مقالات

عطية صالح الأوجلي

عيون الكبرياء

أرشيف الكاتب
2017/01/17 على الساعة 11:58

مهداة إلى روح  السيدة كوريتا سكوت كنج العظيمة.

بابا "جو"...

شدني من يدي ونحن نعبر شارع التلغراف بجوار جامعة بركلي الشهيرة . وقال ."تعال معي... سأعرفك هذه المرة على بابا جو... أنه ليس بعيدا عن هنا... لن تندم لمعرفته"... أمام  دكانة صغيرة لبيع المواد الغذائية كان ثمة رجل أسود يرتدي نظارة سوداء كبيرة الحجم من النوع الشائع آنذاك. ابتسامة واسعة دافئة ارتسمت على وجهه وهو يرحب بنا. تحدثنا قليلا ثم دخلنا لنبتاع  بعض الأغراض. لم يكن ثمة ما يميز هذه الدكانة عن غيرها من المحلات الصغيرة سوى وجود بابا جو الضرير الباسم الحلو الحديث والشغوف بالعرب... و... وجود صورة كبيرة تزين احد الحوائط  وتجمع بين بابا جو ورهط من القادة السود لحركة الحقوق المدنية .أتذكر الآن منهم... أندرو يونج... جيسي جاكسون .رالف ابيرناثي... وآخرون... صفين من الرجال... تتوسطهم امرأة سمراء وقور .ذات ابتسامة فاتنة وشعر أسود طبيعي التجعيد... لها عينان تشعان أنفة وكبرياء... "من هذه المرأة"... سألت رفيقي... فرد قائلاً... "إنها زوجة  مارتن لوثر كنج... أنها كوريتا سكوت كنج".

أنتِ زوجتي...!

نظرت إليه عبر الطاولة هما يتناولان العشاء معا، المطر ينهمر بشدة في الخارج وهي يسودها الارتباك والخجل، قالت لنفسها "هذا القس لن يكون الرجل المناسب لي فهو يبدو قصير القامة وعديم الإثارة"... أما هو فبادلها النظر بتمعن وهدوء وتحدث يصوت جذاب عن حياته وأحلامه وطموحاته... قالت فيما بعد لأحدى صديقاتها "يا ألهي كلما تحدث هذا الرجل... كلما ازدادت أفتنانا به... يبدو لي الآن... صادقا جداً و بليغا جداً... يا له من عقل...!".

بعد العشاء انطلقا نحو المعهد الذي كانت تدرس به... كسر السكون وهو يقول... "أتعرفين... أتعرفين أنك تملكين كل ما كنت أرغب في العثور عليه في امرأة؟"... اتسعت عيناها من الدهشة فردت قائلة... "يا إلهي أنت بالكاد تعرفني"... فقال "الأشياء الأربعة التي طالما حلمت بأن تمتلكها زوجتي... هي جميعا لديك... الخلق والذكاء والشخصية والجمال...  أتعرفين!"

- ماذا...
- ستكونين يوما ما زوجتي...!

شهر عسل لدى حانوتي...!

في قيض شهر يونيو من العام 1953 كان بيت آل سكوت غاص بالضيوف الذين ارتدوا أزهى ملابسهم... وعبقوا البيت بالروائح الجذابة. السرور كان طاغيا... فاليوم ستزف العزيزة كوريتا لزوجها مارتن... لم يكن أحد من هؤلاء القادمين لحضور عقد القرآن ولا العروسة  ولا أب  العروس الذي كان يسير بها بخطوات وئيدة على أنغام الموسيقى ليسلمها إلى زوجها حسب مراسم  الزواج يحلم أن هذا الشاب الممتلئ ذو العينين البراقتين سيحفر أسمه في التاريخ وسيقود أمته إلى الخلاص من رق العنصرية.

