذي يعمل أيضا على استغلال حاجة الأفراد فيعمل على توجيههم وتوظيف الخطف لتغيير مجريات اللعبة السياسية.

ويمكن من خلال الحديث فهم؛ أن غياب دور السلطات التنفيذية، التشريعية والقضائية، وغياب الاجهزة الأمنية، والدور الاعلامي والثقافي، ومؤسسات المجتمع المدني، هو ما تسبب في تفاقم الظاهرة، أي أن مسألة ارتباط الأمن مرتبطة بقيام الدولة، وبالتالي على الحكومات الليبية القائمة، أن تعي بأن إنهاء الظاهرة مرهون بالتخطيط الجيد لبناء القوات الشرطية والضبط القضائي ومكونات المجتمع الحكومي والاهلي.

ومن هنا وجب أن يعي كل أفراد المجتمع، أن مشكلة الخطف لن تنتهي إلا بانتهاء المشاكل القائمة بين السلطة متعددة الرؤوس كميدوزا. وعليهم المناداة بتأسيس تلك الأجهزة لإنجاز دولتهم.

لا تعليقات على هذا الموضوع
آخر الأخبار
إستفتاء
هل توافق علي مقترح “القطراني”: مرحلة انتقالية تحت سلطة الجيش بقيادة حفتر؟
نعم
لا
+
إعادة
لمتابعة ليبيا المستقبل
جميع المقالات والأراء التي تنشر في هذا الموقع تعبر عن رأي أصحابها فقط، ولا تعبر بالضرورة عن رأي إدارة الموقع