مقالات

عطية صالح الأوجلي

قصة المصارف (2/2)

أرشيف الكاتب
2017/02/04 على الساعة 02:32


 

مولت الأسر الإيطالية حروب ملوك أوروبا مما جلب لها قدرا كبيرا من الثروات وقدرا مماثل من المآسي. فعائلات فلورنسا مولت حروب إدوارد الثالث مع فرنسا وكانت حروب باهضة التكاليف اشتهرت فيما بعد بحرب المائة عام.  ففي عام 1340 اقترض إدوارد الثالث 600,000 فلورين ذهب من أسرة بيروتسي و900,000 من أسرة بردي وفي عام 1345 أعلن عدم عزمه عن الدفع مما أدى بالأسرتين إلى الإفلاس. ولكن فلورنسا تمكنت من النهوض مجددا. فبعد نصف قرن عادت تتألق من جديد بممولين جدد أمثال الأسر الشهيرة باتسي وميديتشي.

السلالة الألمانية: القرنين الخامس والسادس عشر

في بداية القرن الخامس عشر كانت أسرة ميدتشي تتمتع بنفوذ مصرفي لا يضاهى في القارة الأوروبية. ولكن حظوظ هذه الأسرة السياسية لم تكن في مستوى طموحاتها. فمع نهاية حكم لورنزو العظيم لاح شبح التحدي القادم من المانيا والمتمثل في أسرة "فوجر" التي كدستا ثروات هائلة من تقديم الخدمات المصرفية للأمراء وللباباوات. ترجع أصول هذه الأسرة إلى حائك تمكن من تجميع ثروة من تجارة الملابس وأورثها إلى عائلته التي طورت أعمالها لتمتد إلى مناجم النحاس والفضة. تمكنت هذه الأسرة فيما بعد من تقديم أول قروضها في عام 1487 إلى "دوق هابسبورج" سليل الأسرة الشهيرة التي هيمنت على السياسة الأوروبية لسنين طوال. كما قدمت قرض في عام 1505 إلى البابا ماكسميليان. ولكن نجاحها الأكبر كان مع حفيده البابا تشارلز الذي كان غارقا في صراع حاد مع ملك فرنسا حول البابوية. تمكنت أسرة "فوجر" من تأمين المبلغ المطلوب لتشارلز لينجح في "شراء الناخبين" ويتم اختياره بابا للكنيسة الرومانية. وفي عام 1516 جعلت هذه الأسرة من الملك البريطاني هنري الثامن حليفا لها عبر تقديم قروض متعددة له. استخدمت عائلة فوجر أموالها بطريقة مسئولة، وقامت بتكوين تنظيم خيري  يسمى "fuggerei" (المجتمع من أجل الفقراء) حيث تم تأسيسه في اوغسبورغ عام 1519 ولازال قائما حتى الآن. وبحلول نهاية القرن السادس عشر انسحبت هذه الأسرة من ميدان المجازفة المالية، وأصبح وجودها يقتصر على كونها أسرة أرستقراطية تتمتع بالثراء والصيت. الأمر الذي أفسح المجال إلى ظهور أسرة جديدة لعبت ولا زالت تلعب دورا هاما في عالم المصارف وهي أسرة "روثتشيلد " الشهيرة. ولكن بحلول أوائل القرن السابع عشر بدأ النشاط المصرفي في التحول تدريجيا من خدمة الملوك إلى تقديم الخدمات إلى الزبائن والعملاء.

المصارف والصكوك: من القرن السادس عشر الميلادي

تم في مدينة البندقية عام 1587 إفتتاح مصرف "بانكو ديلا بياتسا دي ريالتو" بمبادرة من سلطات المدينة بغرض توفير الحماية لأموال التجارة بإيداعها في خزائن و تسهيل انتقال وتحويل الأموال داخل مدينة البندقية وبين المدن الأخرى دونما الحاجة إلى نقل النقود المعدنية. ولم يكن هذا الأجراء جديدا في مجال التجارة فقد سبق و|أن مارسته أثينا وبعض المدن اليونانية القديمة. ولكن الاختلاف كان في دخول السلطات الرسمية في العمل المصرفي مما يوفر قدرا أكبر من الأمان لهذا العمل المحفوف بالمخاطر. ولم يمضى كثيرا على هذا الافتتاح حتى تلته خطوات مشابهة من مدن أخرى مثل أمستردام في عام 1609، وهامبورج عام 1619 ونورمبرج عام 1621م. ميلاد الصكوك بشكلها الحديث كان تطورا مصرفيا آخرا ولد في تلك الفترة. فالصك تلك الأداة التي تعتمد على وجود مصارف ومؤسسات معترف بها يختلف عن الكمبيالة التي كانت الأصل في تحويل الأموال دون نقل النقود المعدنية. فالكمبيالة كانت عبارة عن عقد بين إطراف من القطاع الخاص وواحد أو أكثر من المرابين. أما الصك فهو وثيقة بين المصارف يدفع قيمتها المصرف لمن يحملها. هذا الشكل الجديد من التعامل المالي بدأ في اكتساب القبول به تدريجيا ابتداء من أواخر القرن السابع عشر. كما نمى الإدراك بإمكانيات الربح الكامنة في العمل المصرفي. ومن ثم اتسعت وتيرة إنشاء وإدارة المصارف. وهكذا عاصر القرن السابع عشر التحول التدريجي من المرابين إلى المصارف التي تطورت خدماتها من تقبل الودائع إلى إقراضها و شيئا فشيئا صارت المصارف جزء من نسيج الحياة التجارية.

