مقالات

عبير الورد

رسائلي المسجاة على أرصفة البوح (ختام سلسلة عبير الورد)

أرشيف الكاتب
2017/01/16 على الساعة 14:26

لدي غيوم من الأسئلة، لأُمطر بها قلبي، وأحشوها في وسادتي، ثم أجعلها تستغرق في السبات بانتظار سياسي يخرج إلينا على الهواء ليجيب عنها، لكني في الصباح ــ وبينما أتصفح القنوات الليبية أتعثر بظلي، وأتذكرهم بوجوههم المخلوعة عن الشعور بنا، أقددُ الإجابات على مقاسي الصغير، في حيلة مني للهروب الكبير إلى الشارع، إنه الهروب من الخيال والوهم السياسي، إلى واقعية الشارع، إلى فانتازيا الشعب، ودراما الحياة اليومية، إلى طوابير مملة كالأسئلة الطويلة، المعبأة بالتوق، والانتظار، إلى طوابير الخبز، وطوابير البنزين، طوابير المصارف، وطوابير الكيروسين، طوابير النازحين، وطوابير المهجرين، طوابير المسافرين، وطوابير فاقدي الأطراف وطوابير المقبرة، الترجمة الواقعية لنتائج الأوليغارشيات التي تحكمنا، الطوائف الفكرية التي استمرأت بشراسة، وتمددت تمدد داعش في بقع النور.

لا أريد النوستالجيون في هذا التوقيت بالذات، لأني لا أحن إلى عصور جهلي، ولا إلى التواريخ الراقدة تحت التراب، لا أحن إلى التسميات، والقبور، ولا إلى تغيير العلم، والنشيد، أنا أحنُّ إلى حاضر مسالم، متصالح مع نفسه، أحنُّ إلى وطن يحتويني مع غيري، أقبل به ويقبل بي، لكنه لا يلفظني نحو شواطئ غربة سئمت من الإبحار إليها.

لدي أرشيف اسمه عبير الورد، يدندن رسائل الحب، ويوثق كلمات الحرب، يفتح نوافذ النور، ويغلق أبواب الظلام، كلما شرعتُ بفتح إحداها انبثق طائر عنقاء، وخرجت غيمة من سجون سرنا، فسافرت حرة طليقة، فوق هذه السفوح، والهضاب، والجبال، لتمطر الحب، وتكتب الآم القلوب المتعبة، التي أخذها الليل، وليمة لأحزانه، ليكفكف بها دموع وحدته، وشراسة ظلمته.

عبير التي عشقت عيون الورد، اجتاحتْ مسافات الليل الذي تقيأ كل شيء، متخليا عن السبات، والنوم، والراحة، والنجوم النائمة بين كفيه، ترك القمر يتهجد لوحده قيام السماء، وهالي يبحث عن مكان الجوزاء، لعله يصيب منها ضربة حظ، تضع أعشاش الطيور المهاجرة بين كفيه.

الليل والنهار وليبيا، رحلة الله المستدامة في كوننا الصغير، كلما خلخل الوجود ليبيا، تخلخل السكون في العالم، وتغيرت إحداثيات السماء من أجلها، كلما صبَّوا في قلبي اليأس والبأس أشرق صباحي على صبي يلعب قرب بابنا ويغني نشيد الاستقلال: إننا يا ليبيا لن نخذلك… ولن يخذل الله ليبيا الراكعة في محراب عبادته، والمتوازنة في سلوكها العقائدي، والصائمة متى صعد حجيجه - جلَّ وتعالى علاه - إلى عرفة، لن يتخلى الله عن ليبيا ذات الوجه الصبوح، والروح الودود، الرحيمة، المحبة للمصطفى، العابدة، الساجدة، الراكعة له وحده وليس لسواه.

استمرأت رحلتي مع عبير الفاتنة، حتى بدوت طفلة، تغزل على منوال الحب كلماتها، وتتخيل حبيبا يصعد قلبها، ويتسلق على شعرها، ليصل إلى النافذة، ويقبل يدها التي خطَّت الورد، ونثرت أوراق الجوري، وتركت رائحته كأريج وسمعة ليبيا، منذ عبور هيرودوت، وحتى استحضار أرواح الفلاسفة في رسائلها، هايدغر، وأفلاطون، وهيغل، وأرسطو، وسقراط، وسوارين كيركجارد، وبول ريكور الذي جعلني أعيد ترتيب أوراقي الثبوتية.

لقلبك البعيد الغريب كل السمو، والنبل، رذاذ الورد، ورائحة الياسمين، ونباتات العتمة التي عرفتها من خلال قراءتي لنصوصك السردية ومقولاتك الفلسفية، عرفتك كيف صادقتَ أشياء المكان، واكتشفت في روحك مفهوم الاغتراب حين يعزلنا الزمن عن مكونات المكان، ويتركنا نتوحد مع لغة الظِلال، ولغة الجدران، نتذوق وبال الفقد، ثم نكتب ونمضي بالدواة والقلم، وكأن فلسفة الوجود، تترجم الزمن في السرد، وهو ما تبقى من بقايانا، في هياكل اللغة، اللغة الكائن الهلامي الذي يعيش فينا، اللغة التي تقولنا، تتكلم قلوبنا، عقولنا، هلام الروح يا ريكور.. كنتُ قرأتها في كلامك، وتركت التأويلية تفسرني، تفسر العالم في مواجهة النَّص، حتى تحولتُ لكائن إيكولوجي، يصادق الجمادات، ويؤنسن نافذته، وكتابه، وكرسيه، وفناجين قهوته.

وإذ أسرد الجزء المتبقي من وجعي في هذا الجزء، أستعيد أنفاس الورد في روحي، وأغادر لأجزاء روائية تتسع لها مخيلتي، أبادر إلى وطن أحبه حتى بلغ مني العشق مبلغه، كان حبيبي في نصوصي، وكان قصائدي المسجاة على أرصفة البوح، كان نافذتي نحو عالم جميل أرنو إليه، كان ندائي الأول والأخير، يسمعني، ويومئ لي بالإيجاب، الأوطان لا تخذل من يحبها، ولا تتخلى عن أحلامها للعابرين فوق أوجاعها، الأوطان التي دخلت غرف الانعاش عادت إليها الحياة، وعاشت، وهبها أكسجين الحب فرصتها، وها نحن أولاء نهب ليبيا كل ما لدينا، وقتنا، وحبنا، وقلوبنا، نهبها العمر، والسمعة، العقل، والقلب، وديمومة الحياة، نحن الذين سنموت، لكن المدن والشعوب لا تموت.

عبير الورد
ذات ختام ...
نهاية الجزء الثاني
حُرر بتاريخ 2017.1.15

- النص على موقع متخصص لرسائل عبير الورد
0 النص على (موقع الشاعرة)

كلمات مفاتيح : مقالات ليبيا المستقبل،
م.ب | 02/02/2017 على الساعة 19:33
شكرا ً عبير الورد
والي ذات بداية جديدة ،تهز أحاسيس الكلمات وتنشر أريجها عبقاً طيباً لتسحرنا بجمال بيانها شكرًا عبير الورد ..!. والي لقاء قريب ،دمتي بخير دكتورة عزة رجب شاعرتنا الرائعة...
آخر الأخبار
جميع المقالات والأراء التي تنشر في هذا الموقع تعبر عن رأي أصحابها فقط، ولا تعبر بالضرورة عن رأي إدارة الموقع