مقالات

نورالدين خليفة النمر

ديمقراطية بدون ليبرالية

أرشيف الكاتب
2017/01/30 على الساعة 17:06

دأب الليبيون الذين استهدفهم بالضرر عام 1977 شكل هجين وأُتوقراطي، بل مضلّل للديمقراطية الشعبية المباشرة، أن يسمعوا لـ 35 سنة كل مساء من تلفزيونهم الرسمي الوحيد دون الوعي بزيفه نقداً للديمقراطية التمثيلية التي اختصرت بوصف التعبير الشعبي، وأن بديلها المطبّق في ليبيا الجماهيرية هو الحكم الشعبي.

الديمقراطية المباشرة (الأثينية) التي تلتصق بها غالباً الأتوقراطيات تُباين الديمقراطية المعاصرة التي سادت بلدان غرب أوروبا بـ "التمثيلية". فالشعب في الديمقراطية التمثيلية مصدر السيادة، ولكنه يفوضها لنخبة "تمثلّه" لإدارة الشؤون العامة. هذه النخبة يُفترض أن تكون أكثر تأهيلاً واستعداداً لممارسة السياسة بجناحيها التشريع والتنفيذ، الأمر الذي دفع عالم الاجتماع ماكس فيبر إلى اعتبار "الديمقراطية التمثيلية" الوسيلة المُثلى لكى يُمارس الشعب سيادته بطريقة رشيدة. مقرّراّ، في الآن نفسه وللضرورات العملية ذاتها، أن الديمقراطية المباشرة مستحيلة الاستخدام في تنظيمات واسعة ومركّبة مثل الدول الحديثة، لاقتضائها مساواة تامة بين جميع المشاركين، ومجتمعاً متجانساً إلى حدّ بعيد.

ورغم إدعاء الممارسة الليبية 1977ـ 2011 توّفر هاتين الخصيصتين في المجتمع الليبي التي كانت تربكه إذ تحكمه فإن دوايت سمبسون سدّد بدبلوماسية ـ في ندوة جامعة مدريد 1980حول الكتاب الأخضر - متبنيا الرؤية الفيبرية نقداً جوهريا لنموذج الديمقراطية الليبية المطبّقة! كون المواطنين الليبيين يتنازلون عن سيادتهم الموهومة حين يقبلون بدرجة معينة من التمثيلية للجان الشعبية التي لأمنائها سلطة تنفيذية لاتجسّد بالضرورة مباشرة الحكم وممارسة السلطة، وهم بدورهم يأتون من بعض الدوائر لا كلّها، ولاتوجد موانع تحول دون تسلل الذين لهم علاقات شخصية برأس النظام إلى هياكل السلطة وجهازها الإداري، وتبعاً لذلك فالمواطنون ملزمون بقرارات أُناس لم ينتخبوهم مباشرة، الأمر الذي يقرّر واقعا لامفرّ منه هو انتفاء الوسيلة العملية لقيام السكان بأسرهم بمهام الجهاز المباشر لرسم سياسة بلد ما وحكمه، ومهما تكن الخيبة كبيرة بالنظرية التمثيلية وبممارساتها كما تُطبّق في بلد وآخر من بلدان العالم، فليس هناك بعد طريقة ممكنة للخلاص من أسلوب التمثيل بالنسبة لأيّ نظام سياسي يتوخى النجاعة في إبلاغ وتسيير الإرادة السياسية لمواطنيه.

في الديمقراطية المُسمّاة مباشرة جرّف النظام الدكتاتوري في تجلّيه الأتوقراطي لـ 4 عقود أرضية العمل السياسي مانعاً وجود النخبة الليبية المفترض تأهلها واستعدادها لممارسة السياسة والعمل التشريعى والتنفيذى الذي تستدعيه الديمقراطية التمثيلية في ليبيا بعد التغيير في 2011 الذي شابت مضمونه الثوري صور من الاصطناع والتزييف، بل تعسف واعتباط أنتجا احتراباً وانقساما مجتمعياً معمّماً منذ عام 2014 وهو ما أبعد الليبين للمرة الثانية عن الديمقراطية التمثيلية في حدودها وشروطها الدُنيا التي خبروها في عهد الملكية الدستورية 1951 ـ 1969 وإذ نتفهّم دوافع التلفيق، والسخف التي ألحقتها الأتوقراطية الشخصانية، بالديمقراطية التمثيلية عبر مآل الديمقراطية الليبية المباشرة، فإننا لن نقبل سخف الفكر الذي يتصورّ الفكرة والممارسة الديمقراطية في بلدان المنشأ في الغرب بدون الليبرالية روحها القائمة على الحرّيات ومنها حرّية التعبير فيما تعكسه كلمة Liberalism من معانٍ ودلالات نعثر عليها في أيسر معاجم السياسة.

