مقالات

عطية صالح الأوجلي

قصة المصارف (2/1)

أرشيف الكاتب
2017/01/29 على الساعة 15:02

التجارة هي عافية الأمم و الائتمان شريان حياتها والمال نظامها العصبي. هكذا تقول الحكمة القديمة... كما تقول أيضا أن التجارة نشأت في رحم المقايضات البدائية التي سادت في المجتمعات القديمة. وأن المصارف نبعت من رغبة الإنسان في الحفاظ على ثرواته وإيجاد المكان الملائم بتخزينها واستعمالها عند الاحتياج إليها.

الذهب: الملاذ الأمن

بمجرد أن تكدست الثروات لدى الإنسان صار يبحث عن ملاذ آمن لها فكان الذهب. هذا المعدن النفيس الذي قلص من حجم الثروات وحافظ على قيمتها في آن واحد، ولكن الإنسان ما لبث أن تعلم درسه الأول: أن هذه الثروة المضغوطة ما لم تكن محمية أو مخفيه فأنها عرضة للضياع أو السرقة. وكان هذا الدرس خطوته الأولى في مشواره الطويل نحو المصارف.

الأمان في المعابد: القرن الثامن عشر قبل الميلاد

في الحضارات القديمة كان المعبد يعتبر ملاذا آمنا ؛ لصلابة بنائه، ولتواجد الكهان و المترددين بصفة مستمرة، ولقدسية المعبد وهيبتة التي تردع اللصوص. ففي مصر وبلاد ما بين النهرين أودع الناس الذهب في المعابد لحفاظ عليها. ولكن بقيت مشكلة، فبرغم الأمان الذي وفرته المعابد فإن تكدس الذهب بها قد أدى إلى حرمان الأوساط التجارية أو الحكومات من استعماله وهم الذين كانوا بأمس الحاجة إليه. وهو أمر عثرت البشرية على حل له في بابل في وقت حمورابي، في القرن الثامن عشر قبل الميلاد، حيث تم العثور على سجلات القروض المقدمة من كهنة المعبد. وكانت تلك هي البذرة الأولى للمصارف.

الممولين اليونانيين والرومان: من القرن الرابع قبل الميلاد

كانت الأنشطه المصرفية في اليونان أكثر تنوعا وتعقيدا مما كانت عليه في إي مجتمع سابق. فأصحاب المشاريع الخاصة، وكذلك المعابد والهيئات العامة، أصبحت الآن تجري المعاملات المالية. فقد شاعت معاملات مثل تخزين الودائع، وتقديم القروض، وتغيير النقود من عملة إلى أخرى واختبار المسكوكات من حيث الوزن والنقاء. بل انخرط اليونانيون في كتابة وتسجيل هذه المعاملات. فلقد وجد علماء الآثار سجلات تاريخية للمرابين الذين كانوا ينظمون عمليات الدفع في إحدى المدن اليونانية والاستلام في مدن أخرى. وذلك لتجنب الحاجة إلى نقل كميات كبيرة من العملات المعدنية. أما في روما، التي تجلت فيها عبقرية الإدارة، فقد تم إصدار القوانين وتحديد الإجراءات لتنظيم الممارسات المصرفية التي كانت شائعة آنذاك. فبحلول القرن الثاني كان يتم الإعلان عن ديون يمكن أن  تبرأ ذمة أصحابها بالسداد كما كان يمكن تحويل مبالغ من مكان إلى آخر، وكانت هناك دوائر كتاب عدل لتسجيل هذه المعاملات. لكن انهيار التجارة بعد سقوط الإمبراطوريه الرومانية أدى إلى ضعف الحركة المصرفية الناشئة، مما جعلها غير قادرة فيما بعد للصمود أمام الانتقادات الحادة لها من قبل الكنيسة المسيحية التي كانت تعادي الفائدة وتراها مرادفا للربا ويأتي الهجوم على ما يبدو من الناحية الأخلاقية.

الدين و الصيارفة: القرنين الثاني والثالث عشر بعد الميلاد

أدى الحظر المسيحي على الربا في نهاية المطاف إلى  توفر فرصة للمصرفيين من دين آخر. فالبلدان الأوروبية التي كانت تشهد ازدهارا اقتصاديا كانت بحاجة ماسة للتمويل. مما أتاح فرصة تاريخية أمام الطائفة اليهودية لتبرز بقوة على المسرح الاقتصادي وتلعب دورا هاما وناجحا في نشأة وتطور المؤسسات المالية الحديثة. ويعطيها قوة لا تتناسب مع حجمها العددي في القارة الأوربية. وكانت هناك مجموعة دينية أخرى  تسمى فرسان الهيكل لعبت دورا في تطور المصارف في العصور الوسطى وذلك بحكم تواجدها في أماكن عديدة من القارة الأوربية. ولكن مع بداية القرن الرابع عشر تحولت العمليات المصرفية إلى أيدي المسيحيين وكان ذلك بإيطاليا على أيدي عائلاتها الغنية.

