مقالات

عمر النعاس

الاستفتاء أو الاحتكام لرأي الشعب...

أرشيف الكاتب
2016/07/01 على الساعة 16:22

عندما نتكلم عن مشروع الدستور، نقول أن الأغلبية المطلقة المعززة للهيئة التأسيسية أقرّت مشروع الدستور وأن هذا المشروع لن يكون نافذا إلا بعد الاستفتاء عليه من الشعب الليبي.

أقرّت الهيئة التأسيسية لصياغة الدستور بالأغلبية المطلقة المعززة "مشروع الدستور الليبي" في مقر الهيئة التأسيسية بمدينة بالبيضاء يوم 19/4/2016، وقامت بإخطار السلطة التشريعية (مجلس النواب) يوم 26/4/2016م لتحمل مسؤولياته التاريخية امام الشعب الليبي وإصدار "قانون الاستفتاء" وفقاً للنص الدستوري الوارد في التعديل الدستوري السابع فقرة(12) والذي يلزم كل السلطات العامة بتمكين الشعب الليبي من الاستفتاء على مشروع الدستور الذي تقرّه الهيئة التأسيسية، كما قامت الهيئة التأسيسية لصياغة الدستور بإخطار المفوضية الوطنية العليا للانتخابات يوم 3/5/2016م لاتخاذ الاجراءات اللازمة لتمكين الشعب الليبي داخل البلاد وخارجها من ممارسة حقه الدستوري وتقرير مصيره من خلال الاستفتاء على مشروع الدستور الليبي. ما أن أنجزت الهيئة التأسيسية مهمتها المؤتمنة عليها من الشعب الليبي وأقرّت مشروع دستورا توافقيا يجمع كل الليبيين على كلمة سواء، حتى ارتفعت بعض الأصوات الرافضة لهذا المشروع التوافقي... هذا المشروع الذي ينتظره عامة الناس في ليبيا...!!

كلّنا نعرف أن هذا هو مجرّد "مشروع دستور" وبعد أن أقرّته الهيئة التأسيسية يوم 19/4/2016م أصبح "مشروع الدستور ملكا خالصا للشعب الليبي"، وأن يكون هذا المشروع الذي أقرّته الهيئة التأسيسية "دستورا نافذا"، فهو أمر متروك للشعب الليبي في الاستفتاء العام.. أليس من حق الشعب الليبي أن يقول كلمته في هذا المشروع؟  لماذا وضْع العراقيل أمام الشعب؟  من الذي يقوم بوضْع هذه العراقيل؟ ولمصلحة من؟

من المؤكد أنه من حقّ كل إنسان أن يحمل في رأسه فكر ما، وبالتالي من حق كل عضو من أعضاء الهيئة التأسيسية أن يحمل في رأسه أفكارا ورؤى يعتقد أنها هي الأصوب لهذا البلد...!!

إن مشروع الدستور الليبي ليس مشروع فرد أو حزب أو جماعة، بل هو مشروع توافقي بامتياز يجمع رؤى كل الليبيين والليبيات من مختلف أنحاء ليبيا، مدنها وقراها وواحاتها ومختلف مكوناتها الاجتماعية والثقافية والسياسية. هو مشروع يجمع كل الفرقاء على كلمة سواء هي بناء ليبيا... هو مشروع لكل الليبيين والليبيات داخل البلاد وخارجها... لا تفرقة ولا تمييز بينهم إلا بمقدار العطاء لهذا الوطن.

كل أبناء الشعب الليبي يشاركون في بناء ليبيا من خلال مشاركتهم الحقيقية والفعالة في صناعة هذا الدستور وفقاً لمبدأ "الشعب يصنع دستوره"، وذلك من خلال ثلاث مراحل أساسية وهي: (1/ انتخابهم لأعضاء الهيئة التأسيسية. 2/ مشاركتهم بتقديم الاقتراحات المكتوبة الموثّقة وطرح الآراء في الملتقيات والندوات. 3/ مشاركتهم في إقرار مشروع الدستور بالاستفتاء عليه وقبوله كدستور نافذ بعد موافقتهم بــ(نعم)). كما يشارك أبناء الشعب في بناء ليبيا من خلال تواجدهم الحقيقي في مؤسسات الدولة التي تقوم وفق أحكام هذا الدستور.

