مقالات

أسماء الهادي

الواقع المصرفي في ليبيا... بين مواطن يستنكر، ومسؤول لا مبالي

أرشيف الكاتب
2016/07/02 على الساعة 13:27

الكثير من السلبيات التي يعاني منها القطاع المصرفي في ليبيا، هي نتيجة لتدهور الوضع المالي والسياسي وأيضا الأمني. وقد صرّح ‘‘مصرف ليبيا المركزي’’ في بيان ثم نشره على موقعه الالكتروني: ‘‘بأن مشكلة السيولة في البلاد ظهرت مع بداية الانقسام السياسي سنة 2014 حيث كان حجم التداول 18،7 مليار دينار ووصل سنة 2016 إلى 25 مليار دينار. وهي مشكلة - كما يراها البنك- لا تعالج بطباعة النقذ، وإنما بمعالجة الأسباب الجوهرية للمشكلة المتمثلة في: الإنقسام السياسي، ووقف إنتاج وتصدير النفط، والإنفلات الأمني’’.

وليس خافيا أن البلاد خلال السنوات الأخيرة، تعاني من خلل أمني وفوضى وعمليات نهب وسلب للمال العام، نتيجة للأسباب التي ذكرها المركزي، أتت على أداء القطاع المصرفي، وبالتالي عدم استقراره، الأمر الذي دفع الشعب إلى العوز والحاجة. ولأن العاصمة بما تمثله من مركز للقرار السياسي، فإن اجتماع الأسباب الثلاث فيها، إضافة إلى ارتهان مواقع أخرى حيوية -خارج طرابلس-  أدى إلى الأزمة المالية الكبيرة، والتي يؤدي استمرار التعامل معها بلامبالة، إلى عواقب أكثر سوءاً على أمن المواطن الغذائي والصحي. وما لم تتخذ إجراءت عاجلة ورشيدة لإنهاء تلك الأسباب فإن كارثة غير متوقعة سوف تحصل.

فالوضع المعيشي للبلاد يتدهور من سيء لأسوأ، حيث يعاني المواطن الليبي الذي يتراوح الحد الادني لدخله الشهري بــ 450 دينار ليبي (الدولار الواحد الآن يقترب من الخمس دينارات بعد أن كان مستقرا قبل خمس سنوات عند الدينار وثلاثون درهما)، من غلاء في الأسعار على كافة ضروريات الحياة، بل وفي ندرة توفرها أحيانا، بدأً من رغيف الخبز، إلى الأدوية، وحتى حليب الأطفال.

فسعر أدوية الأمراض النفسيّة والصرع والأمراض العقلية، وأدوية السكر، والسرطان، وصلت لأسعار مبالغ فيها، فيما يتراوح سعر علبة حليب الأطفال الواحدة من 7 إلى 16 دينار، وتتراوح الخاصة بالحساسية 40 دينار. هذه الزيادة -مع نقص السيولة- أرهقت كاهل المواطن، فيما اعتاد في السابق دعم الدولة. ولم ينتهي الأمر عند هذا الحد، بل وأثقلت التكاليف الباهضة لفواتير الكهرباء، كاهل المواطن المطالب بدفع مبالغٍ مالية لا تتفق مع الوحدات التي يستهلكها، بينما لا ينعم برؤية التيار الكهربائي في بيته سوى خمس ساعت أو ست على أكثر تقدير.

تداعيات العسكرة

ونأتِ إلى السبب الجوهري الذي دفع بحال البلاد إلى ما هو عليه الآن، إذ في السنوات الخمس الأخيرة، استنزفت خزينة البلاد، على من ساهم في العمل الميداني الحربي. وقد خصصت حكومة عبدالرحيم الكيب التابعة للمجلس الانتقالي والحكومات التي تلتها، ميزانية كبيرة كمكافئات لكل من قاتل قوات العقيد معمر القذافي، وسيّلت لهم مبالغ طائلة من مخصّصات الاستثمار للأعوام القادمة، وهو ما تسبب في إحداث مناخ أضر بالحياة المدنية. ولقد بلغت ميزانية ليبيا عام 2013 ما يزيد عن 70 مليار دينار، ولم يحدث شئ من تطور إلى يومنا هذا هذا، بل نلاحظ التراجع المعيشي والخدمي والصحي وغيرها من المجالات، بسبب عسكرة الحياة.

