مقالات

محمد بن زكري

هل نسيتم: "و ين الناتو؟ ".. يا ثوار الناتو؟!

أرشيف الكاتب
2016/07/01 على الساعة 16:00

عجباً لحكام ليبيا الجدد (الإخوان ومشتقاتهم وملحقاتهم)، وعجبا للميليشيات بمختلف تصنيفاتها ومسمياتها وانتماءاتها ! فقد كانوا سنة 2011 يهللون ويكبِّرون لطائرات حلف الناتو، التي تتعمد دك البنية التحتية للدولة الليبية، ويسمونها طير الأبابيل، تيمنا بالآيات القرآنية "وأرسل عليهم طيرا أبابيل، ترميهم بحجارة من سجيل، فجعلهم كعصفٍ مأكول"، رغم أن قرار مجلس الأمن الدولي رقم 1973، كان قد نص على التدخل لـ (حماية المدنيين)، وليس لتدمير المنشآت المدنية والعسكرية ومنظومات الرادار.. أولإسقاط النظام. وكان (التوار الحكيكيين) بقيادة برنارد هنري ليفي، كلما تأخرت طائرات نيكولا ساركوزي قليلا، يطلقون صيحات الاستغاثة: "وين الناتو؟".

أما وقد مكّنهم الناتومن ركوب ظهر الشعب الليبي، فأحكموا قبضتهم على السلطة، وغدوا أصحاب ثروات ضخمة وأملاك واسعة، يرفلون في نعيم السطوالفاحش على المال العام ؛ فقد تحوّل خطاب حكام ليبيا الجدد - بمختلف أطيافهم الإسلامية والقبَلية والليبرالية - ضد (التدخل الأجنبي)، للفصل بين ميليشياتهم المتقاتلة، ولفك الاشتباك السياسوَي بينهم. وأما طلب تدخل المجتمع الدولي - وأتحفظ على المصطلح - لحمل صنائعه من الإسلاميين والراسمالية الطفيلية، على القبول بالمسار الديمقراطي ونتائج صندوق الاقتراع (علما بأن الديمقراطية ليست مجرد شكليات وصندوق اقتراع)، والكف عن جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية ؛ التي ترتكبها ميليشيات فُجر ليبيا، وأنصار الشريعة، ومجالس شورى (الثوار!)، على امتداد الجغرافيا الليبية، فقد صار بنظر حكام ليبيا الجدد - وخاصة منذ غزوة مطار طرابلس الدولي واحتلال العاصمة - استعداءً للكفار أعداء الأمة الإسلامية على ثورة وثوار فبراير، وصارت طائرات الناتوالأبابلية (طائرات الكفّار)؛ فما ميليشيات فُجر ليبيا الإسلامية بمختلف أسمائها - حتى الجهوية والطائفية منها - في الغرب الليبي، وما أنصار الشريعة ومجالس شورى الثوار (الجهاديين الإسلاميين) في الشرق الليبي.. ما هم جميعا في التحليل الأخير إلا تشكيلات داعشيّة، مكّن لها الناتو. فهل نسيتم "وين الناتو" يا ثوار الناتو؟!

ولأن (الداعشيّة) هي منظومة فكرية أيديولوجية متأصلة في الذاكرة الجمعية للإسلاميين - كافةً - وفي لاوعيهم، قبل أن تتمظهر سياسيا في تنظيم الدولة الإسلامية ؛ فلم يكن مستغربا في خضم هذيان الحمى التي انتابت حكام ليبيا الجدد منذ العام 2014، أن تُصدر رئاسة أركان الميليشيات المسلحة / صنف القوات الجوية، التابعة لمؤتمر ركسوس، بيانا موتورا متوترا، صاغه داعشيّون يتميزون غيظا جَراء الضربات الجوية - محدودة الأثر - التي وجهتها طائرات، قيل إنها مجهولة الهوية، لإسكات منصات إطلاق صواريخ غراد العمياء على الأحياء السكنية بمدينة طرابلس ؛ حيث ورد في سياق نص البيان: "رئاسة أركان القوات الجوية تستنكر وبشدة هذا العمل الجبان"! ويتجاهل كتبة البيان أن رئاسة أركانهم تتموقع في قاعدة الملَّاحة (معيتيقة) الجوية، الخاضعة لسيطرة ميليشيات الليبية المقاتلة (فرع تنظيم القاعدة) والسلفية المدخلية، ويتجاهلون أن الجبان الحقيقي إنما هوالضابط العسكري (حامل الرتبة العسكرية) الذي يبيع شرفه العسكري لأمراء الحرب الميليشياويين، ويعمل مرتزقا يأتمر بأوامر أمراء الميليشيات العارية من كل شرعية، رغم شرعنتها الباطلة - بقوة السلاح وسلطة الأمر الواقع - من قِبل المؤتمر (الوطني!ّ) العام، فاقد الشرعية وفاقد الأهلية.. بمعايير ديمقراطيات حلف الناتو. فهل نسيتم "وين الناتو" يا ثوار الناتو؟!

