مقالات

د. أحمد إبراهيم الفقيه

نبي بلا اتباع... يحاور الامواج ويخاطب النجوم (1)

أرشيف الكاتب
2017/02/03 على الساعة 11:33


 

هذا هو الجزء الاول من كتاب  جديد بعنوان نبي بلا اتباع استعيد فيه ذكرى رجل من اهل الفقه والعرفان جدي الفقيه احمد بن عبد الله القنطراري، الذي كان واحدا من حملة الرسالة واشاعة نور العلم وخدمة كتاب الله  في القرن التاسع عشر، في تلك الفيافي والقفار التي يتفشى فيها الجهل، وكان يفخر ان بين تلاميذه الذين علمهم القران  الافا يحملون اسم النبي محمد عليه صلاة الله وسلامه، استعيده في هذا الكتاب واستعيد عن طريقه نوعا من ادب التأملات والخواطر العرفانية التي سبق ان قراناها في انتاج اسلافنا العظام امثال جبران خليل جبران ومي زيادة وميخائيل نعيمه وكبار ادبا الفرس امثال مولانا جلال الدين الرومي  عليهم جميعا رضوان الله.

ومن بين التعليقات التي تلقيتها في الفيس بوك هذا التعليق الذي استطاع ان يرى الربط بين الماضي والحاضر وبين الجد والحفيد كتبته الاديبة لبني ابوزيد هذا نصه، انقله عله يلقيء ضوءا على فحوى هذا النص: "الكاتب د. احمد إبراهيم الفقيه . كلما قرأت من النص رجعت للوراء كامواج احرفه . إنه إختبار للوجدان قد نصل إلي ضفاف البحر ولكن الرسالة ستظل عالقة . من عالم الفقيه كلمات قد نفهمها سويا هي محك للقادم ولكنها قانون البقاء “إن ماضينا هو مستقبلنا الآت. لقد وصلتني الرسالة جيدا ووصلني صداها ولو من عمق الأعماق سنرحل كموج وسيحل موج ولكن الرسالة لن تتلاشي وستظل بنفس العمق وستحمل حتي ولو بين الأكفان. إنما الجد الذي يتواصل انه الحلم وفي الحلم ستظل العلاقة قائمة فالروح لاتفنى وقد تمتزج وقد تنادي وقد تعود في صور آخري ويبق نص الفقيه هو الرساله الأقوي بين المتلقي وذاته"

*****

الرجل الرسولي القادم من الغيم

الذي حباه الله بمحبته، وانعم عليه بالكمال الروحي، واصطفاه مع من اصطفاهم للحضرة القدسية، متنكّبا سبيل المتوحدين بين مدارج السالكين، ملبيا نداء النور الاعظم  عندما يقول " يا ابن ادم اطلبني تجدني، فاذا وجدتني وجدت كل شيء"

تمهيد...

الفقيه العالم الناسك الزاهد الذي كان معلما للقرآن في تجمعات سكنية من الاميين، قبل قرن ونصف من الزمان،  يعود الى عالم  اليوم ليكون معلمي في هذا الزمان، وقد اختار ان ياتيني وانا في مرحلة متقدمة من العمر، فلم يرضى بالمجيء في مستهل حياتي، وانا مازلت اسعى للتحصيل العلمي في سن الطفولة، ولم يحضر لتعليمي في سن الشباب، ولا في سن الكهولة، وانما اراد ان يدركني الان بعد ان اكملت كل مراحل التعليم ووصلت الى اعلاها، كما وصلت الى مراحل النضج والخبرة التي تقدمها للانسان سبعة عقود من وجوده في عالم الاحياء، واستوعبت عددا من اللغات استخدمتها في الاستفادة من كل المناهل المتاحة للعلم كتابا مسرحيا  ومنتديات ثقافية ووسائل سمعية وبصرية وفتوحات جديدة في مجالات المعلومات تقدمها الشبكة العنكوبتية واسطوانات ممغنطة، واجهزة حاسوب بمختلف انواعها،  ليقول لي ان هناك جانبا ناقصا في تعليمي يريد اكماله لي، وهذا الرجل هو جدي الفقي احمد بن عبد الله القنطراري.