إن مشروع الدستور الليبي هو مشروع توافقي بامتياز، والتوافق الحقيقي لا يقوم إلا بين أطراف تحمل رؤى مختلفة وفي جعبتها مطالب متعارضة، ولكن من أهم أركان التوافق؛ القدرة على فهم الآخر وقبوله كشريك حقيقي من خلال الحوار الهادف البنّاء، وايجاد قواسم مشتركة تقوم على الرغبة الصادقة من كل الأطراف في تقديم تنازلات هامة تتعلّق بمصالح (شخصية أو قبلية أو حزبية أو سياسية أو غيرها) من أجل تحقيق مصلحة عامة وأهم وهي مصلحة الوطن والحفاظ على وحدة ترابه وعلى النسيج الاجتماعي والعلاقة المصيرية التاريخية التي تربط أبناء الشعب الليبي في كل بقعة من تراب هذا الوطن الحبيب.

إن مشروع الدستور الليبي التوافقي الذي يصنعه الشعب الليبي يقوم على أسس الدين الإسلامي الحنيف والشريعة الاسلامية السمحاء وكرامة الإنسان، وهو المشروع  الأنسب ليكون ركيزة حقيقية لبناء مستقبل واعد وحقيقي يضمن الحياة الحرّة الكريمة لكل الليبيين والليبيات داخل البلاد وخارجها في ظل دولة حديثة تقوم على نظام قانوني يضمن الحقوق والحريات والتداول السلمي على السلطة وتوفير الخدمات لكل مواطن أينما كان في اطار حكم محلي يقوم على اللامركزية في اطار وحدة الدولة وتماسكها، وضمان التوزيع العادل والمناسب لعوائد الثروات الطبيعية وحفظ حقوق الأجيال القادمة.  مشروع دستور يرسّخ لقيام دولة القانون والعدالة والمؤسسات حيث تخضع كل السلطات العامة في الدولة لحكم القانون، ولا يكون فيها أحد محصّنا من المثول أمام القضاء مع الحفاظ على كافة الحقوق الدستورية لكفالة وضمان محاكمات عادلة ونزيهة تكون الكلمة العليا فيها للحق والعدالة.

هذا المشروع هو ما توافق عليه الأغلبية المطلقة المعزّزة من أعضاء الهيئة التأسيسية وهدفهم الوحيد هو محاولة حقيقية للخروج بالبلاد من حقبة الاستبداد والصراع المسلّح على السّلطة إلى ضمان عودة الأمن والاستقرار للبلاد وتأسيس مرحلة يسود فيها التداول السلمي على السلطة وفق دستور يقرّه الشعب الليبي في الاستفتاء العام ليكون دستورا نافذا، أو يرفضه الشعب الليبي ليعود مرة أخرى للهيئة التأسيسية لإجراء التعديلات اللازمة. 

هل كثير على الشعب الليبي أن يقول كلمته وأن يمارس حقه الدستوري الأصيل لتقرير مصيره؟ ألم يئن الوقت لنعترف بأننا لسنا أوصياء على الشعب الليبي؟  لقد انتخب الشعب هذه الهيئة التأسيسية وائتمنها على صياغة مشروع دستور مناسب للبلاد، وهذه الهيئة التأسيسية مكلّفة بأن تجتهد ما وسعها لصياغة مشروع الدستور التوافقي الأنسب ثم تحيل الأمر لصاحب القول والكلمة وهو الشعب الليبي. وهذه هي الآلية التي انتهجتها الأغلبية المطلقة المعززة لأعضاء الهيئة التأسيسية بإقرارهم مشروع الدستور الليبي يوم 19/4/2016م  ليتم طرحه على الشعب الليبي ليقول كلمته الفاصلة والنهائية إما بــ(نعم)  وإما بـــ(لا). !!!

هناك بعض أعضاء الهيئة التأسيسية ممن اتخذ موقفا  ضد قرار الهيئة التأسيسية لإقرار مشروع الدستور يوم 19/4/2016م والذي أقرّ بالتصويت عليه بالأغلبية المطلقة المعززة لأعضاء الهيئة التأسيسية. هذا مشروع دستور توافقي حقيقي بامتياز يجمع ولا يفرّق، يجد كل الليبيين والليبيات جزء كبير مما يريدونه فيه، ولكن لا يجد أي ليبي كل ما يريده فيه.  إن من لا يريد هذا "المشروع التوافقي" الذي يجمع كل الليبيين والليبيات على كلمة سواء هي "بناء ليبيا"، لا أجد له مبررا إلا أنه وبكل وضوح "لا يريد دستورا توافقيا"، حتى وإن توافق عليه أغلبية الأعضاء. وفي كل الأحوال، هم اعتقدوا أنهم هم فصل الخطاب ولهم حق مصادرة آراء ملايين الليبيين والتحدث باسمهم دون وجه حق، ونسوا أن وراء هذا المشروع حتى وإن أقرّته الهيئة التأسيسية بالإجماع لا يزال الشعب الليبي في الانتظار ليقول كلمته الفاصلة سواء بقبوله أو رفضه في الاستفتاء العام. 