وفي ضجيج هذيان حمى الهلع من التدخل الخارجي، الذي انتاب حكام ليبيا الجدد، لم يكُف حزب العدالة والبناء الإخواني (ممثِّلا لتيار ما يسمى الإسلام السياسي) عن إصدار البيانات المعبرة عن رفضه القاطع للتدخل الأجنبي في حل أزمة الحكم بليبيا، لجهة نزع سلاح الميليشيات (حمايةً للمدنيين)، معللا لذلك بأن التدخل الخارجي ستكون له عواقب وخيمة على مستقبل الوطن؛ فمستقبل الوطن بنظر حزب العدالة والبناء، لن يَسلم من العواقب الوخيمة إلا بتكريس الوضع القائم، الذي فرضته مصالح القوى الانقلابية، الممثَّلة في المؤتمر (الوطنيّ!) العام، بقوة سلاح ميليشيات فُجر ليبيا، التي لم تغب ممارساتها - الموغلة في الهمجية والفساد -  لحظةً عن عيون الناتو. فهل نسيتم "وين الناتو" يا ثوار الناتو؟!

وقد تصاعد ضجيج حمى الهلع من التدخل الأجنبي، ليشمل بعدواه الهذيانية كل الشخوص الاعتبارية والطبيعية - في منظومة حكام ليبيا الجدد - الراقصة على مسرح الدمى، وهي تؤدي أدوارها في الكوميديا السوداء لدولة الميليشيات ؛ فغداة قيام طائرات مصرية - فبراير 2015 - بتوجيه ضربات جوية لمناطق تدريب ومخازن أسلحة وذخائر تتبع تنظيم الدولة الإسلامية (داعش) في ليبيا، رداً على قتل التنظيم المتطرف عددا من العمال المصريين المسيحيين في سرت؛ لم يكتفِ قادة تحالف فُجر ليبيا بإنكار أي وجود لداعش في ليبيا، بل أصدروا بيانا يدعون فيه (رعاياهم) المغيبين عن الوعي وأتباعهم منزوعي الوطنية، إلى التظاهر ضد الضربات الجوية الانتقامية المصرية الموجهة لتنظيم داعش، ولم يتحرّج قادة تحالف فُجر ليبيا من وصف الغارات المصرية على تنظيم داعش الإرهابي باللاإنسانية، وهم من لم يحسبوا للإنسانية أي حساب، عندما هجّروا سكان أحياء ومناطق جنوب طرابلس - بعشرات الآلاف - من بيوتهم، تحت القصف العشوائي بصواريخ (غراد) العمياء، وعندما اقتحمت ميليشياتهم البيوت والمستوصفات والمدارس، وعاثت فيها نهبا وتدميرا وحرقا. ولم يجد قادة تحالف فُجر ليبيا حرجا دون الهذيان بحديث الإفك عن السيادة الوطنية الليبية! وهم الانقلابيون الذين صادروا سيادة الدولة الليبية على إقليمها الجيوسياسي، خدمة لأجندتهم السياسية الخاصة، وحمايةً لأنفسهم من المساءلة عن تبديد ما يربوعن 300 مليار دولار من ثروة الشعب الليبي، ذهبت أدراج رياح الفساد والسطوعلى المال العام، الأمر الذي ليس بخافٍ أبدا عن عيون مخابرات حلف الناتو. فهل نسيتم " وين الناتو" يا ثوار الناتو؟!