ولكن كانت لذلك القس الشاب  الذي يدرس الدكتوراه بجامعة بوسطن أحلاما تسع الكون كله وتسع بالطبع زوجته الشابة السمراء التي ولدت في بيري كاونتي فى ولاية الآباما حيث كانت سياسة الفصل العنصري بين السود والبيض تمارس بتعصب وتطرف شديدين.

بعد مراسيم الفرح أنطلق العروسان ليقضيا شهر العسل في بيت صديق لهم كانت مهنته حانوتي... آنذاك... كان الحصول على غرفة في فندق من الأمور الغير مسموح بها للسود... علق كينج مازحا: "ها نحن نبدأ حياتنا الزوجية من حيث اعتاد الآخرون على إنهائها... هذا يا عزيزتي... يدل على أن حياتنا معاً... ستكون حياة غير عادية"... وغير عادية كانت.

صوت الناس...

منذ صغرها وهى تعلم بجمال صوتها. غنت في الكنائس والمدارس وحفلات العائلة. كان حلمها أن تكون مغنية ذات مؤهلات وخلفية علمية عالية . .كانت تعلم أن تحقيق أحلامها لن  يكون سهلا. عملت في صغرها كعاملة في جني القطن وكخادمة في البيوت لتنفق على تعلمها للموسيقى والغناء في مدرسة المبشرين الثانوية الخاصة.  تخرجت بتفوق مما أهلها للحصول على منحة دراسية بمعهد نيو انغلاند للموسيقي. غطت باقي مصاريفها بالعمل في تنظيف المنازل وكموظفة صغيرة في شركة بيع سلع بالبريد. تلقت تشجيع من مدرسيها وزملائها مما عمق في داخلها اليقين بمستقبل زاهر في عالم الغناء والموسيقى. ولكن حياتها مع ذاك القس المناضل أسمعتها موسيقى من نوع أخر... فمنذ اقترانها به حتى موته المأسوي في العام 1968 تحولت الهتافات والمظاهرات وأصوات الاحتجاج والاعتصامات إلى أنغام يومية تطرب لها وترددها وتحياها. فمن مدينة مونتغمري بألاباما  حتى شارع فيلادلفيا بواشنطون دي سي ومن لوس أنجلوس إلى شيكاغو عاشت التفاصيل الدقيقة لنضال السود في أمريكا من اجل الحرية والخلاص من عنصرية مقيتة وغنت بصوتها الحسن التدريب أناشيد وترانيم الخلاص، نظمت  العديد من "حفلات الحرية الموسيقية" وغنت فيها، كما ألقت المحاضرات وقرأت الشعر لجمع المال لنشاطات حركة الحقوق المدنية... عزفت بصوتها أعذب أنواع الموسيقى... أحلام وأمال وانكسارات الناس.

من أين له هذه السكينة...؟

كان التوتر يبدو واضحا في وجوه المتظاهرين القلة... الذين كانوا يجوبون أحد أحياء البيض... ولكن الإعياء لم يحول بينهم وبين الغناء مطالبين بإنهاء الفصل العنصري وبالحقوق الكاملة للسود... كانت أفواج من البيض تطوقهم... الشتائم واللعنات تنهمر عليهم... تفترسهم عيون حاقدة وتتوعدهم الأيدي والوجوه... كان مارتن في المقدمة كعادته تؤازره كوريتا وقد ارتدت أحلى ثيابها وعقدت شعرها في مؤخرة رأسها... ثمة توجس وريبة فالحملات ضد زوجها... قد ازدادت حدة مؤخرا بعد خروج إدجار هوفر رئيس الـ F.B.I باتهامات جديدة وعلنية له... تأملت زوجها  بطرف عينها... وتساءلت... يا إلهي... من أين له هذه السكينة... من أين له؟
 


 

قبلت زوجك...