مايعيدنا إلى ذكريات الديمقراطية المباشرة وفوضوياتها المقترح الأكثر راديكالية الذي تقدمه ـ عبر الاستفتاءات ـ الأحزاب القومجية والشعبوية في الغرب اليوم، والذي تدعو من خلاله إلى إعادة تسليم السلطة إلى جماهير الناس من خلال الاستفتاءات المباشرة، وهو الاقتراح المعبرّ عن مشاعر الإحباط التي دفعت موجة عالمية من الاحتجاجات الشعبية المُضادة للعولمة لتغذية الدعم للاستفتاءات الجديدة والأحزاب المتمردة التي تطالب بها. وهو كابوس يقض مضاجع ليس الأحزاب التمثيلية الراسخة فحسب، بل وأيضا الحكم الديمقراطي ذاته، فكما أظهرت التجارب مع الاستفتاءات، يصوت عامة الناس غالبا لصالح أشياء متناقضة، وهو الأمر الذي يجعل الاستفتاء السلاح المفضل في يد الأحزاب القومجية والشعبوية، مما يمكنّها من كسب التأييد الشعبي لقضاياها المتناقضة والمنافية للروح الليبرالية.

وما يعيدنا أيضا إلى الديمقراطية المباشرة الظلال الرمادية للأوتوقراطية في الدعاوى القائلة بـ "دمقراطية بدون ليبرالية" العنوان الذي كتبت تحته ـ عن صحيفة هآرتس ـ نوهه لنداو مشيرة إلى دعوى دران بيرتس في مقاله "الديمقراطية وشظاياها"، لطريقة ديمقراطية جديدة فيما أسماه بـ "الليبرالية الجديدة" عندما تطرق الى نسبية قداسة مباديء حقوق الإنسان، فيما تروّجه نماذج الأنظمة السياسية التي تقدس المبنى دون المعنى، وطريقة الانتخابات دون المضمون الاجتماعي الذي ترسو عليه، وسلطة الأغلبية بدون مُراعاة حقوق الأقلية فيما تم تداوله من مسميات كـ: "ديمقراطية غير ليبرالية" و"ديمقراطية إجرائية" أو "شبه ديمقراطية" في ديمقراطيات تمارس الديمقراطية الانتقائية كإسرائيل أو بلدان تراجعت فيهما الديمقراطية الوليدة لمصلحة حكم الرجل القوي كروسيا بوتين وتركيا أردوغان، أو في الفلبين حيث يحكم اليوم شخص سلطوي شعبوي كدوتيرتي.

إلا أن شعار "ديمقراطية غير ليبرالية" الذي روّج له السياسي المجري فكتور أوربان والذي تبناه الحاكم الفعلي لبولندا ياروسلاف كاسزينسكي، تبدو مفارقته الفاقعة اليوم في أوربا الموّحدة التي شرعت تتفكك تحت ضربات الشعبويات، وأمريكا التي تنكفيء في شعارات انتخابية قومجية كـ "أمريكا أولا" و"جعل أمريكا عظيمة مرة أخرى" وهو النهج الذي يبدو أنه نجح في اختراق قلب الغرب، أولا بالاستفتاء على الخروج البريطاني من المملكة المتحدة "بريكست"، ثم بانتصار دونالد ترُمب في الانتخابات الرئاسية الأميركية.

إن نعتنا السياسة الديمقراطية ببُعدها "النيوليبرالي" بأنها بضاعة يجعلنا نتفق مع ماسيج كيسيلوفسكي في توصيفه بموقع ـ project-syndicate ـ الديمقراطية غير الليبرالية بأنها فعالة لأنها تفصل البضائع المرغوب فيها عن الإضافات غير المرغوب فيها، وهو جوهر الابتكار التجاري الحديث. فمثل العديد من المنتجات الجديدة والعلامات التجارية التي تحظى بالشعبية؛ فإن الديمقراطية غير الليبرالية لا تسعى لإرضاء كل الناس، بل تستهدف مجموعة منتقاة بعناية من "الناخبين الزبائن"، وتعطيهم ما يريدونه بالضبط.