لم اعرف جدي فقد ولدت بعد اربعين عاما من وفاته، ولكن حضوره كان قويا في البيت الذي اورثه لابي، الذي عاش مع امه في نفس البيت وقد عاشت تلك المرأة طويلا، بعد وفاة زوجها، حيث كان اسمه يتردد في البيت كل يوم، باعتباره المثل والقدوة للجميع وباعتبار ما كان يقوله في حياته هو القانون الذي تسير عليه اسرته بعد موته، واقول ايضا ان حضوره كان قويا في حياتي ايضا لان الجميع كان يذكرني بانني ما سميت احمد الا لاكون امتدادا له، وحاملا لتراثه عندما اكبر، ولهذا فقد كان كل شيء في تربيتي يبدأ به وينتهي اليه، فاذا ارتكبت خطأ قالوا لى انه هذا السلوك لا يرضي جدي الفقيه، واذا اجدت في عمل شيء، او حصلت على درجة نجاح في احدى الاختبارات،  قالوا لي ان جدي الفقيه سيكون فخورا بما فعلت، وفي احيان اخرى ياتي ذكره في اطار التأنيب عندما يقال لي له تعليقا على  فعل لا يرضيهم بانه لا يجوز لانسان يحمل اسم الفقي احمد ان يفعل هكذا فعل، واذا حالفني التوفيق في عمل ما يتجه الشكر مباشرة الى الجد باعتباره يباركني ويرعي خطاي ووبسبب هذه المباركة وبسبب هذه الرعاية يتحقق لي النجاح.

ومتأثرا باعمال ادبية تمنح ولادة جديدة لاشخاص لهم دلالة وقيمة تارخية ذات منحى فكري او ادبي او ديني، كما حدث مع اعمال ادبية استعادت المسيح واحضرته الى عالمنا، او زعيم مثل عبد الناصر في اعمال ادبية عربية، واحيانا شخصيات تراثية كما حدث في اعمال درامية استحضرت الشاعر المتنبي او الشاعر الفارس عنتر، فقد اردت ان امنح ولادة عصرية في عمل من اعمالي الادبية لهذا الجد، الذي مثل لي رمزا ومثلا، لاستخدمه كقناع لافكار كان يجسدها بشخصيته التي عرفته بها ناسكا وزاهدا وفقيها ووليا من اولياء الله الصالحين،  ويكون استحضاره استحضارا للقيم التي كان يمثلها وليس فقط لانه جدي الذي كان له الاثر الكبير في تربيتي، ليكون حالة من حالات التجلي لارقى واعظم  ما في تراثنا الفقهي والصوفي واعظم ما تحتويه من قيم ومباديء،  ليغني العمل بهذه النفحات الروحية، نفحات الصفاء والحكمة والرؤية النقية للعالم،  التي نحتاج اليها في كل زمان، ومع كل جيل، وفي كل بقعة من كوكبنا الارضي، ونحتاج لتذكير انفسنا بها في كل حين، استحضره لكي لا انفرد وحدي بهذا المنبر وانما لكي اشركه معي في الكلام واتقاسم معه ادارة الحوار، فحينا سوف اتكلم بصوتي، ورؤيتي وعصري، وحينا اترك له المنصة يتكلم متحاورا مع العصر ومعطياته ورموزه، راجيا ان تكون هذا الصيغة اكثر توفيقا في اضاءة المشهد الانساني وشرح الحالة التي بتقصدها الكتاب. الصوتان يتداخلان، صوتي وصوت جدي الفقي احمد عبد الله القنطراري، يمتزجان احيانا وينفصلان، وكان يمكن ان اعمد الى وضع علامات عندما ينتهي كلامه ويبدأ كلامي، ولكنني تركت الكلام بلا اشارات ولا علامات تحدد قول كل واحد منا، لانني رايت انه سيكون واحدا عندما يتوحد صوتانا وسيكون واضحا عندما ينفصلان دون حاجة الى  تدخل بوضع علامات الارشاد والتوجيه، ثم ان اي لبس هو لبس مطلوب ومقصود ولا باس من  حدوث هذا الخلط واخذ كلامه على انه كلامي، وكلامي على انه كلامي، ولكن يمكن فقط لفت الانظار الى ان كل ما ورد فيه استشهاد بحدث معاصر او كاتب معاصر هو من كلامي، لكي يبقى للجد سمته الصوفي المتعالي عن الدخول في تفاصيل العصر واحداثه التي لم يكن يعايشها حتى وان كان قادرا على تقييمها واصدار احكامه عنها من خلال مرجعياته الدينية والاخلاقية والعرفانية ومنظومة القيم والمبادي والمثل التي يؤمن بها.

