مقالات

د. فتحي سالم أبوزخار

حيثما وجدت مصلحة الفقير فتم شرع الله

أرشيف الكاتب
2016/07/01 على الساعة 15:50

تسللت للمجتمع الليبي بعض الأفكار الغربية عنه من خلال نشر الفكر السلفي الذي في مجمله يجنح للفكر الوهابي الذي حرصت بريطانيا على بعثه كمذهب سلفي في الجزيرة العربية وبلاد العراق والشام للقضاء من خلاله على الإمبراطورية العثمانية بعد الانضمام لصفوف الجيش البريطاني في حربهم ضد العثمانيين المسلمين!!! لقد استخدمت بريطانيا أداتين لنحر الدولة العثمانية: الوهابية والقومية العربية. فكانتا نقيضين للغة ومذهب الحاكم المستعمر!!! حسب قولهم.. فالعربية مقابل اللغة التركية "العصملية" والسلفية الحنبلية ضد مذهب الدولة المتسهل الحنفي الحامل  لملامح الصوفية النقشبندية. وبات ديدن الوهابية التشدد والتمسك بإرث الجزيرة العربية بما فيها من ثقافة أهل البادية النجدية بملامح وصبغة دينية هو السمة السائدة للمذهب السلفي بثوب الوهابية.

ارتدادات الفكر السلفي في ليبيا:

عندما نتكلم عن المدرسة السلفية فربما يحضرني هنا الشيخ محمد البشتي، رحمة الله عليه، الذي سجلت له ووزعت مجانا بكندا الكثير من أشرطته المسموعة وهو يقارع القذافي ونظامه الدكتاتوري. ولا أنكر أن عندي أصدقاء من تلامذة الشيخ البشتي التقيت بهم معارضين لنظام القذافي في الثمانينات بكندا. في تلك الفترة أخذت السلفية في التركيز على محاربة البدع متمثلة في التوسل عند الأولياء وتخفيف حدة التعصب المذهبي بتحسس الصحيح في السنة.. ولكن الأهم من كل ذلك هو الوقوف ضد ظلم نظام القذافي الذي سخر من الدين وتحامل على المتدينين.

اليوم توسع طيف السلفية في ليبيا من المعارضة للقذافي إلى الفرقة التي كانت مرتمية في أحضان م.الساعدي القذافي والتي نادت بإلزم بيتك خلال انتفاضة 17 فبراير إلى المداخلة داعمي السيد حفتر وقصفه للمدنيين في درنه وبنغازي إلى الدواعش التكفيريين. كما نلاحظ أنه يتم توظيف السلفية لتأخذ شكلا وتوجها كما هو الدين!!! ونتيجة للدعم الذي تتلقاه الحركات السلفية هذه الأيام، من المملكة العربية السعودية، بتنا نرى أكداس الكتيبات الداعية لفكر السلفي الوهابي في  محاولات لتغيير الكثير من الثقافة الدينية في المجتمع الليببي. فتحول لباس الحشمة إلى قماش أسود يلف المرأة كمومياء ، يمسح كل معالم الهوية الشخصية بحيث لا تعرف من خلف هذا السواد ذكر أم أنثى، والذي قد يرجع لثقافة أهل البادية بدول الخليج العربي.. وهذا شأنهم ويحترم.

ولم يسلم حتى لباس الرجال فتحول إلى شرعي عندما يرجع لثقافة خليجية وغير شرعي عندما يكون عكس ذلك!!! بل حتى الصلاة في المساجد باتت جافه ل ترطب القول العطشى للهيام بذكر الله.. فيمنع فيها كل مظاهر الذكر الجماعي والصلاة "الدعاء" الجماعية بل وأخفيت المسابح المساعدة على الذكر بحجة أنها بدعة. وبتنا نرى وبعد صلاة العيد أكوام من أكياس الأرز والتمر والسميد والدقيق وغيره وعندما نسأل يقال هذه زكاة الفطر.. السؤال ماذا تعني للفقير هذه الأكوام من أكياس الطعام  للناس؟؟؟ بالتأكيد لا شيء.. لأنها لم تصل الفقير ولم يستفيد منها بمشاركتنا في فرحة العيد!!!

حيثما تكون المصلحة فتم شرع الله:

أي فعل أو قول لا يحقق مصلحة أو يدفع به عن ضرر لن يكون من شرع الله... العنوان الفرعي قاعدة فقيه يتفق فيها الكثير من المرجعيات ودعائم المذهب السلفي يقول شيخ الإسلام أبن تيمه: "أن الشريعة لا تهمل مصلحة قط، بل الله تعالى قد أكمل لنا الدين وأتم النعمة". وهذه القاعدة لا تختلف في العموم عما قاله بعض الفقهاء المسلمين حيث درء المفاسد فيقولون بأن: "روح الشرع الإسلامي هو جلب المصالح ودفع الضرر" والكاتب يريد اليوم طرح موضوع زكاة الفطر من باب النقاش الفكري أكثر منه الفقهي. وللنظر في قياس مصلحة الفقير على القاعدة الفقهية لأبن تيميه التي لا تختلف عن معظم فقهاء المسلمين. ونمهد للنقاش بمعرفة كيف ينظر الفقير إلى؟ أو ماذا ينتظر الفقير من؟ شهر  رمضان المعظم.. ويمكن تلخيص ذلك في النقطتين التاليتين:

- الشعور بالجوع والعطش يحرك أحساس الناس، ميسوري الحال، بعوز الفقيرة وغياب مقومات لحياه كريمة للمحتاجة. فيتوقع من الأغنياء الاحسان للفقراء بشتى السبل من إقامة موائد الإفطار إلى كفهم عن حاجة السؤال.