عسكرة الحياة ألغت كل معالم المدنية في البلاد، وأثرت على أداء أجهزة ‘‘الدولة’’، إذ نجد المواطن يقاتل لأجل الوصول إلى شباك المصرف، حيث الصرّاف يُنظر له كملاك من الجنة، دون جناحين، بل بيدين تسلم النقود، وبلسان يقول: (أيه في سيولة اليوم.. هات الشيك)..!.. هذه الجملة هي كل ما يأمل المواطن الليبي سماعها، فهو يعول عائلة، وأكثر بالنسبة للبعض, أفرادها ينتظرون قدومه بحب ولهفة, حاملا ما يسدّون به رمقهم. ولدى رب العائلة أطفال لا يفهمون معنى أزمة، ولا معنى عدم وجود سيولة، فقط يريدون قطعة شوكولا، أو ملابس جديدة للعيد وللمدرسة. ولنفرض أن الكبار اقتنعوا بهذا، فلن نجبر المريض أن ينتظر حتى تتوفر السيولة كي يتطبب..! وقد كانت الدولة تعمل على توفير تلك الأدوية.

سوء حال المواطن

فبينما ينام البعض على أرائك فاخرة، ووسائد حريريّة، لا يزال الشغل الشاغل للمواطن الليبي أن يجهز ما قل وزنه من وسادة وحصيرة سعفية يفترشها بعد الفجر أمام أبواب المصارف كي يحجز دوره في طابور الصباح المصرفي الذي لا ينتهي. وقد بلغ الحال بالمواطن لحد لا يطاق، فعندما يدخل لأحد المصارف يجد أعدادا مهولة من الموظفين، يتجولون جيئة وذهابا خلف الزجاج، وعندما يطأطئ رأسه منحنيا ليحاذي الشباك المستحقر لبني البشر، فيما يشبه الاستجداء للموظف، لا يجد من يرد عليه، وإن وجد يستغرب سوء المعاملة!.

وعلى أعتاب أحد المصارف، لفت انتباهي أحد المطالبين بحقوقهم، وتكاد دموعه تنهمر من عينيه، أو قد تكون انهمرت فعلا قبل وصولي، لشعوره بالمذلة وهو يطالب بحقه ولم يطلب غير ذلك. كان يخاطب زملائه وينشد وصول كلماته إلى مسامع الموظفين: ‘‘نكاد نشحت مرتباتنا!, هل يريدوننا أن نقبّل أياديهم كي نتحصل على قوت أطفال لا يستطيعون الصبر!’’. فيما عميل مصرف آخر وجد طريقة أخرى تجنبه الذهاب للمصرف وإذلال نفسه، يحدث رفيقا له: ‘‘تعبت من الوقوف في الطابور والتعرض للوقوع أحيانا نتيجة لتدافع الناس عند فتح باب المصرف، ولهذا تعرّفت على شخص يعمل بالمصرف، أسديت له خدمة، والنتيجة أن هذا الموظف بدأ فعلا بالسحب لي دون عناء ولا تعب’’. وغيرها من الأمثلة المؤلمة، التي تكشف عجز السلطات عن تدبير أمور الناس، وتوفير الحد الأدني من الخدمات، وتسيير المصلحة العامة.