مناجاة...

القرب مسافة والبعد مسافة وانا المتوحد القادم من الغيوم القريب البعيد بلامسافة... ماكذب الفؤاد ماراى. هكذا قال الذاكر العارف بالله الفقيه احمد بن عبد الله القنطراري... انبثق فجأة كانه سقط من غيمة عابرة، بزيه الابيض، وسمته الرسولي، ناطقا بكلماته لكن لا احد سمع او وعي او انتبه منفضين لمساومات أهل البيع والشراء، في السوق الذي اتجه اليه، منصرفين لتجارتهم  تركوه، منتصبا يناجى  نفسه وينتظر الليل لكي يحاور النجوم:

سهم مشدود للوتر، لا ينطلق، هو أنا...

غشاه الليل، استأنس بقافلة توقد نارا،  تلتمس الراحة بعد ان باعت بضاعتها  من التمور والبهارات،  يرتجى الدفء لدى نارهم  الخافتة، وعندما بدأ مناجاته غالبهم  النوم، مضوا الى نومهم وغادروه ساهرا مسهدا، جذبه رنين وتر هامس، قادم من بعيد  يتسلل  من رباب  عازف ماهر، وعندما سكن العزف  ناجاه:

نزف هذا الوتر حتى نفد ت منه  الدماء...

اطبق الصمت، ولمعت اضواء النجوم، وبدت قريبة متوهجه الضياء انتصب  يبثها بعض ما يجيش به وجده من صبابة:

تقترب  الان  مني
وتبتعد  الان  عني
ولكنها في دمي
وهذا الطريق يقود اليها

خيط من الضوء ترسله هذه النجمة المعتزلة بنفسها عن النجمات، اختارت طرف السماء، وانبعث نورها من اقصى اطراف الكون، ومع ذلك تبدو قريبة وهذا الخيط ايضا يقود الى تلك التي ينشد القلب قربها... التفت القادم من الغيم وقد انبسطت الارض تحت انوار النجوم صافية نقية تعود الى بكارتها الاولى... فسمع في راسه اصداء اغنية كانت تنشدها حقول الحنطة في الاودية التي مربها  قديما، وكان يسمعها طفلا، وظل يحملها دوما في الذاكرة فيشعر كان الاغنية التي تتردد الان في راسه تحمل رسالة من تلك التي ينشد القلب قربها... نام لبضع ساعات متعبا من المناجاة والتامل وتيه الضوء البكر، تمدد  فوق  الصخر، ايقظته اولى اشعة الشمس فوجد القافلة تتحرك عائدة الى بواديها وواحاتها، قصد  مركز القرية وجلس على المقهى عسى ان يجد بين زبائن المقهى مستمعين لكلماته، لكن مباراة ينقلها التلفاز استحوذت على انتباه زبائن المقهى، فلم يستطع ان يجد احدا ينصت اليه، قام يتجول في القرية من خلف باب مفتوح راى ساحة مدرسة  حيث تجع الاطفال  يحيون العلم، اتجه  الى الباب، مستاذنا حارس المدرسة، راجيا ان يجد في هذا الجيل الجديد، جمهورا يستمع الى كلماته، عازما على ان يخاطبهم بلغة يفهمونها وافكار تناسب اعمارهم، الا ان الحارس منعه من الدخول فابلغه بمهمته الرسولية ودوره في توعية الناس فاخبره الحارس انه اذا اراد ان ينضم الى اسرة المعلمين في المدرسة فلابد ان يذهب للحصول على قرار بتعيينه معلما في المدرسة من وزارة التعليم، فترك البوابة وعاد لتجواله في القرية راجيا ان يجد من يستمع لكلماته، وكلما راي تجمعا وقف عنده.

