مقالات

عبد الجليل آدم المنصوري

اقتصاد واقتصاديون

أرشيف الكاتب
2017/01/29 على الساعة 14:59

يُعْرَفُ علم الاقتصاد Economics -أحيانا- باسم "العلم الكئيب"، ولا ينبغي أن يندهش متخصّصو هذا العلم من هذا النّعت، إذ لا يهتم الناس بالأنظمة الاقتصادية إلاّ عند حدوث أمر يضع الاقتصاد في مواجهة أزمة معينة، كأن يفقد آلاف المستخدمين أعمالهم، أو ظهور عجز في السيولة المالية لدى المصارف، أو ارتفاع الأسعار أكثر مما ينبغي، أو انخفاضها انخفاضا سريعا، أو حدوث الركود التضخّمي الذي لم يصل أي من الاقتصاديين بعد لتفسير مُقنع لسبب حدوثه. وربّما جاءت هذه التسمية أيضا، لكثرة تعامل علم الاقتصاد مع حالات عدم التأكد Uncertainty، أي غياب المعلومات الدقيقة ومن ثم الاستناد إلى نظرية الاحتمالات.

وطالما مسألة كسب العيش تشغل الجزء الأعظم من حياة الناس وأفكارهم، فسيظل علم الاقتصاد - الذي يُعنَى بكيفية عمل الأسواق، ومُسبّبات انهيارها في بعض الأحيان، وكيفية تقدير تكاليف المشاريع على النحو السّوي - عِلماً مفيداً لأغلب الناس. ولكن تظل المشكلة الحقيقية لهذا العلم، أنه شبه منقطع عن الفهم الشامل للكيفية التي تعمل بها الأشياء أو التي ينبغي أن تعمل بها، لأن الأمر لا يقتصر على دراسة الأرقام أو الإحصاءات أو النظريات، بل دراسة سلوكيات الناس واستعلامهم عن كيفية تحقيق نجاحاتهم حول ما يمنحهم الشعور بالسعادة والرضا. في حين يزعم أهل الاقتصاد أنهم يجعلون ما هو غامض دقيقاً وواضحاً، ويَروْن بأن علم الاقتصاد مُتفوق على غيره من العلوم، لأن موضوعية المال تمكنه من قياس القوى التاريخية بدقة.

لقد ظل الاعتقاد سائدا بين خُبراء الاقتصاد، أنهم يتولون إدارته ويُحكمون سيطرتهم على الأمور، إلى أن فوجئوا بانفلات الاقتصاد من قبضتهم في عام 2008م، وملاحقتهم سياسيا في مطاردة ساخنة. والحقيقة أنهم لم ينتبّهوا لقدوم عاصفة الأزمة المالية التي تحولت إلى أزمة اقتصادية، لقد كان بحق فشل للخيال الجماعي والتفكير المستقبلي لدى الكثير من الأشخاص اللامعين في علم الاقتصاد، أو هكذا اتضح.

ويلاحظ على المناهج الدراسية، أن أغلب طلاب الاقتصاد غير مطالبين بدراسة علم النفس، أو الفلسفة، أو التاريخ، أو السياسة. وهم يُلَقَّنون نماذج للاقتصاد تستند إلى افتراضات غير واقعية، ولا تُختَبَر أهليتها وكفاءتها إلا فيما يتصل بحل المعادلات الحسابية، ولا يُعطَون مجالا كافيا للأدوات العقلية اللازمة لفهم الصورة الكاملة. وربّما خير دليل على ذلك خُرافة المستهلك الرشيد The myth of rational consumer، ومفهوم الرجل الاقتصادي Economic man الذي يسعى لتحقيق أقصى ربح Maximum profit، والصحيح أننا يجب أن نوجد ما يُعرف برجل المنظمة Organization man الذي يسعى لتحقيق الربح المعقول Reasonable profit، وهناك فارق بين المفهومين.

يُعيدنا ما ذُكر إلى رجل الاقتصاد والفيلسوف جون ستيوارت مِل (1806-1873م) John Stuart Mill صاحب المنطق الاستقرائي والفلسفة التجريبية، الذي كان يعتقد ألاّ يمكن لأحد أن يُصبح اقتصادياً جيداً، إذا كان مُجرّد اقتصادي بحت. ومن المعروف أن أغلب المجالات الأكاديمية أصبحت شديدة التخصص منذ زمن مِل، ولم يستهدف أي مجال من مجالات المعرفة محاولة فهم الحالة البشرية في صورتها الكلية، ولكن لم يقطع أي فرع من فروع البحث والاستقصاء البشري نفسه عن كل شيء ــ وعن العلوم الاجتماعية الأخرى ــ بقدر ما فعل الاقتصاد!

