مقالات

أكرم الجبالي

بلاكووتر..جيش الماء الأسود

أرشيف الكاتب
2017/01/19 على الساعة 10:25

أصبح من الواضح، ومما لايدعوا مجالاً للشك، أن هناك دول عربية وأخرى غربية تقف في المنطقة الرمادية لساحة الصراع الليبي؛ فهي من جانب تدعي أنها تدعم حكومة الوفاق برئاسة السراج في الغرب، ومن جانب آخر -وفي نفس الوقت- تمد يد العون لقوات حفتر في الشرق في محاولة لترجيح كفة الأخير ولإطالة أمد الصراع والأزمة الليبية.

من تلك الدول الولايات المتحدة الأمريكية والتي -كعادتها- لاترغب في الظهور للعلن كداعم لأي حل عسكري، بل تُريدُ الظهور في المشهد كحمامة سلام وكراعي للحوار بين الفرقاء، والجلوس على الطاولة المستديرة. وتلك الرغبة في عدم الظهور يرجع سببها دائماً إلى محاولة الولايات المتحدة لتجنب نقد المجتمع الدولي أوضغط الرأي العام المحلي الأمريكي، وكوسيلة أيضاً لتقليل الوفيات في جنودها، ولتقليل نفقات الميزانية العسكرية؛ لهذا قام البنتاغون ووزارة الدفاع بخصخصة العمليات العسكرية أو ما يسمى "بالمقاولة العسكرية" والتي ماهي إلا عبارة عن تعاقد الحكومة الفيدرالية -متمثلة في البنتاغون ووزارة الدفاع والأستخبارات المركزية- مع شركات عسكرية خاصة "أمريكية" توظف مرتزقة من مختلف دول العالم. وعلى الرغم من أن الولايات المتحدة إستخدمت تلك الشركات الخاصة للتدخل في دول ومناطق ساخنة كثيرة حول العالم لإثارة الأضطرابات والنزاعات، وحماية المرافق العسكرية -كان أولها حماية شركات البترول إبان حرب الخليج الأولى، إلا أن الخصخصة العسكرية لآقت نجاحاً باهراً وإزدهرت أيما إزدهار في فترة الإحتلال الأمريكي للعراق عام 2003 حيث اُستخدمت الشركات الخاصة هناك بشكل مكثف إلى الدرجة التي قدر فيها بعض الخبراء أعدادها في العراق بثلث الجيش الأمريكي، حيث وصل عدد المرتزقة العاملين في العراق إلى مايزيد عن 180 ألف مُرتزق، أي أكثر من عدد الجنود الأمريكيين العاملون هناك والذي كان عددهم في فترة ما يصل إلى 160 ألف، وهو العدد الذي يزيد عن ثلثي الأمن الدبوماسي الأمريكي في كل بلدان العالم مجتمعة، كل ذلك تحت بند حماية اكبر سفارة لها في بغداد، والمحافظة على  حياة  مسئولي الأحتلال هناك.

من أكبر تلك الشركات شركة (بلاكووتر) والتي أسسها المليونير الأمريكي واليميني المتطرف، والمنحدر من اسرة هولندية مهاجرة.. (إيرك برانس) بعد ان ورث ثروة من أبية تقدر بخمسة مئة مليون دولار (500 مليون). أسس "إيرك برانس" إمبراطورية بلاكووتر في أواخر التسعينات من القرن الماضي والتي استوحى اسمها من المياة الآسنة السوداء لمستنقع قاذورات يمتد من شرق فرجينيا إلى إلى شمال كارولينا الشمالية. وعلى الرغم من أن بلاكووتر إفتتحت أعمالها بالتحديد عام 1998 وأصبحت جزء لايتجزء من المنظومة ومن العمليات العسكرية الأمريكية في عهد الرئيس (كلينتون)، إلا نجاحها الحقيقي بدأ فعلياً مع ولاية "جورج بوش" والذي بسبب سياستة العدوانية مدها بمزيد من النجاح من خلال منحها عقود كبيرة؛ فبعد أن كان مجموع عقودها مع الحكومة المركزية لاتزيد عن 204 ألف دولار، وصل إجمالي تلك العقود في عهد "بوش الأبن" إلى خمسة عشر مليار دولار تحت بند مكافحة الارهابيين الذين لهم علاقة بتجارة المخدرات. وتتوزع مراكز بلاكووتر في دول كثيرة حول العالم إلا ان مقرها الرئيسي منذ بداية تأسيسها كان في مدينة "موبوك" بولاية كارولينا الشمالية، على مساحة تقدر بسبعة آلاف فدان مربع مما يجعلها أكبر منشأة عسكرية خاصة حول العالم.