بطاقات الصرف والتوظيف

لقد خُصص ما يقارب من 191,204 بطاقة صرف، ووزعت 225 آلة صرافة في مختلف المناطق، أغلبها لا يعمل طبعا لحدوث خلل في المنظومة. ووصل عدد فروع ووكلات المصارف إلى 485 فرعا. ومع هذا لم يجد المواطن أي تطور أو تقدم في المعاملة أو الخدمة معا.

ومع انتشار هذه الآلات، وتعدد الفروع، إلا أن السيولة غير موجودة، والفائدة معدومة رغم كل هذا. ربما نرجّح هذا لكثرة عدد الموظفين الزائدين عن الحاجة، بناءا على توصيّات بتوظيفهم من طرف أشخاص نافذين أو يتمتعون بحضوة, وتجاوزات المصارف في كثيرة، حيث هناك توظيف بتوظيف، أي وظف شخصا من طرفنا في هذا المصرف، نوظف من طرفك شخصا في مؤسسة أخرى.

لا ملامة على المواطن

لا يمكن أن نطلب من هذا المواطن، أن يتفهم موقف دولة غير موجودة، ويصبر على الأزمة المستعصيّة. وفي المقابل لا تغيب عنه مرتبات الوزراء، وكبار شخصيات الدولة، والتي تصل إلى أربعة عشر ألف دينار ليبي (14.000 د.ل)، بالإضافة لتخصيص سيارات فارهة، وطيارات خاصة، وإقامة في أماكن فاخرة، ومزايا أخرى مكلفة تستنزف الخزينة العامة. هذا كله يترتب عليه نقص في الأموال المخصصة لليبيين، كالمعاشات أو المستحقات المالية الأخرى، مثل: ‘الحوافظ الاستثمارية، وحتى معاشات الضمان الإجتماعي، إلى جانب المشاريع الاستثمارية لقطاع السياحة وقطاع الصحة وغيرهم.

لن نلوم كادحاً ينتظر بداية كل شهر، ليستلم مرتبه الزهيد -مهما كان مرتفعا- في دولة نفطية كليبيا. وهو يستجدى الحكومة -أو بعبارة صحيحة، الثلاث حكومات- حقه بعد عملٍ مضنٍ، طيلة ثلاثين يوما من المعاناة والنضال في جميع المجلات... لن نطالبه بالتكيف مع الوضع المتأزم، والصبر إلى أن تنفرج أزمة لن تنفرج مالم يتحلى الساسة بالنزاهة، ويتم تغليب مصلحة الوطن، ووضع المصالح العامة ضمن أولويات العمل السياسي. فهل المسؤول أيضا تطاله الأزمة ونقص السيولة، أم هو بمنأىً عنها، ويُلبس هذه العمامة للمواطن البسيط!... فأي عدل هذا.

العصابات والتآمر مع ضعاف النفوس

في أواخر سنة 2011، وما يليها من سنوات خمس، قبل حدوث هذه الأزمة الكبيرة, بدأت العصابات المتخصصة في سرقة المال العام بالتآمر مع ضعاف النفوس من موظفي بعض المصارف، وذلك بإعطائهم معلومات عمن يقومون بسحب مبالغ كبيرة، حيث يتفقون معهم ويماطلون العميل المصرفي إلى أن تتواجد أفراد العصابة خارج المصرف وداخله، فيقومون بتتبع هذا العميل، ولحظة خروجه من باب المصرف يقومون بإيقافه فورا، أو تعقبه في أحد الطرق بعد تتبعه بالسيارة، ويقومون بالاستيلاء على ما معه تحت تهديد السلاح أو ما يسمى بالحرابة. ولم تقتصر العملية على المصارف، بل طالت محرري العقود أيضاً. ففي سنة 2015م، قامت عصابة مكونة من شخصين بالهجوم على مكتب محرر يوثق عملية بيع وشراء بين شخصين، وسرقة المبلغ كاملا، وكذلك السيارة المباعة. هل هذه الظوهر باتت ضمن النسيج الاجتماعي والعمراني لليبيا!، أم أن الحاجة والفاقة هي السبب الرئيسي وراء ذلك، ولم يجد هؤلاء ما يشترون به رغيف الخبز فيأبون الدخول على أطفالهم صفر اليدين، فيلجئون للسرقات والحرابة.