اتجه الى  محطة  انتظار حافلة ما لبثث ان جاءت فركبها اهلها، واراد ان يركب الحافلة فاخبره ا لمحصل بانه لا يجوز ان يخاطب الركاب فهو امر يمنعه البوليس، فاخبره انه ليس مشغولا بالحكومات وانما شغله يتصل بقلوب الناس، وعلاقتهم بالكون والحياة، لكن الحافلة  توقفت في المحطة  التالية، وارغمه المحصل على النزول، لمح طابورا لشراء الخبز، ولا  طاقة للناس للاستماع اليه، وراى تجمعا اخر فاذا به للفرجة على حواة يقومون بترقيص الافاعي، وعندما اراد ان يخترق الحلقة ويشد انتباه اهلها لكلماته قفز نحوه الحواة يهددونه بافاعيهم لانهم اتهموه بانه يسرق جمهورهم منهم فترك حلقة  الحواة وذهب الى تجمع اخر فاذا به وسط زحام المحاكم، منتظرين العرض على القاضي وخاف ان يخطىءالشرطي في الغرض من وقوفه ويخلط بينه وبين احد المتهمين  فذهب يبحث عن  تجمع آخر، حتى وجد نفسه داخل زحام امام واحد من المستوصفات يقصده مرضى البلهاريسيا لاخذ الحقن التي يستخدمونها في العلاج  فر هاربا خوف ان تركبه احد الامراض، واكتشف ان المهمة التي جاء لادائها سوف يجد صعوبة في ادائها والرسالة التي جاء ينقلها للبشر في هذه المنطقة من الارض سوف لن يجد من يتلقاها منه، لعل الافضل والاجدى ان يذهب ويلقي كلماته من فوق قمة احد الجبال ربما تسمعها الطيور الشاردة والحيوانات البرية والحشرات الزاحفة، فتنتفع بها، الا انه يدرك ان هذه كائنات لا عقل تفهم به، ولا تستوعب به الكلمات التي يقولها ولا الرسالة المكلف بها، فهي رسالة تستهدف البشر، لكنه ان لم يجد بشرا في هذا الزمان ، فلاشك ان هناك بشرا في عصر اخر، واجيال اخرى يمكن ان تفهم رسالته ولهذا فهو سيخطها فوق الورق، الا انه قبل ان يخطها لا بد ان يجهر بها، لن يستطيع ان يكتبها قبل ان تتكون في راسه كلماتها ثم تتلون بمشاعره، وتنطلق من فيه وقد تلونت بمشاعره، فتخرج في شكها الهادي الخافت، او شكلها الجهير العالي، او شكلها الصارخ الزاعق، لن يستطيع ان يضعها فوق الورق قبل ان تخرج من جهازه العصبي عبر حباله الصوتيه، ويسمها باذنه ويراقب حروفها وكلماتها وهي تخرج من بين شفتيه عندئد يستطيع ان يتعرف على شكلها بل يستطيع القبض عليها وهي تستقر في ذهنه ليعاود بعد ذلك تحريرها من الذاكرة وتثبيتها في شكل مكتوب، تصبح رسالته الى الاجيال القادمة، سار متمهلا، مفكرا، متجاوزا القرية وابنيتها، كانه يتجه الى تلك التي يحمل في القلب صورتها وينشد لقائها، محاولا ان يهتدي الى المعالم التي تقوده اليها، راي هيكلا قديما، طللا باليا، يحمل صورة باهتة  لامرأة توقد نارا، فعرف ان الرسم الدارس على الطلل البائد انما هو علامة تقود اليها، وانشدت في عمق الذاكرة طيور كان يراها في فصل الربيع تبني بين افرع الشجر اغصانها وتظل تحوم حول هذه الاعشاش وتسافر وتعود تطعم صغارها، حتى تربي الصغار اجنحة وتغادر الاعشاش وراء ابائها وامهاتها وادرك الان ان تلك العائلات من طيور الربيع انما كانت تسافر باطفالها اليها.