 


 

مصرفيون وملوك: أوروبا في  القرن الرابع عشر

بدأت في أواخر القرن الثالث عائلات من شمال ايطاليا والمعروفة مجتمعة باللومباردي، تحل تدريجيا محل اليهود في دورهم التقليدي كمقرضي الأموال إلى الدول الغنية والقوية.  وقد تولت هذه العائلات استغلال المهارات التجارية للإيطاليين في تطوير الممارسات المصرفية وتمكنت من تجاوز اعتراضات الكنيسة وذلك بتسجيل الفائدة في دفاتر حساباتها كهدية طوعية من المقترض أو كمكافأة لأخذ المخاطر. وقاد هذا التطور إلى الازدهار المالي للعديد من المدن الإيطالية مثل سيينا لوكا، وميلان وجنوا وفلورنسا التي نالت حصة الأسد وحققت السبق في التمويل الدولي بفضل عملتها الشهيرة (الفلورين). وبحلول القرن الرابع عشر نمت ثروات وقدرات هذه الأسر من خلال تقديم الخدمات المالية، وجمع ونقل الأموال المستحقة للسلطات الإقطاعية الكبيرة  والبابوية. وتيسير التجارة عن طريق توفير الكمبيالات التجار التي بواسطتها يمكن استلام الدين في مدينة ما ودفعه في مدينة أخرى. (وهو مبدأ صار مألوفا الآن في شكل الصكوك). وفي أواخر القرن الرابع عشر كان لدى الأسر الإيطالية مكاتب في برشلونة، اشبيلية، مايوركا، باريس، نيس، ومرسيليا، لندن، بروج، القسطنطينية، رودس، قبرص والقدس.

 


 

أقدم المصارف الخاصة في العالم

مونتي دي بيتشي دي سيينا: تم تأسيسه في عام  1472من قبل أسرة دي بيتشي الشهيرة ويعتبر أقدم مصرف فى العالم ولازال يمارس نشاطه حتى الآن.  يقدر عدد زبائنه الحاليين في إيطاليا بأربعة ملايين ونصف عميل.

باركليز بانك: أسسه جون فريم وتوماس جولد في عام 1690. يمتلك حاليا فروع في جميع انحاء العالم وتقدر أصوله بـ (1,949$ بليون).

سي هوري وشركائه: أسسه في عام 1762 السير ريتشارد هوري. بقي مصرفا عائليا يقدم العديد من الخدمات المالية والمصرفية والاستثمار للمؤسسات والأفراد ببريطانيا.

هوب وشركائه: أُسس في العام 1672بهولندا من قبل أبناء تاجر  اسكوتلاندي.

بارينقز بانك: (1762-1995) كان من اقدم البنوك التجارية ببريطانيا حتى إفلاسه في عام 1995 عندما خسر 1.4 بليون دولار في مضاربات مالية.

عائلة روثتشايلد الشهيرة سليلة الصيرفة الدولية: أسسها مايرا مشيلي روثتشايد (1744-1811) وهو يهودي ألماني لتقوم بعمليات التمويل ونقل الأموال بين فرنسا وبريطانيا وألمانيا. ونالت عطف وحماية الحكومتان النمساوية والبريطانية.

يتبع......

عطية صالح الأوجلي

كلمات مفاتيح : مقالات ليبيا المستقبل،
باهي | 29/01/2017 على الساعة 22:55
كذالك البندقية، جنت، ورابطةً مدن الشمال لعبت دورها في تسهيل التجارة والمعاملات المصرفية...!
كما ان الدولة وجدت للقيام بما لا يستطيع الفرد ألواحد او المجموعة الصغيرة القيام به، كذالك وجدت المصارف او البنوك لجمع القليل مما يوفره الأفراد او الزايد عن استلاكهم ليصبح كثيراً واستثماره في مشاريع تاءتي على الجميع بالمصلحة التي لا يستطيعون توفيرها بدون هذه الأدوات . ان اختراع البنوك كان من اكثر العوامل آلتي حركت التاريخ ودفت عجلة الاختراعات والانتاج وبالتالى أسرعت من الوصول الى الثورة الصناعية. ان اولءك الناس الذين لا زالوا يقفون ضد معاملات البنوك وفرضها نسبة بسيطة على القروض لا زالوا يعيشون في العصور الوسطى ولا يفقهون شيءاً عن كيفية إدارة الاقتصاد الحديث. ان الاقتصاد الحديث لا يدار حسب الأخلاقيات بل حسب القوانين والقواعد التي تاءخذ في الحسبان الحسنات والأضرار التي تنتج من عدم الاستثمار في مجلات يرى البعض بأنها لا تتماشى مع أخلاقياتهم او معتنقاتهم. لقد حان الوقت للشيوخ والفقهاء ان ينحصروا في المساجد ويتركوا إدارة المجادلات الآخري لذوي الخبرة والمهارات في تلك المجالات. شكراً. باهي
آخر الأخبار
جميع المقالات والأراء التي تنشر في هذا الموقع تعبر عن رأي أصحابها فقط، ولا تعبر بالضرورة عن رأي إدارة الموقع