إن أغلبية الرافضين لهذا المشروع وهم من أطلقوا على أنفسهم  مصطلح "المقاطعين"،  كانوا قد تغيبوا عن  الحضور لمقرّ الهيئة التأسيسية طوال أشهر. ورغم كل الدعوات للحضور إلى مقرّ الهيئة للحوار والمناقشة والمداولة تنفيذا للنص القانوني الذي يلزم الأعضاء بالتفرغ التام لأعمال الهيئة من أجل صياغة مشروع دستور يطرح على الشعب الليبي للاستفتاء عليه، إلا أن الجواب كان الرفض القاطع من خلال تصريحات عبر وسائل الإعلام والاجتماعات المغلقة والمبرمجة لإبداء الرأي الواحد وعدم الاستماع للآخر، والحجة هي رفض المشروع لأنه لا يتضمن رغبات ومطالب خاصة، وهناك من لم يحضر جلسات المداولة والتصويت على مشروع الدستور.

إذا كان مشروع الدستور التوافقي الذي أقرّته الهيئة التأسيسية يوم الثلاثاء الموافق 19/4/2016م بالأغلبية المطلقة المعززة للأعضاء مرفوضا من قبل هؤلاء المقاطعين والرافضين، فإن التساؤلات المطروحة تكون كالآتي: ما هو الحل؟ وما هو الدستور المرغوب والذي قد يحظى بالرضى والمباركة؟ هل الحل يكون في دستور يخدم مصالح بعينها؟ هل الحل هو دستور مفصّل على مقاس شخص أو رهط أو جماعة أو حزب، ويتم فرضه بالقوة على الآخرين؟ هل من الممكن فرض نظام حكم بالقوة؟ هل هناك ضمانة بأن ما يريده هؤلاء سيقرّه الشعب الليبي في أنحاء البلاد ويقبله في الاستفتاء بـ(نعم)؟  ألا يمكن خروج دستور إلا بمباركة اشخاص بعينهم؟ ماذا لو أن رؤيتهم للدستور كانت مرفوضة من أغلبية أعضاء الهيئة؟

الخلاصة: في رأيي الخاص، من الواجب الابتعاد عن كل ما قد يكرّس للاستبداد وممارسة الدكتاتورية في ثوب جديد قد يكون عباءة أو ربطة عنق  وباسم الديمقراطية. من الواجب الحذر من الترويج للباطل  باسم الحق، والنأي عن تضليل الجموع باسم حرية التعبير لفرض توجهاً سياسياً أو نظاماً بعينه يتمخض عن نظام دكتاتوري.  

إن العقلية الدكتاتورية لا يمكن أن تستخدم وسائل ديمقراطية إلا لترسيخ دكتاتوريتها... إن مقتل الديمقراطية يكون من خلال الدعوة لدكتاتورية مخبأة تحت جلباب الديمقراطية... إن أسوأ الدكتاتوريات تلك التي يسوّق لها باسم الجموع وباسم الديمقراطية... إن أسوأ انظمة الحكم الاستبدادية تلك التي تقوم في ظل دساتير يصنعها الحكّام على مقاسهم ليحكموا إلى الأبد..!
أ. عمر النعاس
(عضو الهيئة التأسيسية لصياغة الدستور)
30/ 6/ 2016

لا تعليقات على هذا الموضوع
آخر الأخبار
إستفتاء
هل توافق علي مقترح “القطراني”: مرحلة انتقالية تحت سلطة الجيش بقيادة حفتر؟
نعم
لا
+
إعادة
لمتابعة ليبيا المستقبل
جميع المقالات والأراء التي تنشر في هذا الموقع تعبر عن رأي أصحابها فقط، ولا تعبر بالضرورة عن رأي إدارة الموقع