ورغم أن مجلس النواب كان قد دعا - أغسطس 2014 - إلى تدخّل دوليّ لحماية المدنيين ومؤسسات الدولة، بالنظر إلى أن الدولة الليبية لا تملك القوة القادرة على ذلك؛ فقد تراجع لاحقا عن موقفه ذاك، ليتطابق بالتالي مع المؤتمر الوطني العام - 7 فبراير 2016 - في استنكار القصف الجوي، الذي استهدف الإرهابيين في مدينة درنا. فبينما أصدر المؤتمر بيانا حيّى فيه ما وصفه بصمود قوات مجلس شوري مجاهدي درنا، واعتبر أن تلك الضربة الجوية تأتي في سياق استهداف مشروع ثورة 17 فبراير، ذهب البرلمان إلى المزايدة على بيان المؤتمر، فأصدر بدوره بيانا طالب فيه المجتمع الدولي بالتحقيق العاجل في واقعة الغارات الجوية على مدينة درنا، والكشفِ عن هوية الطائرات الحربية المجهولة التي نفذت العملية، وتوضيح الدوافع من ورائها (!). فهل نسيتم "وين الناتو" يا ثوار الناتو؟!

ولم تخرج الحكومة المؤقتة في مدينة البيضاء، عن إجماع حكام ليبيا الجدد في الموقف من (التدخل الأجنبي) المستهدِف لتنظيم الدولة الإسلامية (داعش) في ليبيا، حيث سارعت حكومة عبد الله الثني (الذي أتى به الإخوان المسلمون في المؤتمر الوطني العام إلى السلطة) إلى إدانة الغارة الجوية الأميركية على داعش في صبراتا - 19 فبراير 2016 - فقالت في بيان رسمي أصدرته بالخصوص إنها "تدين وتستنكر الغارات التي شنها سلاح الجوالتابع للولايات المتحدة الأميركية على مواقع محددة في مدينة صبراتا"، واعتبرت حكومة الثني في بيانها أن "أي تدخل على غرار ما حدث، يعتبر انتهاكا صريحا وصارخا لسيادة الدولة الليبية (!) والمواثيق الدولية"، فحكومة الثني تدين وتستنكر بشدة ضربَ داعش في صبراتا، بدلا من أن تؤيد الضربة من حيث المبدأ وتتحفظ عليها دبلوماسيا من حيث الشكل. وهنا لابد من التوقف للإشارة إلى أن الغارة الجوية الأميركية على داعش في صبراتا، لم تُنفَّذ في سياق محاربة فرع تنظيم الدولة الإسلامية في ليبيا (فالدور الوظيفي لداعش في ليبيا لم يُستنفذ أميركيّاً بعد)، بل إن الغارة كانت ضربة (استباقية) لكتيبةٍ داعشية تونسية، تدربت في صبراتا - تحت مرأى ومسمع سلطات فُجر ليبيا - وكانت تعتزم الانتقال إلى تونس لتنفيذ مهامها (الجهادية) هناك؛ مطمئنةً إلى (عمى) الأقمار الاصطناعية لحلف الناتو(!). فهل نسيتم "وين الناتو" يا ثوار الناتو؟!.

وعودةً إلى ضجيج بيانات وتصريحات حكام ليبيا الجدد، رفضاً لأي (تدخل أجنبي) في الشأن الليبي، الذي لم يكن بالأصل (وأشدد على أنه لم يكن بالأصل) ولم يعد على الإطلاق شأنا ليبيا؛ لم يكف رئيس مجلس الرئاسة ورئيس حكومة وفاق الصخيرات - فايز السراج - عن اغتنام المناسبات المختلفة مرارا وتكرارا (قمة منظمة التعاون الإسلامي في اسطنبول أبريل 2016 / مثلا) للتصريح بأن حكومته - المدعومة من دول حلف الناتو- ترفض أي (تدخل عسكري دولي) لمكافحة تنظيم الدولة الإسلامية، وأن بإمكانها وحدها استئصال (داعش) من الأرض الليبية! ولا عجب مما يصرح به رئيس السلطة التنفيذية التي تتخذ من قاعدة بوستة البحرية مقرا لها، تحت حماية الميليشيات، فهوإنما يتحدث - مجبرا أخاك لا بطل - باسم دولة الميليشيات.. التي ترعاها دول حلف الناتو، ونيابة عن ثوار الناتو. ويتكرر السؤال: هل نسيتم "وين الناتو" يا ثوار الناتو؟!