ولاح له وهو يبتعد عن القرية مدى ازرق يعانق زرقة السماء فعرف انه قريب من البحر، ووصل الشاطي وقد ارتسمت فوق رماله حروف تكتبها الريح، وقرأ في تلك الحروف كلاما يشير الى مكانها.

ووقف يركب الموجة الضاحكة تتقافز تطاردها موجات اخرى قادمة من عمق اليم، وكانها تضحك فرحة بقدومه لانها تعرف انه يعرفها، هنا راى النبي القادم من الغيم والرجل صاحب السمت الرسولي، انه لن  يجد مكانا ابهى من هذا المكان لاخراج الكلمات التي يضج بها صدره، لن يجد جمهورا افضل من جمهور هذه الامواج المرحة الضاحكة الراقصة المبتهجة يلقى امامها الكلمات التي لن يكون القاؤها الا تمرينا لكتابتها فيما بعد في كتاب يرسله للاجيال القادمة.

الا انه ما ان بدأ يتكلم حتى رآها تنكسر وتراجع لتحل مكان الموجة موجة اخرى ثم بسرعة تحل مكان الاولى موجة ثانية ومكان الثانية موجة ثالثة ومكان الثالثة موجة رابعة، فلم يعجبه هذا التحول السريع الذي يتيح لهذه الموجات ان تنصت او تتفاعل مع افكاره، واولى به اذا اراد احتمال هذا التحول ان يرجع الى مكان القافلة التي تدفأ بنارها ليلة البارحة واستيقظ في الصباح فوجدها قد غادرت المكان، وعندما غادر هو ايضا المكان كانت هناك قافلة اخرى قادمة لتحل مكانها ففي ذلك اليوم تحل كل يوم قافلة وترحل فتحل مكانها قافلة اخرى، لقد راى في ذلك امرا يصعب معه اداء رسالته لكنه الان وهو يرى سرعة حركة الموج وانتقالها ودوبانها الواحدة في الاخرى يجد ان موجات القوافل التي تستقر لمدة ليلة ثم ترحل لتأتي بعدها قافلة اخرى اجدى بان تتلقى منه الرسالة فلديها من الوقت ما يكفي لان تستمع اليه جزءا من الليل، وهي عندما تنتقل، وتحل مكانها قافلة اخرى انما تعطيه فرصة الالتقاء ببشر آخرين يواصل معهم رسالته ولهذا فانه يرى الان القوافل في ضوء جديد، وهو بعد ان خبر الناس وراى القرى والارياف وتجمعات البشر في مختلف المواقع يجد ان هذا المكان الذي تؤمه القوافل هو افضل مكان لرسالته، وهكذا عاد مسرعا الى المكان الذي انطلق منه، ترك البحر وترك الامواج، وترك رمال الشاطي وما كتبه الريح فوقها من حروف ومضى مسرعا.

