مقالات

د. فتحي الفاضلي

أي كرامة يا سيدي!!

أرشيف الكاتب
2017/02/03 على الساعة 11:32

أي كرامة يا سيدي، عندما يتحول الإرهاب الى مبرر لتصفية الحسابات. او مدخل لتقسيم الوطن. او مدخل للانتقام. او سبب في اتساع احواض الدم. او ان يتحول الإرهاب الى سلم يتزاحم عليه المتسلقون، لنهش ما يمكن نهشه من جسد الوطن المثخن اصلا بالجراح.

أي كرامة يا سيدي، عندما يتحول الارهاب أو تتحولون أنتم إلى حمار طروادة يمتطيه كل من يحلم بالسيطرة والسلطة والتسلط! أي كرامة عندما يتحول الارهاب الى مركوب، يمتطيه كل من يحلم بانقلاب مضاد للثورة، وكل من يحلم باغتيال او اجهاض او وأد الثورة والوطن والثورات والثوار.

أي كرامة عندما يُستخدم بعض قادة وأنصار "الكرامة" كمخلب او سكين او رأس حربة، لاغتيال وطعن وتمزيق الوطن، وابتلاع برقة، من قبل اخوة يوسف جيران السوء "عليهم دائرة السوء.".

أي كرامة بينما الحرب الدائرة في مدينة بنغازي الصامدة الجريحة الغالية، هي اعادة ركيكة سمجة مملة -مقصودة او غير مقصودة - لسيناريو اواسط التسعينيات، والذي عانت منه ليبيا بصفة عامة الأمرين، وعانت منه مدينتي بنغازي ودرنة، بصفة خاصة، الشر والشرين.

أي كرامة، بينما بعض من يقود عملية "الكرامة"، هم ممن انقلبوا على المملكة الليبية، التي نترحم اليوم على يوم من ايامها، بل نترحم على ساعة واحدة من ساعات الرجل الصالح ادريس السنوسي (رحمه الله). انقلبوا على أرقي وأفضل وأمن دولة، وسببوا في مآسينا ومآسي الوطن، لأربعة عقود ويزيد. أي كرامة يا سيدي واغلب أنصار وقادة حرب الكرامة الغامضة، هم ممن ساندوا الطاغوت الارعن الاهوج الاحمق، حتى أغرق كرامة الوطن في ترهاته.

ليس ذلك فحسب، بل من حقنا ان نتسأل، اين كانت المطالبة بكرامة الجيش، وكرامة الضباط، وكرامة الجنود، وكرامة الوطن، عندما كان معمر يسرح ويمرح ويرتع ويمارس ما مارسه ضد القوات المسلحة، من قتل وذبح وتصفية وخطف واعدام واتهام وتسريح وتغييب لخيرة ضباط وجنود، وضباط صف الجيش الليبي، في قطاعات البحرية والمشاة والقوات الخاصة والطيران، بينما بعض من يقود، وبعض من يناصر، وبعض من يبارك، وبعض من ينادي بعملية الكرامة اليوم، كانوا من علية القوم تحت نظام القذافي. كانوا من علية القوم عندما ولغ الطاغوت في دماء خيرة ضباط وجنود القوات المسلحة الليبية، واليوم يناصرون او يقودون او يباركون ما يسمى بالكرامة.

الم يكن بعض من بارك "الكرامة"، في حراسة الاخ القائد، والسهر على امنه وراحته وسلامته عندما قُتل النقيب امحمد ابوبكر المقريف، في حادث سير مدبر، خرج منه النقيب امحمد مقتولا ومصابا بعشرات الكسور والرضوض والكدمات، وخرج عبد السلام جلود من نفس الحادث، سليما معافا.

اين كانت الكرامة عندما اعتقل معمر وعذب وسجن أكثر من 25 ضابطا على خلفية محاولة ديسمبر 1969م، ومحاولة 1970م (انقلاب سبها). اين كانت كرامة القوات المسلحة، واين كان أنصار وقادة الكرامة، عندما أعدم معمر في يوم واحد21 ضابطا من أفضل وأنبل وأشجع ضباطنا الكرام، على خلفية محاولة 1975م، والتي عُرفت بمحاولة الرائد عمر المحيشي، أعدمهم نظام الطاغوت في معسكراتهم وامام كتائبهم وجنودهم. وكنتم في ذلك الوقت -يا قادة وانصار الكرامة - على رأس اكثر المؤسسات قوة واهمية وحساسية. كنتم على قمة السلطة. الم تتحرك فيكم الكرامة في ذلك الوقت!

