مقالات

محمد بن نصر

أصنــام الحداثــة (2)

أرشيف الكاتب
2017/02/03 على الساعة 11:32

"نقد العقل العربي لن يكتمل إلا بأنجاز نقد العقل الأوربي..". هكذا يقدر صاحب نقد العقل العربي الموقف من العقل الأوربي، باعتباره المؤثر الرئيس في العقل العربي المعاصر! (محمد عابد الجابري، التراث و الحداثة، ص 11).

ستفترق طريقي بعد هذه النقطة عن طريق الجابري في نقد العقل الحداثي، عربي وغير عربي، ليس فقط لأن الجابري، رحمه الله، باحث ابستيمولوجي (يهتم بأنظمة المعرفة) وانا باحث ايديولوجي (أهتم بوظيفة الأفكار)، وإنما لأن الجابري - وربما بسبب الفرق بيننا- يضبط مفهوم الحداثة على معايير أوربية، بينما أنظر إليه أنا من زاوية نقدية-إسلامية؛ وسأعود للتفاصيل بعد تبيان أختلاف مفهوم "الحداثة" عند الجابري عن فهمي أنا لـ"الحداثة".

يرى الجابري أن الحداثة هي "العقلانية والديمقراطية"؛ وقد يكون هذا الفهم صحيحاً في دائرته الأوربية، لكنه لا ينبغي أن يقيد الباحث المسلم الذي يؤسس لإنهاء التبعية، فماذا تمثل "الحداثة" لإنسان لا يجعل مع الله إله آخر؟

بالنسبة لي ما تمثله الحداثة هو عودة مشعل الحضارة لأوربا، وبكل ما تمثله أوربا من فضاء لتعدد الآلهة، فـ"الأصنام أكثر مما يظهر في واقع العالم"، حسب تقرير نيتشه! وفي هذا السياق الأوربي كان موضوع الأصنام هو أول ما تفطن له مفكروا النهضة الأوربية، و هم يؤسسون للعصر الحديث والحداثة؛ وعلى النحو الذي بينته سابقاً (في رقم 1)!

ونظرا لأن هذه الاصنام منحوتة في عالم الأفكار فهي غير مطروقة بهذه الصراحة عند العرب، فالجابري وهو يشرح اسهامات بيكون مثلاً، يرفع (في كتابه مدخل إلى فلسفة العلوم) مصطلح "الأصنام" ويضع بدله مصطلح "الأوهام"، مما يطوح القاريء بعيداً عن جوهر الموضوع، فالأصنام، التي تُعبد، غير الأوهام التي قد لا تتعدى عقل صاحبها.. لكن الترجمة شبيهة الخيانة كما يقول الايطاليون!

الذي انتبه لغفلة العرب عن أصنام الحداثة و نبه إليها، بشكل غير مباشر، هو ادوارد  توماس لورنس الذي قاد الثورة العربية قبل مائة سنة! يقول لورنس عن العرب في كتابه أعمدة الحكمة السبعة: "انهم يشقون طريقهم بين أصنام القبيلة وأصنام الكهف، أما أصنام السوق وأصنام المسرح فلم تخطر لهم على بال"! ولذا لم يتمكن العرب، مفكرين وسياسيين، حتى الآن، من رؤية أصنام الحداثة، لأنها منحوتة في عالم الأفكار، بينما يقتصر ادراكهم البدائي/الطفولي على عالم الحس المتجسد في "الأشخاص" و"الأشياء"، أو أصنام القبيلة وأصنام الكهف، كما في توصيف لورنس، المستعار من تصنيفات بيكون! وسأقف هنا لبعض الوقت عند وظيفة الصنم، حتى لا يكون لدينا لبس على مستوى جدية الموضوع.

الصنم في الظاهر هو ما يتوجه إليه الجاهلي بالعبادة (ومن بينها وأهمها، فيما يخصنا، تقديم القرابين) لكن وظيفة الصنم في الباطن غير وظيفته في الظاهر! وظيفة الصنم غير الظاهرة وظيفة تشريعية، تتمثل في قلب الأمور رأسا على عقب، بحيث يضيع الحق و يصبح الباطل هو المكتسبات التي تدافع عنها القبيلة؛ بمعنى أن القبيلة تقتل باسم أصنامها وتموت من أجلها: أبوسفيان قتل سبعين من الصحابة، ليصيح عند جبل أحد "أعلُ هبل"، ثم يعود إلى مكة! وقُتل من العرب مائة رجل دفاعاً عن صنم أسمه "الخُلص" عندما جاء أوآن كسر الاصنام، بعد فتح مكة! وبذا يصبح الصنم، وهو في مقام الالوهية، مصدر لمشروعية مزورة تتطابق مع أهواء أصحاب الصنم (الذين يحددون باسمه المشروع من غير المشروع).

العرب و على رأسها قريش؛ وقريش وعلى رأسها ابو سفيان، كانت تقاتل دفاعاً عن هواها (أو مصالحها بلغة هذه الأيام)! وهبل كرمز/ايقونة لنظام تعدد الالهة هو ما يجعل التشريع مطابقاً لأهواء قريش، فهي من يحدد في هذه البيئة ما هو "المشروع" وما هو "غير المشروع"! وبذا كان الاسلام عملاً غير مشروع من وجهة نظر قريش (أو طبقاً لهواها) أما قتل سبعين من الصحابة فكان عملاً مشروعاً لأن قريش رأته كذلك! القصة وما فيها أن النظام الجاهلي يدافع عن نفسه باسم الأصنام: فـ"هبل" لم يعط لأبي سفيان أمراً بحرب المسلمين، و "الخلص" لم يعط العرب أمراً بالدفاع عنه!