- مشاركة الجميع فرحة العيد بحيث يعيش الفقراء أيام سعيدة ملؤها الفرحة والسعادة في المأكل والملبس والترفيه.

وأحدى وسائل المساعدة على مشاركة المحتاجين فرحة العيد معنا إخراج زكاة الفطر والتي قدرت 4 دنانير أو 4.25 دنانير. هذه الشعيرة نأمل أن يتحقق لنا منها مصلحتين:

- بإخراج زكاة الفطر نكفر عن أي نواقص قد تعتري شعيرة الصيام.
- التوسيع عن الفقراء وأشاركهم فرحة يوم الجائزة.. العيد.

بالتأكيد نتفق جميعا كسلفية ومالكية وأباضية على الحد الأدنى من المصالح التي نرجو تحقيقها من زكاة الفطر كما ورد بالنقطتين أعلاه..  والأهم في ذلك هو السعي لإدخال البهجة والسرور في العيد على جميع المحتاجين والفقراء في ليبيا ولن يتحقق ذلك بيسر إلا بدفع زكاة العيد نقدا.

لماذا زكاة الفطر نقداً؟

اليوم باسم السلفية وصل الأمر إلى الرجوع بنا للخلف إلى عصور قديمة كان المناسب فيها للفقراء ودافعي زكاة الفطر تقديم مدين، عن كل فرد في الأسرة، من اقوات الناس. وكان في الماضي ذلك مناسبا لظروف دافعي زكاة الفطر وأيضا لمستحقي الزكاة. أما اليوم فقد تطاول الفكر السلفي على فقراء اليوم بحيث لم يعد يتكلم بمصلحتهم.. فبدعوى التمسك بالسنة يشجع الناس على رمي أكياس من الطعام على أبواب المساجد لتنتهي العيد وبعضها لم تحرك من مكانها.. ويعترض السلفية عن دفع زكاة الفطر نقدا مستندين في ذلك إلى التمسك بالسنة وبعمل السلف.. ركوب السيارات الفاخرة واقتناء هواتف اللمس مقبولا عندهم ولا يتحاجون بالسلف والسلفية في هذا المقام.. الكلمة الفضفاضة التي باتت متعارضة مع مصالح الناس والتي هي من روح الشرع الإسلامي. فكيف تكون مصلحة الفقير في  استلام زكاة الفطر نقدا؟ توضحها النقاط التالية:

- التعامل بأكياس التمر والأرز والكسكسي وغيره لا يساعد دافع الزكاة ولا المحتاجة.. ففيه من السلبيات ألأتي:

o مشقة الحمل والمناولة والتنزيل.

o التنقل بالأكياس من مكان إلى أخر يتطلب مواصلات للنقل وهذه قيمة إضافية يمكن الاستفادة منها.

o قد يفرض نوع من الطعام لا يحتاجه الفقيرة..

o قد تواجه مشكلة التخزين فيفسد الطعام وتضيع المصلحة. جميع النقاط مخالفة لمنهج سيدنا المصطفى عليه الصلاة والسلام : "إن هذا الدين متين فأوغلوا فيه برفق.. يسروا ولا تعسروا وبشروا ولا تنفروا".

- لا يتحقق مغزى يوم الجائزة.. العيد.. التي يجب على المسلمين أبراز مظاهر الفرحة والبهجة بها في المأكل والملبس والترفيه.. وهذا لا يمكن أن يتحقق عند المحتاجين والفقراء إلا بتوفر سيولة نقدية يستطيع ربة البيت التوسيع على الأطفال بلبس الجديد وأكل بعض المرطبات والحلو والحصول على بعض اللعب.. والسؤال هل هذا حرام عليهم وحلال على الأغنياء؟؟؟!!!!

خلال عملي مع النازحين بتطاوين بتونس 2011  دار حديث بيني وبين بعض الناشطين من منظمات عالمية.. فذكر لي بأن هناك من يطرح فكرة أن فرض صنف من الطعام أو لباس على النازحين أو اللاجئين هو دكتاتورية.. فما لم يتوفر الخيار للمحتاجة لما يريد أن يأكل أو أن يلبس فهي مساعدة في ظل عبودية فرض أشياء قد لا تتوافق ورغبة المحتاجة!!! ولا تتحقق كرامة وآدمية المحتاجة إلا بالحصول على نقود تضمن خياراتها!!!

عاشت ليبيا خلال العهد الملكي والسمة السائدة الاعتدال المترجمة عن المذهب المالكي والأباضي. فلماذا اليوم  يترجم التمسك بالدين، بإتباع السلفية، المغالاة والتنطع والتضارب مع مصالح الناس؟؟؟ إلا يمكن الاستفادة من السلفية بتصحيح التوحيد بترك طلب الموتى "الأولياء" والتسامح المذهبي بترك التعصب لأي مذهب!!! ونقبل أن تدفع زكاة الفطر نقدا لفقرائنا اليوم وما أكثرهم... اللهم أهدينا إلى ما فيه خير البلاد والعباد.. تدر ليبيا تادرفت.

أ. د. فتحي سالم أبوزخار

لا تعليقات على هذا الموضوع
آخر الأخبار
إستفتاء
هل انت متفائل بان ليبيا ستخرج من ازمتها قريبا؟
نعم
لا
نعم ولكن ليس قريبا
+
إعادة
لمتابعة ليبيا المستقبل
جميع المقالات والأراء التي تنشر في هذا الموقع تعبر عن رأي أصحابها فقط، ولا تعبر بالضرورة عن رأي إدارة الموقع