اين كنتم عندما غدر ملك المغرب "امير المؤمنين" بالرائد المحيشي، وسلمه لمعمر ليذبحه بدم بارد ذبحا، وانتم لم تُحركوا ساكنا؟ ام ان الرائد المحيشي لم يكن  من زملائكم؟

لماذا لم تحركوا ساكنا عندما أعدم سيدكم، الرائد خليل سالم الجدك، والرائد رمضان محمد العيهوري، والرائد مصطفى اهبيل الفرجاني، والمقدم سعد صالح فرج، والعقيد مصطفى بالقاسم مسعود الككلي، والعقيد مفتاح محمد قرّوم، الذين اُعدموا على خلفية محاولة او انتفاضة اكتوبر 1993م، والتي عُرفت بمحاولة ورفلة.

الم تكونوا - يا قادة وانصار الكرامة - سندا وذراعا وعونا للعقيد ونظامه، وكنتم على قمة السلطة عندما قتل النقيب ادريس الشريف الشهيبي (1980م)، والملازم طيار صبري سعد شادي، ورئيس عرفاء فرج سلامة المزوغي، وناصر الدين الكيب (اعدم لرفضه الحرب في تشاد) ورئيس العرفاء علي احمد العشيبي (1978م) والجندي منير عبد الرازق مناع، والجندي صالح عبد النبي العبار، والعقيد طيار حسين زايد الكاديكي، والعقيد طيار نوري سليمان لياس، والملازم محمد الطاهر القطروني (1970م)، وبوحليقة دخيل الشريدي (1970م)، والمقدم عبد الحميد المبروك الماجري (1970م)، والرائد عمر سعد سليمان (1974م)، والتقيب محمد فرج التومي، والنقيب صادق بركة (1976م)، والمقدم طيار صالح ابوفروة (1983م- اختفى الى يومنا هذا)، والنقيب عطية الكاسح (1970م)، والنقيب دروع امحمد احمد الحاراتي (1970م)، والمقدم آدم سعيد الحواز، والمقدم موسى احمد الحاسي (اعتقل وعذب وسجن ثم قتل خارج السجن)، والنقيب عمر الواحدي، بالإضافة الى خيرة رجالات القوات المسلحة والشرطة في العهد الملكي. اسألوا زملائكم عمن فقد عقله من الضباط من أثر التعذيب في معتقلات معمر. والقائمة تطول وتطول وتطول، وما ذكرناه قطرة من محيط.

لماذا لم تحركوا ساكنا عندما كانت جثث اولادنا تتأرجح في شوارع وميادين وساحات مدننا وقرانا وجامعاتنا ومدارسنا، ما الذي اعماكم واصمكم واخرسكم عن كرامة الوطن في ذلك الوقت، ام لم يكن للوطن كرامة! اين كنتم اثناء مذبحة أبوسليم التي راح ضحيتها أكثر من 1200 من خيرة وافضل واتقى شباب ورجال الوطن، بينهم عسكريون ينتمون الى القوات المسلحة الليبية بمختلف رتبهم وقطاعاتهم، ام لم تكن كرامة الجيش تهمكم في ذلك الوقت؟ اين كانت الكرامة عندما أسقط سيدكم أكثر من طائرة مدنية راح ضحيتها المئات من ابناء الوطن، لحاجة في نفس فرعون، وكنتم أنتم معه في دائرة القوة، بين ايديكم الاسلحة الخفيفة والثقيلة والمتوسطة، بينما ولغ سيدكم في دم المواطن والوطن حتى الثمالة.