ولشركة (بلاكووتر) بنية هيكلية ضخمة خاصة بها مشابهه لهيكلية جهاز الامن المركزي الأمريكي، كما تتكون من عدة شركات يتراوح نشاطها بين أعمال الدفاع المدني، والتخطيط والتعامل مع الكوارث، والأمن الداخلي، والقضاء، والتدخل السريع، والعلاقات الخارجية، وفرض القانون. ومن تلك الشركات والنشاطات التي تقوم بها (بلاكووتر): 

- شركة غرايستون ليميتد؛ والمسجلة في باربادوس -للتهرب من دفع الضرائب- وهي شركة متخصصة في عرض وتأجير عناصر كوماندوز متدربة تدريب عالي وعناصر من أفضل جيوش العالم للحكومات والمنظمات الخاصة.

- شركة برنسز توتال انتلجينتس سولوشونز؛ وتزود العملاء بخدمات إستخباراتية مشابة لتلك الي تقوم بها "السي.آي.أي".

- شركة بلاكووتر وست بولاية كاليقورنيا، وبلاكووتر نورث بولاية إلينوي.

- تمتلك بلاكووتر منشأة تدريب في أدغال الفيليبين.

- تقوم بلاكووتر بتصنيع آلية مصفحة تسمى غريزلي وتقوم ببيعها.

- تمتلك أسطولاً جوياً مكون من نحو اربعين طائرة هيليكوبتر هجومية منها ما يستخدم للهبوط الغير إعنيادي ومنها ميستخدم في عمليات قمع التمرد، إضافة إلى فرقة مناطيد للرصد.

- تمتلك بلاكووتر طائرة بدون طيار خاصة بها تسمى "بولار400" والتي تستخدمها وزارة الداخلية الأمريكية في مراقبة الحدود مع المكسيك.

- لدى بلاكووتر قسم بحري يتضمن سفينة بطول 56 ميتر.

وعلى الرغم من عدم معرفة أعداد منتسبي بلاكووتر، إلا ان التقديرات تشير إلى أنها منسبيها الرسميين يصل عددهم إلى حوالي 2300 جندي فعلى، إضافة إلى 21000 جندي سابق من القوات الخاصة والجنود والعملاء القابلين للإستدعاء الفوري وفي اي لحظة، كما أن لبلاكووتر القدرة على استقطاب عدد غير محدود من المرتزقة من خلال مكاتبها حول العالم. ومن أهم الدول التي تقوم بلاكووتر بتجنيد عناصرها منها: الفليبين، تشيلي، كولومبيا، الإكوادور، السلفادور، هيندوراس، بنما، البيرو، ونيبال. وتتراوح مكافئة أي منسب مابين 600 ألى 1200 دولار في "اليوم الواحد" حسب المهمة التي يقوم بها والدولة التي يُرسل إليها، كما يحصل المنتسب على حصانة من الملاحقة في حال إرتكابه أي جريمة أو إنتهاك للقوانين. ويفضل أن يكون الراغب بالإنتساب إلى بلاكووتر قد تدرب وعمل لدى أحد الانظمة القمعية والديكتاتورية مثل نظام "بينوشية". ويفتخر بهذا الامر رئيس الشركة "غاري جاكسون" قائلاً: "نجوب اصقاع الأرض للعثور على محترفين...والكوماندوز التشيليون محترفون جداً ويتلائمون مع بلاكووتر". ويمكن إعتبار بلاكووتر جيش خاص يقودة شخص يميني متطرف ومقرب من الحزب الجمهوري.