والحقيقة أن حكام ليبيا الجدد لا يجهلون أن الدولة الليبية، قد حوّلها تدخل الناتو- بنفس القدر الذي حوّلوها هم - إلى دولة فاشلة منهارة، وأن سيادة الدولة الليبية لم يعد لها من وجود أصلا؛ فدولة لا تملك أن تفرض سيطرتها على كامل إقليمها الجيوبوليتيكي أرضا وبحرا وجوا، لا سيادةَ حقيقيةً لها. ودولة بلا جيش وطني قويّ، بعقيدة قتالية وطنية صرفة (لا علاقة لها بعقيدة الجهاد الإسلامي)، وبلا جهاز أمنيّ وطني عالي الكفاءة، يتكاملان - كمؤسستي أمن وطني - في صون أمنها الخارجي والداخلي، هي واقعيّا ليست دولة، بل مزرعة دواجن تديرها عصابات من الهواة والمرتزقة والمغامرين.. خارج القانون، كما هوحال ليبيا وحال حكامها الجدد.

وحكام ليبيا الجدد مرتاحون تماما لهذا الوضع، لأنهم شركاء في صنعه ولأنهم مستفيدون منه، ولذلك فإنهم يخشون من تغيّره لغير صالحهم، ويخشون من مساءلتهم عنه ديمقراطيا وجنائيا، فيما لووافقوا - أوتوافقوا فيما بينهم - على أي تدخل خارجي (غير مضمون)، لفك الاشتباك بينهم، ولنزع سلاح الميليشيات التي يحتمون بها مقابل ما يغدقونه عليها من أموال. فهم لا يرتاحون لتدخّل قوات عربية (هذا لوكانت جامعة الدول الناطقة بالعربية جادة في ذلك)، ولا يقبلون بتدخّل قوات من الاتحاد الأوربي (هذا لواتفقت كلمة الأوربيين على ذلك)، ويرفضون تدخل قوات باسم الأمم المتحدة (هذا لوسمحت أميركا بذلك)؛ وذلك بدعوى الحرص على السيادة الوطنية، التي سينال منها التدخل الأجنبي لمكافحة (داعش) فوق الأرض الليبية (المقدسة)!

لكن ما يتجاهله - أوربما يجهله - حكام ليبيا الجدد، هوأن تدخّل (المجتمع الدولي) واقعٌ لا محالة، عندما تنضج ظروفه. فالمجتمع الدولي يكتفي الآن بإدارة الأزمة الليبية، إلى حين وصول أطرافه الفاعلة إلى صيغة مقبولة لتقاسم الثروات الليبية (أسطورية الأرقام). ولولا ما طرأ من الحضور الروسي (القوي جدا) ودخول روسيا طرفا فاعلا في لعبة الأمم (المحتدمة) فوق الأرض الليبية، لكان (المجتمع الدولي) قد أوكل للناتواستكمال المهمة التي بدأها سنة 2011 في غياب القطب (الدولي) الروسي.

وكما لعلني أضيء على الموضوع في مقاربة قادمة ؛ فإن المخزون الليبي (الهائل، بل المهول) من الغاز، المكتشف مؤخرا شمال غرب ليبيا، بكميات تكفي حاجات أوربا بكاملها من الطاقة لمدة 30 عاما على الأقل، هو "بالدرجة الأولى" ما عجل بتدخل الناتو- على نحوما حدث سنة 2011 - فضلا عن احتياطي النفط الصخري (الكبير جدا) سهل الاستخراج بالتقنيات الحالية، من نفس منطقة الشمال الغربي الليبي، زائدا الثروات الطبيعية (الهامة) في الجنوب الغربي الليبي "بالدرجة الثانية". وليست حماية المدنيين الليبيين هي التي حركت المشاعر الإنسانية الرقيقة (للمجتمع الدولي)، فأوكل أمر إنقاذ حياتهم إلى طير أبابيل الناتو، كما أوهمتنا دول حلف الناتو. وأختم بالسؤال : هل نسيتم "وين الناتو" يا ثوار الناتو؟!

على بن محمد | 08/07/2016 على الساعة 08:49
كلام فى محله
...كفيت ووفيت
إستفتاء
هل توافق علي مقترح “القطراني”: مرحلة انتقالية تحت سلطة الجيش بقيادة حفتر؟
نعم
لا
+
إعادة
لمتابعة ليبيا المستقبل
جميع المقالات والأراء التي تنشر في هذا الموقع تعبر عن رأي أصحابها فقط، ولا تعبر بالضرورة عن رأي إدارة الموقع