اين كانت الكرامة عندما كان "الاخ القائد" يدمر امام اسماعكم وابصاركم وانوفكم، المؤسسة العسكرية الليبية، ويهين القوات المسلحة، ويزج بها في حروب خاسرة شرقا وغربا وشمالا وجنوبا، حروبا خاسرة راح ضحيتها الاف الجنود والضباط، وأنتم لا تسمعون ولا تبصرون ولا تتكلمون ولا تتحركون ولا تتنفسون. اين كنتم عندما مارست احدى فرق كتيبة "امحمد المقريف" على الجندي محمد عبد السلام خشيبه، ما لم تمارسه الضباع والجنون والهوام على فرائسها، والحدث المخزي والمخجل والسادي موثق صوت وصورة.

اين كنتم واين كانت الكرامة؟ عندما استباح الطاغوت المواطن والارض والوطن.

بل عن أي كرامة تتحدثون؟ وجثث اولادنا من جميع انحاء الوطن، ومن كافة الاعمار، والاطياف، تغطي اليوم شوارع بنغازي الحزينة، بما فيها شباب الصاعقة، الذين زجيتم بهم في اتون معركة، لا منتصر فيها، من اجل ان تبقوا او من اجل ان تصلوا الى السلطة، او من اجل تحقيق مصالح قوى خارجية، علمتم بذلك ام لم تعلموا، او من اجل مصالح او اهداف او غايات اخرى لا نعرفها.

أي كرامة؟ وأنتم تعبثون بأرواح شباب صغار في عمر الورود، من اجل ملوك وامراء وقادة دول اخرى ورؤساء يصبون النار على النار يتفرجون على اولادنا وهم يتقاتلون وينحرون بعضهم البعض، بينما ترفثون أنتم ويرفثون هم في الذهب والحلي والحلل والقصور والحرير.

بل عن أي كرامة تتحدثون؟ وأنتم تقاتلون حتى الذين قاتلوا الطاغوت قبلكم، وانتقموا للقوات المسلحة، واعادوا لها هيبتها ومكانتها وشيء من كرامتها التي مرغها الطاغوت في قاذوراته. تقاتلون حتى الذين شجعوكم وحرضوكم واحرجوكم ودفعوكم الى مقاتلة الطاغوت دفعا.

أرجو ان لا تحدثوننا عن الإرهاب، وعن محاربة الإرهاب، فمن منا؟ لا يكره التطرف والتشدد والعنف والإرهاب. ومن منا لا يلعن الإرهاب واهل الإرهاب وتبعات الإرهاب؟ ومن منا لا يتمنى اليوم قبل غدا، القضاء على الإرهاب بجميع انماطه، إرهاب الدولة والجماعات والافراد؟

لكنكم لستم اهلا لمحاربة الإرهاب، فليس هكذا يُحارب الإرهاب، الإرهاب لا يُحارب بالإرهاب، والدم لا يُحقن بالدم، والعنف لا يولد إلا العنف، بل ان ما تقومون به هو قمة الإرهاب، بل هو الرحم المشوه الذي ولد منه الإرهاب.

فكفاكم حديثا عن الإرهاب، ومحاربة الإرهاب، فأنتم مصدره. وفاقد الشيء لا يعطيه. كفاكم فالشعوب الحرة تمقت من يُسيس مآسيها ومحنها ومعاناتها وآلامها وقضاياها. الشعوب الحرة تمقت من يكذب ويُموه ويُدجل ويُدلس ويَسخر من عقول ابنائها، وتمقت من يحاول استغلال ظروفها.

الشعوب الحرة تمقت كل ذلك، والشعب الليبي يمقت ما تمقته الشعوب الحرة، فكرامة الوطن يا سيدي استرجعها واعادها وحفظها الشهداء الذين واجهوا الطاغوت بصدور عارية قبل ان تستيقظ من سباتك العميق. والله من وراء القصد.

د. فتحي الفاضلي
طرابلس - 31 يونيو 2014

كلمات مفاتيح : مقالات ليبيا المستقبل،
آخر الأخبار
إستفتاء
هل تعتقد أن الإفراج عن سيف الإسلام القذافي:
سيساهم في حل الأزمة الليبية
سيدعم جهود المصالحة الوطنية
سيزيد من تعقيد المشهد السياسي
اجراء غير قانوني
لن يكون له تأثير
كود التحقق :
+
إعادة
لمتابعة ليبيا المستقبل
جميع المقالات والأراء التي تنشر في هذا الموقع تعبر عن رأي أصحابها فقط، ولا تعبر بالضرورة عن رأي إدارة الموقع