تقدم صاحب السمت الرسولي من الامواج يخاطبها، ويرجوها ان تسأله لانه سيكون جاهزا لتقديم الاجابات، فسالته اول هذه الموجات عن الدقيقة، اللحظة، الزمن وماذا يعني له خاصة واننا على ابواب عام جديد، فانبري الرسول القادم من الغيم يقول للموجة الصديقة:

الثانية، الدقيقة، الساعة، اليوم، الأسبوع، الشهر، السنة . هل هذه كل وحدات القياس التى نقيس بها الزمن ؟ طبعاً هناك وحدات أخرى غير هذه التى يحتويها التقويم السنوى، مثل العقد والقرن ولكن تبقى هذه الوحدات القياسية الصغيرة هى الأكثر أهمية بالنسبة لنا، والأكثر التصاقاً بحياتنا، نقيس بها أعمارنا ونستخدمها مثل ملاعق الشاى فى احتساء ما تصرفه لنا دكانة الحياة من أتراح وأفراح، وستعين بها فى ترتيب التعامل فى ما بيننا، وتنظيم علاقتنا بمختلف أوجه ومناحى الحياة التى حولنا، وما تمور به من أحداث، وما تحتويه من مظاهر وظواهر بما فى ذلك حركة الأفلاك ودورة الليل والنهار، وكان هذه الدقائق والساعات علامات نهتدى بها إلى مواقعنا فوق خريطة الوجود.

وينهض الواحد منا كل صباح، وعينه على الساعة، بل أن أغلبنا لا ينهض من فراشه إذا أيقظه منبه الساعة، ليبقى منذ تلك اللحظة، وإلى أن يعود إلى فراشه مرة أخرى، عائشاً تحت سيطرة الساعة، تلاحقه برنينها، وتطارده بعقاربها، وتشتبك نبضات قلبه فى سباق مع نبضاتها، وشد بقوة على معصمه وكأنها قيد شجان لا فكاك من قبضته. يدور لاهثاً مع دروتها وينتظر مرور الساعات التى تأذن بانتهاء وقت الدوام ليرتاح من كدح النها ر، ويستعجل انقضاء الأيام ومجيء نهاية الأسبوع لينعم بيوم العطلة، ويعد الأسابيع واحداً وراء الآخر حتى يأتى ختام الشهر حيث تصرف  المرتبات، ثم يأتى موسم الافراح والزينات، فيضع فى فمه زمارة، وفوق رأسه طرطوراً، ابتهاجاً بانتهاء العام، وقد  نسى أن هذه الأيام والأسابيع والأعوام التى يستعجل مرورها وأوراق التقويم التى يستعجل سقوطها فى أودية من تلك النهاية المحتومة لرحلته فى الحياة.

وها نحن الآن، نرقب عاماً آخر يتراجع ويولى الأدبار، ليتيح الفرصة لميلاد عام جديد، دورة الفناها وعرفناها، ولم تعد تعنى لنا شيئاً جديداً أو مثيراً، أو تحمل معها أى سبب للاندهاش، فقد أدركنا معها أن العام الذى انقضى والعام الذى يأتى، كليهما ينتميان لهذا النهر المتدفق الذى ينبع من منابع الأزل، ويصب فى بحار الأبد، ويجرى غير عابئ بالتقسيمات التى نصنعها، والعلامات التى نحاول أن ننصبها على ضفافه، فهو يمضى فى سبيله المرسوم، دون أن تكون له أدنى علاقة بهذه الحدود والحواجز فحقيقة الزمن؛ أنه ديمومة  وصيرورة  متصلة لا تنقسم ولا تقاس، لكننا نضع الفواصل ونخترع القياسات، لا من أجل الزمن والتأثير فى صيرورته المتصلة، ولكن من أجل أنفسنا، والعثور على صيغة تحدد مكاننا العرضى والطارئ والمؤقت واجوهرى والهامشى، من هذا الزمن  الأزلى.

ما الذى يعنيه مجيء عام جديد؟

أنه وأن عنى لنا شيئا مشتركاً فى بعض مناحيه، كأن نرى حلاً للمشاكل التى تتصل بالسلام العالمى، ونقاء البيئة، وعلاجاً للأمراض والأوبئة التى تفتك بالبشر، وانتشاراً للاختراعات العلمية التى جعلت الناس أكثر يسراً ومتعة؛ إنه وأن عنى لنا كل هذه الأشياء فإن مجيء عام جديد، يعنى فى ذات الوقت أشياء مختلفة بالنسبة لمختلف الأمم والشعوب، فما يعنيه لمواطن تمزق وطنه الحرب الأهلية  ، أو آخر يعيش تحت خط الفقر، غير ما يعنيه لمواطن  مرفه، توفر له في بلاده الامان والعيش الرغيد.