فعندما وصفت هيلاري كلينتون أنصار ترمب بأنهم "مجموعة من البائسين" فإنها وصفت بدقة قطاعا من السوق السياسي الذي يستهدفه ابتكار أوربان، ولكن الديمقراطي غير الليبرالي لا يتكلم فقط مع الرجعيين المتلهفين لاستعادة التسلسلات الهرمية، ولكن أيضا الناخبين من الطبقة العاملة الخائفين من البطالة والانحدار الطبقي. أما "الطبقة الخلاقة" المعولمة في المدن وبقية المجتمع كـ: الأقليات العرقية والدينية والأيديولوجية، والجماعات المهاجرة الطارئة وكل من هو على ضفاف المجتمع، سينخرط عندئذ في المعارضة.

ليبيا التي انعدمت فيها من جديد إمكانية وجود المعارضة السياسية الليبرالية في أدنى شروطها يخوض عبر المؤسسات غير الديمقراطية التي اصطنعت لهم من المجتمع الدولي سياسيوها الأغرار مارتون التفاوض نحو انفراجة للمختنق السياسي الليبي ـ الليبي الأعمى بدون رؤية لا ليبرالية ولادمقراطية.

نورالدين خليفة النمر

كلمات مفاتيح : مقالات ليبيا المستقبل،
سليم الرقعي | 01/02/2017 على الساعة 16:41
ليبراليتنا وليبراليتهم !؟
ومع اقرارنا بضرورة توفر القدر الكافي من الليبرالية كفكر ومبادئ وسلوك وثقافة لحماية الديموقراطية من الشعبوية ذات التوجه الوطني أو ذات التوجه الديني أو ذات التوجه القومي أو ذات التوجه العلماني أو الاشتراكي الخ .فيجب علينا إذا أردنا النهوض بمجتمعاتنا العربية المسلمة أن نفهم بعمق قوانين النهوض فلا يمكننا أن نستنسخ قوانين نهوض مجتمعات أخرى حرفيا كي نحقق نهضتنا الحضارية بل نحتاج إلى الانطلاق من ذاتنا ومما لدينا ومن الجوانب الايجابية من تراثنا بعد أن ننفض عنها الغبار !.. الليبرالية كفلسفة اجتماعية انسانية ذات مبادئ عامة وقيم عامة وثابتة ولكن حول هذه الثوابت الليبرالية المتفق عليها من القيم والأسس العامة التي تعلي من شأن الفرد الانسان وتقدس حريته وملكيته وخصوصيته وضرورة حمايتها من التدخلات التعسفية للمجتمع والدولة والسلطات الاجتماعية والدينية هناك عدة اجتهادات وتطبيقات مختلفة في المجتمعات الغربية ذاتها خصوصا فيما يتعلق بحدود حرية الفرد الشخصية وحدود تدخل المجتمع فيها؟.. نحن اليوم نحتاج أن نستخلص ليبراليتنا من عمق تراثنا العربي والإسلامي كي تكون فكرة ذات فاعلية في واقعنا وهذا هو التحدي! تحياتي
سليم الرقعي | 01/02/2017 على الساعة 16:32
تحية من العقل للعقل 2
فهذه وظيفة المثل العليا النبيلة والأحلام الإنسانية الجميلة وهي أنها تشدنا إلى الأعلى والأسمى دائما أما إذا جاء أحد المغرورين أو الموتورين أو قصيري النظر والمراهقين السياسين كي يطبقها في الواقع خصوصا إذا استعمل الاسلوب السلطوي أو الثوري العنيف كما فعل الشيوعيون فإن هذا الحلم الجميل والشعار النبيل يتحول إلى كابوس قبيح رهيب مرعب يتغذى على دماء البشر وخوفهم ... هكذا ينبغي النظر إلى الأفكار المثالية النبيلة أما عند التعامل مع الواقع فيجب التعامل معه بحلول واقعية عقلانية عملية راشدة .. وهكذا نقول أن الشكل الواقعي والمقبول للديموقراطية هو بالفعل المطبق في الغرب أي الديموقراطية النيابية النخبوية التداولية التي تستمد شرعيتها من الدستور ومن الجمهور على السواء إلا أنها بالفعل بدون الليبرالية هي عرضة للسقوط في هاوية الشعبوية والجماعية والجماهيرية التي في معظم الحالات أما تتحول الى فوضى غوغائية أو وهو الاغلب تصبح عبارة عن جلباب شكلي فضفاض للحكم الفردي أو الحزبي الشمولي المستبد حيث تصبح الجماهير الشعبية ليست سواء قطيع بشري يتحرك وفق رغبات الفرد/الحزب القائد الوحيد والمقدس كما في النازية والفاشية.