المصارف الوطنية: القرن الثامن عشر ميلادي

كما كان للعبقرية المالية الإيطالية دورها في نشأة المؤسسات لحفظ الأموال وإيداع الصكوك كان لها دورها في إشراك السلطات الرسمية في القطاع المصرفي وفي ابتكار أسس جديدة لتمويل المصارف من عامة الناس. ففي عام 1617 تم في البندقية تأسيس مصرف جيرو (Banco Giro) وذلك لمواجهة المشاكل التي واجهت في وقت سابق "بانكو ديلا بياتسا دي ريالتو" لتقديمه تسهيلات ائتمانية غير مضمونة. أسس المصرف الجديد على نوع من الشراكة مع الدولة وعلى آليات جديدة فسحت المجال لنشأة المصارف الوطنية. فتم في السويد عام 1688 تكوين بنك السويد الذي يعد أقدم مصرف وطني في العالم. كما تأسس  بنك انجلترا في عام 1694 كشركة مساهمة من  خلال ترتيب قرض 1,200,000 جنيه إسترليني إلى الحكومة الإنجليزية. خلال القرن الثامن عشر الميلادي تولى بنك إنكلترا وبشكل تدريجي العديد من المهام المرتبطة الآن بالمصرف المركزية،  مثل تنظيم بيع السندات الحكومية عند الحاجة إلى الأموال وإجراء المقاصة للإدارات الحكومية، وتسهيل وتجهيز المعاملات اليومية لها. كما تمكن بنك إنجلترا من يصبح مصرفا للمصارف الأخرى بلندن، ومن خلالها إلى قطاع أوسع من المجتمع المصرفي.  حيث كانت لندن مقرا للعديد من المصارف الصغيرة التي انتشرت في جميع أنحاء البلاد في النصف الثاني من القرن الثامن عشر الميلادي. وكانت هذه المصارف الصغيرة تلجأ إلى بنك انجلترا للائتمان عند الوقوع في أزمات مالية. لهذا الغرض احتاجت المصارف الوطنية إلى  احتياطي كبير من الذهب، الذي تراكم بشكل تحولت فيه كنوز الأمم من السبائك الذهبية  من البيوت إلى  خزائن المصارف.

لعنة الأوراق الورقية: 1661-1821

كان أول ظهور للعملات الورقية  في أوروبا في القرن السابع عشر. وكان ذلك في  السويد. ففي عام  1656 أسس "يوحنا بالموسترخ" مصرف إستوكهولم. وهو بنك خاص ذو صلات قوية مع الدولة (نصف أرباحه تدفع إلى الخزانة الملكية). وفي عام1661، وبالتشاور مع الحكومة، أصدر المصرف أوراق مالية يمكن تبادلها بعدد محدد من قطع الفضة. كانت أوراق بالموسترخ النقدية مثيرة للإعجاب. (توجد قطعة منها تعود للعام 1666). وهي عبارة عن قطعة من الورق المطبوع مع ثمانية توقيعات خطية. وإذا ما نجحت في كسب ثقة الناس بها، أصبحت عملة حقيقية يمكن أن تستخدم لشراء السلع من الأسواق. ولكن لعنة العملات الورقية طاردت هذا المشروع الجميل، فانهالت القضايا تلاحق هذا المصرفي الرائد الذي ارتكب الخطأ الكلاسيكي بطبع عدد من العملات الورقية أكثر من مخزون الفضة لديه. فبحلول عام 1667 كان يواجه عقوبة الإعدام (تم تخفيضها إلى السجن) بتهمة الاحتيال. وبعد هذه التجربة كان على الأوراق المالية أن تنتظر نصف قرن قبل أن تعود للظهور مجددا. ومرة أخرى عن طريق ممولين بعيدي النظر مثل جون القانون، مؤسس بنك جينرالـ générale في باريس في 1716، الذي أصدر عملته الورقية في يناير من العام 1719 والتي اهتزت ثقة الجمهور بها عندما أصدرت الحكومة الفرنسية مرسوما في مايو من العام ذاته بتخفيض قيمة العمل إلى النصف. ورغم هذه العثرات إلا أن التجارب لم تتوقف وواصلت المصارف الأوربية إصدار عملاتها الورقية وشيئا فشيئا زادت ثقة الجمهور في قطع الورق هذه خاصة عند صدورها من المصارف المركزية وعند توافر المعادن الثمينة.  وهكذا أصبح تداول العملات شائعا ولم يعد الخوف من الإفلاس هو الشائع بل صار الخوف من التضخم. 