الغد هو الأمل...

ومهما تفاوتت حظوظنا من الرخاء والهناء، فنحن جميعاً نتوق إلى الأفضل والأرقى والأجمل جميعنا شركاء فى ذلك، شركاء فى الأمل. أنها جبلة فى الإنسان، وهى التى كانت الحافز والدافع نحو مزيد من التقدم والتدرج الحضارى. أنها هى التى جعلت الكهف يتحول إلى كوخ، وجعلت الكوخ يتحول إلى بيت، وجعلت البيت البدائى، يتحول إلى هذا البيت العصرى الذى يمتلئ بأدوات وأجهزة لو رآها الاسلاف لظنوا أن ملوك الجان تنازلوا عن عروشهم وصاروا خدماً فى منازلنا.

عام جديد يجئ، فما الذى يعنيه للعربى؟

لا أعتقد أنه يعنى أى شئ آخر، بالنسبة لهذا المواطن الذى تعايش طويلاً مع الأزمات، غير أن يراه يحمل إليه بشائر التحرر من هذه الأزمات، وعودة الامن والامان، وانتهاء الاحتراب والارهاب والتطرف. لقد كان هذا ما رجوناه فى العام الماضى، والعام الذى قبله، والأعوام التى سبقته، ولن نتوقف عن الأمل والرجاء، حتى لو جاء بعض هذه الأعوام، يحمل بدل الوعد والبشارة، نذر الخيبة والاحباط. وما فيه من أهوال حارت البرية فى علاجها. ناهيك عن تلك الخصومات والنزاعات التى تنشأ بين قطر وآخر دون أن يكون هناك ما يبررها.

ما نريده لعالمنا العربى ونتمنى أن يتحقق على مدى العام القادم والأعوام التى تليه، هو أن نراه، وقد رمى خلف ظهره هذه الخصومات وانتصر لقيم الديمقراطية وحقوق الإنسان وسيادة القانون، ومضى يبنى قوته السياسية والاقتصادية، ويصنع لنفسه وجوداًَ فاعلاً وقوياً فى العالم من خلال مؤسسات للعمل العربى المشترك توازى التكتلات الاقتصادية والسياسية الكبرى. ليس معنى ذلك أن يتحقق كل ما نريده مرة واحدة يكفى أن نعرف قيمة أنفسنا، وننتبه إلى عوامل القوة التى تملكها بلادنا، وأن نبدأ منذ هذا العام فى وضع خطة لتوظيفها واستخدامها بما يحقق التقدم والعزة والمناعة لشعوبنا. وقديماً سألوا رجلاً حكيماً، لماذا تهتم كثيراً بالمستقبل فرد قائلاً: " كيف لا أهتم به، وأنا أعرف بأننى سأقضى فيه ما تبقى من عمرى".

يليه الجزء الثاني.....

د. أحمد ابراهيم الفقيه

* ينشر بالتزامن مع نشره في مواقع شبكة الصدى.

لا تعليقات على هذا الموضوع
آخر الأخبار
إستفتاء
هل تؤيد دعوة مجلس النواب الليبي لإجراء انتخابات برلمانية ورئاسية؟
نعم
لا
الإنتخابت لن تغير من الامر شئ
الوضع الأمني لن يسمح
لن تفيد بدون تسوية سياسية أولا
التوافق على دستور اولا
كود التحقق :
+
إعادة
لمتابعة ليبيا المستقبل
جميع المقالات والأراء التي تنشر في هذا الموقع تعبر عن رأي أصحابها فقط، ولا تعبر بالضرورة عن رأي إدارة الموقع