في صباح ربيعي تجمع حوالي 3,200 شخصاً يتقدون حماسا للمشاركة في فصل جديد من هذه الدراما التي ينسجها كينج... وقف أمامهم... جال ببصره فيهم... وقال "أنكم هنا... تصنعون التاريخ اليوم... تزرعون بشجاعتكم بذور المستقبل المضيء الذي سيراه أطفالكم... رغما عن الحقد... والكراهية... فجأة... أنطلق شخص ما من الحاضرين نحو كينج... ساد الارتباك... والهرج... انفصلت الأيدي... وتعثرت كوريتا وكادت أن تقع... لملت نفسها بسرعة واستدارت في وجل  نحو زوجها لترى أمرآة في منتصف العمر... تصيح وتقول لها... لقد قبلت زوجك... يا سيدتي... لقد قبلت مارتن لوثر كنج...!!."... نظرت كوريتا إلى زوجها المرتبك باعتزاز... اقتربا... اشتبكت الأيدي... وتعالت الأناشيد.

سنعود...

لحظات قليلة التي كانت تجمعهم... هما والأبناء الأربعة ولكن أشقها على النفس كان تلملمهم في أحد الفنادق تحت حراسة مشددة من الشرطة بعد أن قذف الحاقدون منزلهم بالقنابل وأحرقوه... منهكة... متألمة... حزينة كانت آنذاك... جلست على أحد الكراسي وهو تحتضن طفلها الصغير... تتساءل... هل من نهاية لهذا الأمر؟... هل سينتهي هذا العذاب؟... هل من جدوى...! عندما صاحت طفلتها يولاندا بأبيها الذي كانت لتوه قد أنهى مجموعة من المكالمات الهاتفية... "هل سنعود إلى بيتنا يا أبي... هل سنعود...؟" ضحك أبوها... أقترب منها... ومسد بحنو شعرها الأجعد... وهو يقول... "يولاندا... لن نعود نحن فقط... بل سيعود كل أبناء جلدتنا... سنعود... لتنعمين أنتِ وإخوتكِ باللعب مع أطفال البيض والسود... سنعود"...قامت كوريتا من مقعدها وهي تحتضن طفلها وتضمه بكلتا يديها... انطلقت نحو النافذة المطلة على الشارع .أزاحت الستارة البنية... ورأت بأم عينيها بيت كبير ممتلئ بأطفال بيض وسود وأسبان وصينيين وعرب... أطفال يشاغبون... يمرحون ويضحكون في سرور... أحست بذاك البيت يقترب وينتصب أمام ذاك الفندق المتواضع المحروس بشدة من رجال الشرطة... همست لنفسها حتما سنعود.... تأملت زوجها الذي لازال يحدث يولاندا... وشع في عينيها وهج من الكبرياء.