لذا، أدرك خبراء الاقتصاد البارعين أن الانكفاء على علم الاقتصاد وحده هو أسلوب محدود بشدة، وهم يستخدمون عِلمهم كنوع من الصحة الذهنية للحماية من أفدح الأخطاء في التفكير. فلقد تميّز الاقتصاديون العظماء بالتعليم الواسع المجال والمنظور العريض، فنجد مثلا جون كينز (1883-1946م) Keynes John الاقتصادي والكاتب البريطاني ذو الشهرة العالمية، تخرّج في الرياضيات، ولكنه انغمس في دراسة العلم وتفهّم كلاسيكياته، وحذّر طلابه من محاولة تحديد كل شيء بدقة. وجوزيف شومبترJoseph Schumpeter (1883-1950م) عالم الاقتصاد والعلوم السياسية الأميركي من أصل نمساوي، الذي اشتهر بترويجه لنظرية الفوضى الخلاّقة في الاقتصاد، حصل على درجة الدكتوراه في القانون. وكان فريدريش هايك (1988-1992م) Friedrich Hayek النمساوي البريطاني اقتصاديا ومنظرا سياسيا، وخبيراً في القانون والعلوم السياسية، كما درس الفلسفة وعلم النفس وتشريح الدماغ.

وعليه، عرف عمالقة الاقتصاد في الأجيال السابقة مجالات معرفية أخرى إلى جانب علم الاقتصاد، الأمر الذي أدّى إلى اتساع مداركهم، ومن ثم زيادة قدراتهم في الوصول إلى العديد من السبل المختلفة لفهم الاقتصاد، والمتغيرات الحاكمة المؤثرة في النشاط الاقتصادي للمجتمع.

وفي المقابل، لم يَدرُس خبراء الاقتصاد المحترفون اليوم أي شيء تقريباً غير الاقتصاد، وبعضهم لا يقرأ حتى كلاسيكيات عِلمهم. ويأتي تاريخ الفكر الاقتصادي-إذا حدث ذلك على الإطلاق-من مجموعة بيانات ليس غير. أما الفلسفة-أم العلوم-التي تعلمهم فهم الحدود التي تُقيّد الأسلوب الاقتصادي، فهي لكثيرين منهم كتاب مُغلق، بينما تحتكر الرياضيات المُرهِقة والمُغرية آفاقهم الذهنية، الأمر الذي ربّما جعل روبرت سكيدلسكى (1939-عمره 77 سنة) Robert Skidelsky عضو مجلس اللوردات البريطاني، وأستاذ الاقتصاد السياسي الفخري في جامعة وارويك University of Warwick ببريطانيا يقول، إن بعض الاقتصاديين هم العلماء البلهاء في عصرنا.

ا. د. عيد الجليل آدم المنصوري

كلمات مفاتيح : مقالات ليبيا المستقبل،
amin | 29/01/2017 على الساعة 21:19
Heart
Maths nourishes the mind and keeps it grounded by following spots of light that are connected, reasonably linked to reach for the heart of a logical outcome. I agree with Mr Bahi, without maths the science and theories of applied economics would turn into another lot of Mr Zidan Zaid's nightly stories, missing the Heart of it's origin to exist and that is to SERVE, whether it is the stock markets generating wealth for individual brokers, a traditional local grocery store who loves his job (more room needed for potential growth) or on a macro scale.
باهي | 29/01/2017 على الساعة 19:28
علم الاقتصاد في مهب الأرباح: بيت متابعة الانتاج والمنتجين الى نصح المضاربين في أسواق المال...؟
علم الاقتصاد لا يعتني بالسوق وتضاراباته فحسب ولكنه في الأساس يرصد العمل ومنتجاته، توزيع الموارد، ودراسة تصرافات السوق. اطلق عليه لقب The dismal science لانه يعتمد على كثير من الافتراضات والتغيرات التي من الصعب تحديد معاييرها مسبقاً. الاقتصاد ينتمي الى فرع العلوم الاجتماعية وبذالك فانه لا يحتاج الى كثير من الرياضيات. دخول الرياضيات الي الاقتصاد أتى عن طريق ظهور مدارس الbusiness وأسواق الأسهم والمستندات . stock marketsهذه الاسواق ومضاراباتها هي التي حولت اتجاه الاقتصاد من الواقع على الارض الى تكهنات وشطحات علوم النفس والتصرفات الانسانية. هذه الشطحات الاخيرة لا تزيد علم واسع يعتمد علي التاريخ والفلسفة وعلوم الاجتماع وغيرها من العلوم التطبيقية الا اضطراباً وعدم التركيز على زيادة الانتاج والمنتجين بدلاً من التركيز على زيادة أسعار الأسهم والمستندات. شكراً. باهي
آخر الأخبار
جميع المقالات والأراء التي تنشر في هذا الموقع تعبر عن رأي أصحابها فقط، ولا تعبر بالضرورة عن رأي إدارة الموقع