سلالة روثتشيلد: 1801-1815

كان وليم التاسع، حاكم مقاطعة هيسن كابل الألمانية ومالك الثروات الهائلة كثيرا ما يستشير صديقة ماير روثتشيلد اليهودي المصرفي والتاجر القادم من فرانكفورت. وكان وليم يقدر أراء ونصائح صديقه المقرب في المسائل المالية والمقتنيات الفنية. حتى أنه في عام 1801 عينه ممثلا رسميا له. وكان يشجعه على تقديم نصائحه وأرائه إلى أمراء أوروبا في تلك السنوات الحافلة بالاضطراب. استجاب روثتشيلد بحماس واقتنص الفرص وقام في عام 1803 بتقديم قرض للحكومة الدنماركية بقيمة  20 مليون فرنك. وكانت تلك البداية لسلسلة من القروض قدمتها هذه الأسرة إلى العديد من الحكومات مما جعلها تصبح أقوى الأسر المصرفية في أوروبا وربما في العالم بأسره. وشجع ذلك الأسرة على افتتاح مراكز جديدة لها وعلى توزيع أعمالها على أماكن مختلفة من القارة مثل فيينا ولندن ونابولي وباريس. ومكنتهم شبكة الاتصالات هذه من لعب دورا حاسما في هزيمة نابليون بونابرت عبر توفير الأموال والقروض لأعدائه من الإنجليز. وكان اشهرتلك الأعمال قيامهم بنقل مبالغ كبيرة من لندن إلى البرتغال لتمويل القوات البريطانية المتواجدة هناك. أدت هزيمة بونابرت إلى اكتساب أسرة روثتشيلد سمعة هائلة بين الحلفاء مكنتها من توثيق علاقاتها بحكومات عديدة وأدت إلى تعزيز عملها المصرفي.

إعداد: عطية صالح الأوجلي

* راجع (الجزء الأول)

كلمات مفاتيح : مقالات ليبيا المستقبل،
غومة | 05/02/2017 على الساعة 21:48
خير الكلام ما قل ودل...؟
كل هذه المعلومات موجوده على النت، ويمكن تجميعها من الويكيبيديا بسهولة. السوءال هو ما الهدف من تجميع هذه المعلومات وتقديمها للقاري بدون التصرف فيها او استعمالها كمادة أولية للوصول الى ما ينوي الكاتب التطرق اليه؟ فإذا كان الهدف هوا توضيح الدور الأساسى الذي لعبته البنوك في دفع عجلة التاريخ الى الامام ومساهمتها في النمو الاقتصادي والحضاري فلماذا لا يجهر به بأعلى الأصوات . لماذا يلجاء كتاب لغة الضاد للتحليق عالياً في السموات او اللف والدوران على الموضوع بدون ان يجاروا الثقافات الحديثة وطرق احترام القرّاء في الفصوح عن ماذا ينوي الكاتب التطرق اليه ولماذا؟ ان على اولءك الذين تحصلوا على قسط عالى من التعليم ان يكونوا قدوة ولا يجاروا الأقل تعليماً حتى لو جرهم ذالك الى مصاعب ومتاعب! لقد صنف الاله العلماء بعد الرسل من اجل ان يواجهوا الحقيقة بشجاعة مهما كلفهم ذالك ومهما كانت العواقب. شكزاً. غومة
آخر الأخبار
إستفتاء
ما الجديد الذي سيقدمه غسان سلامة كمبعوث أممي جديد في ليبيا؟
تعديل الاتفاق السياسي
زيادة حدة الخلافات
لا شئ
الله اعلم
فرصة جديدة للليبيين
كود التحقق :
+
إعادة
لمتابعة ليبيا المستقبل
جميع المقالات والأراء التي تنشر في هذا الموقع تعبر عن رأي أصحابها فقط، ولا تعبر بالضرورة عن رأي إدارة الموقع