مقالات

د. فرج أحمد قرمان

قد يتحوّل الحُلُم كابوساً

أرشيف الكاتب
2017/01/11 على الساعة 11:20

لا شك أن هذه المرحلة الإنتقالية التي تَمُرُ بها ليبيا هذه السنوات، كما حصل في العديد من الدول، هي مرحلة أزمات قد تطول أو تقصر. قد تطول إذا لم تتفق النُخب السياسية على إختيار الطريق الأقصر نحو بناء الدولة وهو الاتفاق على تبني المبادئ الديمقراطية والاحتكام إلى آلياتها، واختارت طريق الاقصاء والصراع والاحتكام إلى السلاح في التعامل مع الطرف الآخر وهو الطريق الاطول إن لم يكن الطريق الذي لا نهاية له.

البعض يعتقد أن الديمقراطية لا تتحقق في أي بلد إذا لم يكن شًعْبه يُؤمن بالديمقراطية، إلا أنني أرى أن هذا ليس بالضرورة، فهذه المرحلة الانتقالية، تحتاج فقط، لقيادة من النُخَبِ المُؤمِنة بالديمقراطية والقادرة على وضع الخُطط الكفيلة بالتحول السلمي السَلِس نحو الديمقراطية، لأن التحول من دولة الاستبداد إلى دولة الديمقراطية لا يمكن أن يتم إلا بقيادة نُخَب تُؤمِن بالديمقراطية وتستطيع أن تضع الخُطَط الكفيلة بتحقيق ذلك.

مما لا شك فيه، أن الثورة في ليبيا كغيرها من الثورات، قد قامت من أجل التخلص من دولة الاستبداد ولإقامة دولة الحكم الرشيد وأنه لم يكن وراءها أي أيدولوجية أو كيانات تتحكم فيها أو تقودها. ولكن الجُمُوع التي قامت بهذه الثورة وخاصة منهم الشباب الذين خاضوا الثورة المسلحة، توقعوا أن تَتَحوّل البلد إلى دولة ديمقراطية فور الانتهاء من الإِطاحة برأس ورموز النظام الدكتاتوري، فتركوا العملية السياسية بِرُمَّتها لمُتصدري المشهد من الانتهازيين و أصحاب الأجندات المُختلفة، متناسين أنه كان يجب أن يكون هناك خُططاً للتحول نحو الديمقراطية وكان يجب الانفاق عليها ومتابعة تنفيذها. المُفارقة، أن مُتصدري المشهد هؤلاء، كانت تنقصهم أو ينقص معظمهم الثقافة الديمقراطية الكافية، فَعَدَدٌ منهم قضي فترات طويلة في السجون أو في المهجر أو ممن كان بعمل في منظومة الحكم السابق وانشقَّ عنها بُعَيْد قيام الثورة.  وَجَدَ عددٌ من هؤلاء أنفسهم في المقدمة كنواب في مجالس تشريعية وأعضاء في حُكومات ورؤساء لمجالس ادارة مؤسسات إستثمارية وبنوك وشركات عامة.  سِيَرَهُم الذاتية كانت مَمْلوءة بالشهائد العُليا وإفادات بسنوات السجن أو سنوات الغربة وبإفادات عن مشاركاتهم في دعم الثورة قبل وبعد قيامها، ولكن ما كان يَنْقُصُ هذه السِيَر الذاتية هو مقدار الثقافة الديمقراطية والايمان بها ومدى الوطنية التي كان يجب أن يَتَمَيَز بها كُل من كان سَيقود هذه المرحلة الانتقالية الصعبة.

الحقيقة الثانية التي ساهمت ولا زالت تُساهم في إطالة عمر الفترة الانتقالية و في تفشي تعقيداتها السياسية والعسكرية والاقتصادية والقانونية، هي سياسة الإقصاء التي مُورست مُند صُدور قانون العزل السياسي المَعِيب.  فبه جُعِلَ العديد من المواطنين الذين لم يشاركوا في الثورة وحتى بعض من شارك فيها، يشعرون بأنهم قد هُمّشوا أو أُقْصُوا، فَتَحَلل بَعْضُهم من الثورة والبعض منهم سعى لاحقاً لإفشالها بِكُلّ ما يملك من مالٍ أو نُفوذ أو علاقات مع أشخاص ودول اقليمية ودولية.

إن مبدأ "نَحَنُ أو هُم" والذي هو في حقيقته صِرَاعُ وجُود، لا يقود إلى بناء الدولة الديمقراطية، بل يتسبب في حدوث شرخ إجتماعي وكراهيةُ بين مُكونات الدولة وتَقاتُل بين أبناءها. سياسة الاقصاء لأيّ كان وخاصةً خلال هذه الفترة الانتقالية، تُهدم ما تبقى من الوطن ولا تُبنيه أو على الأقل تُساهم في اطالة هذه الفترة الانتقالية، ففرنسا على سبيل المثال، استمرت فيها الفترة الانتقالية بعد الثورة لأكثر من 80 سنة لأسباب مشابهة.  لا يجب أن نَسْتَهين بأحد ولا أن نُخوّن أحد، فالوطن لا يُبنى إلا بالجميع ولكن قد يُهدم بسبب مواطنٍ أو كيانٍ همّشناه أو خونّاه أو أبعدناه.