إقرار بالفساد.. وغياب الرقابة

أصبح الفساد يتنامى بشكل كبير دون رادع، وهو واقع لا يمكن إنكاره، ومؤخرا أصدرت ‘‘مؤسسة الشفافية العالمية’’ تقريرا أوضحت فيه أن ليبيا إحتلت المركز 161 من الدول الأكثر فسادا بين 168 دولة. وعلى الصعيد المحلى أصدر ‘‘رئيس ديوان المحاسبة المحلي’’ تقريرا صوتيا مفاده: "أن ليبيا تجاوزت مرحلة الفساد لتصل لمرحلة الاستخفاف بالتصرف في المال العام".

نعيد ونكرر أن هذا كله ما ذكر وما لم يذكر يرجع لغياب الرقابات والسلطات التنفيذية وكذلك غياب الدولة في الأساس، والخلل الأمني الكبير والفراغ الذي تركه وفر للعصابات والمجرمين المناخ المناسب لتوسع أنشطتهم وأعدادهم. إذا.. لابد للأزمة المالية أن تُحل فورا وإجباريا من قبل السلطات. فلو ظلت وتفاقمت سنصل لطريق مسدود سيؤثر على كل الخيارات القادمة، وقد يدفع الأمر بالبلاد إلى الارتهان للقوى الخارجية، التي يمثلها صندوق النقد الدولي

ومع كل هذه السوداوية لا نزال نرى بصيص أمل ربما من بعض الأشخاص الذين يحاولون جاهدا محاولات بسيطة ومتذبذبة للعمل للنهوض بليبيا داخليا.

زاي | 03/07/2016 على الساعة 23:45
الحل ثورة الجياع
من أسباب أزمة السيولة : فساد المصارف الليبية (بما فيها المصرف المركزي) ، الفساد المستشري في كل أجهزة الدولة و على المستويات كافة (اطمئنانا للإفلات من المساءلة و العقاب) ، سحب بارونات التجارة الخارجية أرصدتهم الضخمة (رغم أن بقاءها بالمصارف أضمن) ، أُعطيات الميليشيات .. فادحة المبالغ (205 آلاف ميليشياوي) ، فساد (الثوار) . و أصحح : إنها ليست (عسكرة) .. بل (مليَشة) و الفرق شاسع . اما الحل العملي السريع ، فهو استبدال العملة الحالية بعملة جديدة ، و اعطاء مهلة اسبوع واحد للاستبدال . لكنهم لن يفعلوا
مشارك | 03/07/2016 على الساعة 17:52
تعليق
نرجو من الكاتبة المحترمة الاتصال والتواصل مع عبقري علوم الصيرفة والاقتصاد وادارة الدول السيد الاستاذ الدكتور والمواطن الليبي "هوبلس كيس".
البوسي | 03/07/2016 على الساعة 01:33
نريد الحل
تشخيص الكاتبة الفاضلة لمعاناة المواطن الليبي البسيط رائعة بالرغم من بعض المبالغة فيما يتعلق بفواتير الكهرباء فالمواطن لم يدفع هذه الفواتير مند ثورة التكبير ...فات الكاتبة الفاضلة أن تقدم لنا العلاج الناجع لهذه المشكلة المستعصية مشكلة السيولة
آخر الأخبار
إستفتاء
هل انت متفائل بان ليبيا ستخرج من ازمتها قريبا؟
نعم
لا
نعم ولكن ليس قريبا
+
إعادة
لمتابعة ليبيا المستقبل
جميع المقالات والأراء التي تنشر في هذا الموقع تعبر عن رأي أصحابها فقط، ولا تعبر بالضرورة عن رأي إدارة الموقع