إرتبط اسم بلاكووتر بالعمليات القذرة وقتل المدنيين بدون حساب ولاعِقاب، ومن أشهر قضايا بلاكووتر؛ مجزرة "ساحة النسور" في بغداد عام 2007 وألتي راح ضحيتها أكثر من 17 عراقي دفعة واحدة، ودمرت فيها 16 مركبة مدنية نتيجة لفتح عناصر بلاكووتر نار اسلحتهم الثقيلة على المدنيين المتواجدين في ذلك الميدان المكتض في ساعة الذروة لمدة 15 دقيقة متواصلة أثناء مرور موكبهم المتكون من أربع مركبات مدرعة لمجرد الإشتباة في سيارة كانت تقترب من ذلك الرتل المدجج!... مما جعل الجثث والأشلاء تتناثر في تلك الساحة. كما قام احد عناصر تلك الشركة وهو ثمل من أثر شرب الكحول بقتل الحارس الشخصي لنائب الرئيس العراقي "عادل عبد الهادي" ولم يتم القبض على الجاني أو حتى معاقبته بأدنى عقوبة، بل وصلت درجة إستهزاء إدارة الشركة بأرواح العراقيين أن عرضت تعويض قدره خمسة آلاف دولار لأهل الضحية !!. كما إرتبط إسم بلاكووتر بعمليات القتل ألامحدود في المثلث السني في الفالوجة، كل هذه الأمور وغيرها منح بلاكووتر السمعة العالمية السيئة.

ومن يتتبع طريقة القصف الذي يقوم به الطيران لمدينة بنغازي وبالتحديد منطقة القوارشة، من طريقة قتل أطفال والمدنيين، ومدى شراسة القصف وإنتهاكه لأدنى حقوق الأنسان وقواعد الحرب وحماية المدنيين، يعلم أن هناك مرتزقة يقومون بهذه العمليات القذرة. وقد ذكرت ذلك عدة مصادر منها المجلة المتخصصة في العمليات الأستخباراتية "Intelligence Online" في عددها الصادر في 11 يناير لهذه السنة والتي تؤكد فيه أن شركة بلاكووتر زودت الجنيرال المتقاعد "خليفة حفتر" بطيارين مرتزقة – أغلبهم أمريكيين- يقودون طائرات تابعة لدولة الإمارات المتحدة من نوع "IOMAX AT-802" والتي شوهدت غير مرة في سماء "قنفودة"، كما يذكر الموقع أن "برنس" قام بتدريب قوات صومالية قوامها 2000 جندي في عام 2011، إضافة إلى أن "برنس" قام بالتعاقد مع دولة الإمارات على تدريب قوة محلية قوامها 800 جندي لمكافحة الأرهاب بعقد قيمته 529 مليون دولار من خلال شركتة الجديدة "Reflex Responses" التي أسسها هناك بعد ان باع حصته بشركة بلاكووتر، كما يقول التقرير أن اخت برانس وصاحبة المليارات "Betsy DeVos" هي المرشحة لشغل وزارة التعليم في حكومة ترمب، كما ذكرت مجلة "Newsweek" أن دونالد ترمب قام  بترشيح المدير السابق لبلاكووتر "Joseph Schmitz" لمنصب مستشار الرئيس للشؤن الخارجية. وقد يكون إستخدام عناصر بلاكووتر في ليبيا لايزال محدود إلى حدٍ ما، إلا أنه إذا ما اسُمرأ الأمر واستفحل فسيكون وبالاً على الجميع.

أكرم الجبالي
elgebali@gmail.com

منعم | 23/01/2017 على الساعة 05:38
لاإنصاف ولامصداقيه
إلي السيد الكاتب....الصور التي شاهدنها من سرت كانت لأطفال في عمر الزهور وجوههم ملطخه بالدماء والتراب. أهؤلاء الأطفال هم داعش ؟ ومن قصف هؤلاء ؟ الأمريكان بشهادتهم وإعلامهم.
كاتب المقال | 22/01/2017 على الساعة 10:24
ردا على تعليق "أين الإنصاف"
إلى كاتب تعليق أين الإنصاف... ألا تلاحظ معي أن هناك فرق بين من يقصف الأبرياء والمدنيين، وبين من يقصف الدواعش ومن يرهب المدنيين. هذا هو الأنصاف الحق.
عبد العزيز | 19/01/2017 على الساعة 21:04
اين الانصاف
مقال جميل لو ان الكاتب ذكر ان قوات فجر ليبيا استخدمت ايضا طيارين اجانب في قصف داعش! هل حلال عليكم وحرام على الاخرين؟
قارئ مثقف | 19/01/2017 على الساعة 17:49
معلومة
شكرا على كل هذه المعلومات، لم اكن اعلم بان بلاك ووتر بهذا الحجم
آخر الأخبار
جميع المقالات والأراء التي تنشر في هذا الموقع تعبر عن رأي أصحابها فقط، ولا تعبر بالضرورة عن رأي إدارة الموقع