في اعتقادي أن جُلَّ الليبيين يَرْغَبُ في أن تكون ليبيا دولة ديمقراطية يَسُود فيها القانون ويتم فيها التداولُ على السُلطةِ سِلمياً. هذا هو بالتحديد، هدف الثورة في فبراير سنة 2011 وهذا الذي يُمْكِنُ تَحْقيقهُ إذا ما تم الاتفاق على الخُطَط التي تَقُودُ الى هذا الهدف وتنفيذها.

البعض يفهم الديمقراطية على أنها نظام يُبنى على المُغالبة لأنها تعني حُكم الأغلبية التي يرى فيها ضَرَرٌ قد يقع على شرائح عديدة من المجتمع الليبي.  أعتقد أن هذا فيه قُصُوراً في الفهم الصحيح لمفهوم الديمقراطية، فالأغلبية في النظام الديمقراطي هي أغلبية ليست مذهبية أو دينية أو جهوية أو عرقية، إنما هي أغلبية متغيرة (ديناميكية)، فاليوم قد يكون الفرد أو الكيان السياسي من ضمن الأغلبية وغداً قد يكون من ضمن الأقلية، وهذا بالتحديد ما تعنيه الأغلبية الديمقراطية وما ينتج عنها من تداولٍ سلميٍ على السُلْطة، وكما يقول المثل الأيامُ دُولٌ.

من المعلوم أن الديمقراطية لا يمكن أن تقوم في غياب الاحزاب السياسية و لكن على النُخَب في هذه المرحلة الانتقالية، أن تَتَرَفْع عن المصالح الحزبية الضيّقة وأن تنظر إلى المشهد السياسي الشامل الذي يهدف إلى توطين الديمقراطية أولاً وليس تحقيق المكاسب الحزبية التي يجب تأجيلها إلى ما بعد تجاوز هذه المرحلة الانتقالية.

الحلُّ من وجهة نظري، أن تبدأ النُخَبُ عاجلاً وليس آجلاً، في التفاوض فيما بينها على أهداف المرحلة الانتقالية ووضع الخُطط الكفيلة بتحقيقها دون استبعاد لأي مواطن ليبي يُؤمن بالحَلّ الديمقراطي كأساس لبناء دولة المؤسسات وسيادة القانون.  من المهم أيضاً، أن لا نتوسع في قائمة المبادئ الحاكمة عندما نجلس على طاولة المفاوضات أو المصالحة فنتخالف على ما هو هدف وما هو وسيلة، بل يجب أن نختزل هذه المبادئ الحاكمة في مبدأ واحد يجمع بين الهدف والوسيلة وهو" إلتزام الجميع بالديمقراطية وآلياتها كهدف ووسيلة لبناء ليبيا المستقبل" فلا يمكن الوصول إلى قيام الدولة الديمقراطية إلا بالديمقراطية ومشاركة كل من لا يَرْفُضها.

بالطبع، لن يُجْدي التفاوض مع من يرفض الديمقراطية جُملةً وتفصيلاً، وهؤلاء قد يكونون من الجماعات الاسلامية أو الجماعات المسلحة أو العسكريين أو الجهويين... الخ، ولكن هؤلاء سيجدون أنفسهم في عزلة عن عامة الشعب يغردون خَارجَ السِرب، وقد يتراجع العديد منهم عندا تتعامل الدولة معهم بتدريج الطرق المشروعة في ذلك، كالحوار والضغط الاجتماعي إلى العزل والحصار والمواجهة كحلٍ أخيرٍ إذا لزم الأمر.

نسأل الله أن لا تطول الفترة الانتقالية أكثر مما طالت وأن لا يتحول حُلمنا، بقيام دولة ديمقراطية لكل الليبيين، إلى كابوس لا نرى فيه إلا القتل والتشريد والتهحير والتدمير. فَهَلِموا بِنا أيُها النُخب المُثقفة وتَنَاسوا توجهاتكم الحزبية أو الجهوية أو القبلية، لنبنيَّ بلداً ديمقراطياً يَسُودُ فيه القانون والعدل والحرية وحقوق الانسان ولا يُقْصَى فيه أحد مِهْما كان تَوَجُهَهُ و خَلْفِيتَهُ الاجتماعية أو السياسية أو الدينية... حفظ الله ليبيا.

د. فرج أحمد قرمان
fargarmn@yahoo.com 

كلمات مفاتيح : مقالات ليبيا المستقبل،
لا تعليقات على هذا الموضوع
آخر الأخبار
إستفتاء
هل تؤيد دعوة مجلس النواب الليبي لإجراء انتخابات برلمانية ورئاسية؟
نعم
لا
الإنتخابت لن تغير من الامر شئ
الوضع الأمني لن يسمح
لن تفيد بدون تسوية سياسية أولا
التوافق على دستور اولا
كود التحقق :
+
إعادة
لمتابعة ليبيا المستقبل
جميع المقالات والأراء التي تنشر في هذا الموقع تعبر عن رأي أصحابها فقط، ولا تعبر بالضرورة عن رأي إدارة الموقع