مرة أخرى: الصنم هو رمز الباطل الذي يتظاهر بأنه الحق، أو هو الباطل الذي ينصبه أهل الأهواء في موقع الحق! فالحجر الأصم يقع في هوى الجاهلية موقع الإله: "إن يتبعون إلا الظن وما تهوى الأنفس وقد جاءهم من ربهم الهدى" (سورة النجم، الآية 23)! وعن هذا الباطل تتفرع كل الأباطيل الأخرى، التي تسمى حقوقاً أو مصالحاً! فالهوى هو مصدر كل آلهة الباطل، التي تتجسد في الصنم كأيقونة لنظام أسمه "الجاهلية" على وزن "الفاعلية"! فالجاهلية نظام سياسي مثل بقية الأنظمة: (الملكية أو الجمهورية، والديمقراطية أو الديكتاتورية.. إلخ) إلا أن الجوهري في هذا النظام هو قيامه على تعدد الالهة/الأصنام!

ماذا كان هوى قريش الذي كان هبل رمزاً له؟ وماذا كانت مصلحة قريش في النظام الجاهلي؟

يتمثل هوى قريش في أن يظل ابو جهل وابو لهب وأمية بن خلف سادة مكة، يتقاسمون بينهم السقاية والرفادة و لوفادة، باسم قريش، التي يقر لها العرب بأنها فوق الجميع. هذا على المستوى السياسي، أما على المستوى الاجتماعي-الاقتصادي فيتمثل هوى قريش في أن يظل محمد مجرد رجل أمين من رجالها، وأبي بكر مجرد تاجر من تجارها، وعبد الله بن مسعود مجرد راعي من رعاة أغنامها، و بلال مجرد عبد من عبيدها! هذا هو هوى ابي سفيان وهو يهتف "اعلُ هبل" عند جبل أحد، وهذه هي مصالح قريش في النظام الجاهلي الذي كان "هبل" رمزاً له.

غير أن ما يوجب التوقف عنده هو أن قريش رفعت الاصنام إلى مقام الالوهية تقليداً لغيرها من الأمم، فالعرب لم تعرف الاصنام بين ابراهيم عليه السلام وما يقارب مائة وخمسين سنة قبل الإسلام، عندما جلبها عمرو بن لحي من الشام (الشمال) وبثها في البيئة العربية، فلم يسلم منها حي من أحياء العرب بما في ذلك مكة، بل كان بعضها في جوف الكعبة. وهذا ما سيعيدنا، على سبيل المقارنة، إلى الحداثة كمصدر لنوع جديد من الأصنام التي تأتينا من "الشمال"!

بعد ثلاثة عشرة قرنا من ظهور الاسلام، ذهب ابناء المسلمين للتعلم في أوربا ليعودوا محملين بأصنام مشفرة بالنسبة لمن لا يعني له التوحيد والشرك شيئاً. ذهب ابناء المسلمين إلى الشمال وعادوا غير واعين إلى أن مسألة الالوهية لم تحسم بعد، شمال المتوسط، وغير واعين بأن أفكار أوربا، لابد من نقدها لتحاشي سمومها. وحيث لم يكن الأمر كذلك، سبقتنا أوربا إلى نقد أصنامها التي قبلناها نحن على علاتها!

نيتشه الذي بيّن "كيفية التفلسف بالمطرقة" مهد سبيل النقد على مستوى الاقرار بأن أوربا لازالت تعج بالأصنام (أصنام الفكر هذه المرة)! وسيُسّهل عمل نيتشه هذا عليّ إعمال المطرقة في عالم الأفكار الأوربية بطريقتي الإسلامية، لأن التلوث الذي تحدثه أصنام الفكر لا يختلف عن ذلك الذي تحدثه أصنام الحجر.. إن لم يكن أشد فتكاً!

وقد تكون هذه هي المرة الأولى التي يهتم فيها مسلم بنقد الفكر الأوربي من منظور إسلامي يتجاوز القصور الناتج عن اعتبار العلوم الانسانية الغربية قمة ما وصلت إليه الإنسانية، بالرغم من أنها لم تحسم مسألة الالوهية بعد، الأمر الذي يجعل من أوربا-الحداثة موطن الأصنام ومصدرها! وهذا هو محل النقد، الذي سيقتصر على أصنام أخذت زخرفها وازينت هناك (في الشمال)، ثم انتقلت إلينا دون وعي منا، الأمر الذي يبرر دراستها دراسة نقدية عوضاً عن الدراسات النقلية التي لا زالت، في جلها، محلاً لهيمنة الأفكار الأوربية أو مظهراً من مظاهرها!

هي إذن بداية جديدة من حيث بدأت الدعوة إلى نبذ الأصنام وتوحيد الله.. مجرد تجديد لحنيفية ابراهيم عليه السلام، وهي ذات الحنيفية التي بدأت منها وانتهت بها دعوة رسول الله وخاتم النبيين عليه الصلاة و السلام:(كسر الأصنام)! - ومن يعتصم بالله فقد هُديَ إلى صراط مستقيم.

محمد بن نصر

كلمات مفاتيح : مقالات ليبيا المستقبل،
لا تعليقات على هذا الموضوع
إستفتاء
ماذا تتوقع من لقاء فايز السراج وخليفة حفتر في أبوظبي؟
لا شئ
إنفراج للأزمة
خطوة علي الطريق الصحيح
لا ادري
كود التحقق :
+
إعادة
لمتابعة ليبيا المستقبل
جميع المقالات والأراء التي تنشر في هذا الموقع تعبر عن رأي أصحابها فقط، ولا تعبر بالضرورة عن رأي إدارة الموقع