عطية صالح الأوجلي

- إقرأ أيضا: في ذكراه السنوية... ابنة مارتن لوثر كينغ: اشتقت إليك يا أبي

نورالدين خليفة النمر | 20/01/2017 على الساعة 13:52
متعة طرف واحد
الذوق العالي ،والأحساس المترف الذي يمنحه الأطلاع بلغة أجنبية على العروض الثقافية الخفيفة في المطبوعات الأوروبية السيّارة لايصنعان من الطُلعة وليس المثقف ناقداً أو مقيّما للأدب الوطني السيّد الأوجلي معرّب أراء في الثقافة بمعنى يقدم لك وجبة همبورغر سريعة في إناء من القيشاني الليبي ،هل وجبة الهمبرجر مفيدة وملائمة لمِعَدْ الليبيين هذا شيء لايهمه،مايهمه إستمتاعه شخصياً بالعميلة المنتجة مثل الأستمناء أي متعة طرف واحد للنقد أو التقييم الأدبي ـ وهو طلبته الأخت عواطف من الأوجلي ـ ثلاثة أنماط أو أضرب للأسف ليس لـ أ.المترجم الأوجلي نصيب في واحد منها .الناقد الأكاديمي ، والناقد المضموني(الأيديولوجي) ،والناقد الأنطباعي كان يمكنه أن يكون بحكم درايته بلغة أجنبية أن يكون ناقداً إنطباعيا مثل ناقدنا الكبير خليفة التليسي ولكن هذا لايمكنه لأن للتليسي قبل اللغة الأيطالية إهتمامات ودرايات وإنخراطات في رؤى وتيارات بل مذهب أدبي إسمه الرومانتيكية كان ثورة في الأدب العربي ..ولأن المترجم الأوجلي حُرم لأسباب ما ! من هذا فما عليه إلا ان يستمر في هذه الخذمة المتعلقة بتقديم الوجبات السريعة وهذا مفيد لو فيه كهرباء
د.نافع بدر | 19/01/2017 على الساعة 14:43
شكراً دكتور عطية
السيد الكاتب ،دائماً تحسن اختياراتك بعناية ودقة ، فشكراً علي مجهودك الرائع ، وسؤالي هنا هل ترجماتك هي التي تنشرها ام خلاصة قراءاتك بلغة اخري ؟! واذا كنت تنشر بلغة غير العربية فيسنرني ان اقرأ لك كذلك ؟! شكرا علي تكرمك بالرد ! دمت بخير!!!
فادية | 17/01/2017 على الساعة 20:18
العنوان والخاتمة
في وسط الضلام ظننت ان العنوان عيون الكهرباء ثم استفقت لأصحح العنوان وأقرأ المقال وعندما وصلت للجملة الخاتمة تكرر معي نفس الشئ فقرأتها وهج الكهرباء. بصراحة في الاخيرة صدقتها والضلام اثر فينا شكراً على المقال
عطية صالح الأوجلي | 17/01/2017 على الساعة 14:27
إلى الأستاذة عواطف
أ. عواطف .... أشكرك على كلماتك الطيبة وعلى حسك وغيرتك الوطنية ... وأود ان اقول اولاً .. ان قلمي ليس مختص بالاجانب والعرب وانما يبحث عن التجارب المميزة ويجتهد ليقدمها للقارئ الليبي ...وعندما تشدني تجربة ما لا اطلع على جنسية فاعلها فكلنا بشر وكلها تجارب انسانية. وقناعتي ان الاطلاع على تجارب الشعوب الأخرى ليس ترفا ولا لغرض التسلية أو إضاعة الوقت .... وانما هو "واجب " و"ضرورة" ومتعة وفائدة على المستويات المعرفية والذهنية والنفسية... فالأنسان لا يتعلم من الذين "يشبهونه" بقدر تعلمه من الذين "يختلفون" عنه. ثانياً ... لقد سبق لي وأن كتبت عن تجارب ليبية مميزة كتجربة الأستاذة حميدة العنيزي والأستاذة زعيمة الباروني وعن السيد محمد بن علي السنوسي وعن الدكتور محمد المفتي والعديد من الشخصيات والتجارب الليبية وكلها منشورة بالنت . أشكرك مرة اخرى على سؤالك المشروع وعلى منحي فرصة الإيضاح ودمت وجميع القراء بكل ود وخير.
سارة | 17/01/2017 على الساعة 14:11
شكرا
شكرا
عواطف | 17/01/2017 على الساعة 13:26
روائعك
روائعك وموضعاتك معبره عن ذوق عالي و احساس مترف ،مجرد سؤال : لماذا تخص قلمك للأجانب والعرب ؟ الا تستحق بلادك ؟ الا يوجد قلم ليبي يستحق اشادة بك ؟ قصاصين وقاصات ؟ روائيين و راويات ؟ شعراء وشاعرات ؟ كيف تخدموا اوطانكم ؟ هل بالترشيحات ايها المبجل ؟ مجرد عتاب من مواطن يحبك ويحترم قلمك .
آخر الأخبار
جميع المقالات والأراء التي تنشر في هذا الموقع تعبر عن رأي أصحابها فقط، ولا تعبر بالضرورة عن رأي إدارة الموقع