سليم الرقعي | 01/02/2017 على الساعة 16:24
تحية من العقل إلى العقل !
سرني جدا أن أرى في مقالتك النقاش السياسي الفكري العميق الذي نفتقد إليه في ليبيا فالفكر السليم هو أساس النظام السليم ... وأوافقك الرأي تماما فيما ذكرته عن عدم كفاءة وفاعلية ما يسمى بالديموقراطية الشعبية المباشرة التي أكثر من دافع عنها الفيلسوف جان جاك روسو بعد انتقاد لاذع وشديد للديموقراطية النيابية البرلمانية الانجليزية ولكنه في نهاية نقده للبرلمانية وتنظيره للحكم الشعبي المباشر تحت شعار سيادة الشعب لا تتجزأ .. انتهى إلى الاعتراف أن الديموقراطية في شكلها النظري المثالي السليم هي نظرية قال عنها أنها غاية في الكمال والمثال مما تحتاج معه إلى شعب من الآلهة لحسن تطبيقها !... فهي نظرية مثالية تنتمي الى عالم المثل الجميلة والمدن الفاضلة النبيلة والتي هي في حقيقتها غير قابلة للتطبيق البشري ومع ذلك لا يجوز القائها في مزبلة التاريخ فالبشر يحتاجون في سعيهم لتحقيق أكبر قدر من العدالة والحرية إلى مثال نبيل وحلم جميل يشدهم نحو الأعلى ويكون حاله حال الحادي الشادي الذي يحث نفوسهم على استمرار السعي ومقاومة صعوبات الطريق .. هذه هي وظيفة النظريات السياسية والاجتماعية والاقتصادية الفاضلة، يتبع
باهي | 31/01/2017 على الساعة 00:23
احلام اليقظة شكل من أشكال اليوطوبيا: قبل الديموقراطية يجب ارلاً وجود الهيكل (الدولة) الذي يتحمل عبء المجتمع...؟
مع انني غير متاكد بانى فهت مما كنت تقصد، حيث يبدو بأنك تكتب بالعربية وتفكر بلغات اخرى! ربما لم يخطر ببالك ذاك المثل الليبي الذي يقول "شكاله بتعبه ، علق له دلاعه في..." الكلام عن الديموقراطية سوى الاطقراطية او الليبرالية منها في ظروف ليبيا الحالية ما هوا الا احلام اليقظة بكل ما يعنيه هذا التعبير.شعب لم يعرف بعد أهمية الدولة، ليس باستطاعته ان يمارس الديمقراطية او يفهمها. الديموقراطية والليبرالية منها بشكل خاص تتطلب درجة من الوعي التاريخي باهية مبداء اعش واترك الاخر يعيش كذالك. الليبيون لم يعرفوا في تاريخهم الدولة كتعبير عن رغباتهم بل كانت داءماً دخيلة ومتسلطة. نوايا التجربة القذافية ربما كانت حسنة لكن التطبيق كان سىء للغاية وبالتالي فشلت الجماهيريه عن ان تحقق أهدافها في توطين مبداء الدولة كتعبير عن إرادة الناس. النتيجة شعب همج بدون هدف او شىء ما يفتخر به. ليبيا الْيَوْمَ في حالة ما وصفه هوبز عن الحياة البداءية: وحيدة، فقيرة، مقززة، وحشة، وقصيرة! شكراً. باهي
آخر الأخبار
جميع المقالات والأراء التي تنشر في هذا الموقع تعبر عن رأي أصحابها فقط، ولا تعبر بالضرورة عن رأي إدارة الموقع