مقالات

البانوسي بن عثمان

عنا... وعن الغرب فى تمايزه (3)

أرشيف الكاتب
2017/01/29 على الساعة 14:58

كنت احاول ان اقول فى الجزئيين السابقين من تحت هذا العنوان، وعلى نحو غير مباشر. بان حضور المملكة المتحدة فى الشأن الليبيى واشتباكها معه، من خلال سفيرها السيد (ميلت) فى تنقلاته  ولقاءاته وسفرياته وتصريحاته، كان ملّفت، واحيانا الى حد الاستفزاز. فلم نشاهد حضور مكثف مماثل، لهذه المملكة فى البلدان العربية التى طالتها ثورات 2011م. ولا ارى هذا الحضور والتواجد فى الشأن الليبي من طرف المملكة المتحدة، بالشيئي الطبيعي، الذى يجب تفهُمه، فلا مشّترك جغرافي او ثقافي او ديمغرافي، يجّمعنا مع هذه الاطلسية.

فنحن فى ليبيا نقف على جغرافية حوض المتوسط ويحتضننا الفضاء المغاربي. فى حين تلك المملكة لها جغرافيتها البعيد فى حضن الأطلسي المترامي الاطراف. وهذا يجعل من مُقاربتنا وقراءاتنا كلانا، تنطلق من ارضيات مختلفة. فالواقع الموضوعي لليبيا، جغرافيا، ديمغرافيا، ثقافيا، يُلّزمها بمد جسور التواصل الإيجابي البناء مع هذه الجغرافيات الثلاث، من خلال علاقات متينة مع الفضاء المغاربي، وتواصل إيجابي بناء مع دول الضفة الشمالية للمتوسط.

وهذا فى تقديرى لا يُريح فى ما يبّدو تلك المملكة الاطلسية، ويظهر ذلك لنا بوضوح من خلال استفزاز الضفة الشمالية للمتوسط، بإغراق مياهه بأمواج من هجرات ملونة تنتهى عند شواطئهم. وفى إرباك  الفضاء المغاربي ايضا وازعاجه، ودفّعه، كما يظهر فى الحالة التونسية الى حفر اخدود عميق على امتداد الحدود الليبية التونسية مدّعوم بجدار مراقبة الكترونى، لمنع تسرب الارهاب المُصنّع فى كهوف (توربورا) واقّبية (قندهار) الى شوارع بلادهم.

والذى يجعلنا نذهب الى هذه القراءة، مشاهدتنا ومتابعتنا لهذا الاهتمام المُلّفت لهذه المملكة الاطلسية بالشان الليبي، والمتعارض مع واقعنا  فى ثوابته الثلاثة الجغرافية. الديمغرافية. الثقافية. والذى وبالضرورة سيكون تعاطيها ذا مردود ونتائج تتناسب مع ما لدى هذه المملكة الاطلسية من فائض قوة سوى كانت خشنة او ناعمة، وبما تضم ذاكرنها من خبرة واسعة، حصدتها من خلال ماضي مأساوي مؤلم، عاشته هذه البقّعة فى كنفها وتحت قبضتها.

واستناد على كل هذا، سيكون لهذا التعاطي والاشتباك مردود سلبى. تنعكس على مُخرجاته، التى سوف لم ولن تصب ابدا فى مصلحة ليبيا ولبييها. لأنه كما ذكرنا وارجعناه فى السابق، الى اختلاف الارضيات التى يقف عليها الطرفيّن، والتى ستسوق المنّطلقات وتحرّكها وتوجهها نحو  نتائج مختلفة بل مُتضاربة. تأتى لصالح طرف  دون الاخر. لأنه وفى  الطرف الليبي صاحب الشأن - فى تقديرى - سوف يجد صعوبة، بل سوف لن يستطيع تحت ضغط واعزه الوطني، تخطى وتجاهل واقعه الموضوعي الجغرافى. الديمغرافي، الثقافي. فهو يرى فى ذلك كيانه وهويته ومصّلحته. واما الاخر المتمثل فى تلك المملكة الاطلسية، لا تعّنيه هذه الثوابت الثلاثة فى شيئي، بل يراها حجر عترة فى طريقه، يجب ازالتها وتخطيها. وبقول اخر، يريد احدهما خلق تواصل إيجابي بناء مع جغرافياته الطبيعية، الديمغرافية، الثقافية، لخلق مناخ آمن وبيئة مناسبة لحراك تنموي يسعى به نحو التأسيس لدولة المؤسسات والقانون، نحو النهوض والتقدم. وفى المقابل يسعى الاخر الى جر هذه الجغرافيا فى اتجاه بعيد، ليس له علاقة بما يسعى اليه ويتوخاه  الاول صاحب الشأن.

ومن خلال كل هذا، يظهر امامنا مساران اتنان يتفاعلان داخل الشأن الليبي، الغالب فيهما من يتكئ على فائض القوة لذى تلك المملكة الاطلسية. وهو الذى  تُدير به، من خلال تجاذباته الداخلية، ما يحاكى (العشْريّة السوداء) ولكن بمفردات ليبية. وعندما ينّضج الوقت - فى تقديرى - يدفع مندوب هذه المملكة الاطلسية، بيده فى جيّبه، ويُخرج منه لنا (المُنقذ) المنتظر، بعدما ينفخ فيه من روحه فتنّبعثْ فيه الحياة فى (منفاه المخّملي). فيظهر علينا هذا (المنُّقذ) وهو يتمطّى، مُتأبط تحت دراعه خريطة طريق للوئام المدني، والتي من خلالها وبها تُعيد تلك الاطلسية، ترتيب الاوضاع داخل البلاد بما يخدم مصلحة مسارها العتيد.

وفى المقابل نأتي الى ثاني المسارات، وهو  الذى يسعى الى (مُنقد) من نوع اخر وبصيغة اخرى، يثم استدعائه من خلال قراءة جيدة للواقع الموضوعي الليبي. جغرافيا. ديمغرافيا. ثقافيا. ثم مدْ جسور التواصل الإيجابي البناء مع هذه الجغرافيات الثلاث، من خلال علاقة متينة وجيدة مع الفضاء المغاربي، وتواصل إيجابي بناء مع دول الضفة الشمالية للمتوسط. والسعي الى تحّفيز جسور هذا التواصل وحثها الى دعم هذا التوجه، لما له من مردود إيجابي على ليبيا وللإقليم ولحوض المتوسط، وذلك من خلال دعم هذا المسار ومساعدته على التأسيس لدولة المؤسسات والقانون، التى تنهض على دستور، وتتبنى المسار الديمقراطي لأدارت بلادها. واعتقد ايضا بان هذا المسار، هو بعيّنه، الذى يتوافق مع مهام الهيئة الاممية. والذى يجب عليها ان تتبناه. لأنه وبإيجاز شديد، يزيد من رقعة مساحة الحكم الرشيد على هذه الارض، ويُشيع المفهوم الديمقراطي فى التداول السلمى على السلطة.

البانوسى بن عثمان
الجنوب الليبيى فى 29-1-2017م

كلمات مفاتيح : مقالات ليبيا المستقبل،
لا تعليقات على هذا الموضوع
آخر الأخبار
جميع المقالات والأراء التي تنشر في هذا الموقع تعبر عن رأي أصحابها فقط، ولا تعبر بالضرورة عن رأي إدارة الموقع