مقالات

عطية صالح الأوجلي

الهروب إلى الفردوس

أرشيف الكاتب
2017/01/11 على الساعة 11:21


"يكتب السيد يوسا رواياته بشكل مبدع يأخذ بأنفاس القارئ بانتقاله من الماضي للحاضر وبحبكاته المثيرة. (مجلة الايكونومست البريطانية)

على بعد صفحات من الفصل الأول أمسكت هذا الرواية بتلابيبي..اقتحمت عقلي.. وجرتني عنوة إلى عالمها... فوجدت نفسي ألهث داخل كتاب حافل بالغرائب... من شوارع باريس.. إلى مصانع لندن... ودارات البيرو... ورش، مستشفيات، بيوت خيرية، مراكز شرطة، دور مجانين وملاجئ أيتام… مصانعِ، سجون، أحياء فقيرة، مباغي وشخوص مطحونة بائسة.

نص مذهل.. يخطف الأنفاس.. ويأسر الانتباه

رواية تثير وبشكل خفي أسئلة عن الحياة، عن الفن، عن العلاقات الحميمة، عن المثاليات وبشكل رئيسي عن أحلام وعذابات النفوس القلقة... عن بحثها المضني عن فردوس ما.. عن خلاص جماعي.. أو فرار فردي. عن التحالف مع الآخرين من أجل التحرر أو الانغماس في الملذات الحسية. أسئلة تهيمن على حياة البشر عندما يعايشوا التحولات الاجتماعية الهائلة الناجمة عن تفكك وانهيار المجتمعات القديمة والاضطرابات والتقلبات المصاحبة لانبعاث المجتمعات الجديدة. تلك هي رواية "الفردوس على الناصية الأخرى" للكاتب البيروي الكبير ماريو برغاس يوسا التي تخبرنا بأسلوب سلس عن حياة شخصيتين جمعتهما رابطة الدم وروابط أخرى. حفيد وجدة طارد كل منهما بهوس محموم.. "فردوسه".. ليعيش عذابات لا تنتهي وينتهي بإحباط موجع وهزيمة مذلة. نفوس متمردة قلقة مبدعة منحرفة حالمة واهمة. نفوس تبحث عن بعض من العدالة وشيء من المساواة.. نفوس تسعى للهروب من واقع مرير عبر شحنات الأمل المستحيل؟ ولكن.. ألم تكن كل النفوس الكبيرة هكذا؟

في 462 صفحة و22 فصلا يُنسج الكاتب بمهارة فائقة قصّتين يَبْدو لأول وهلة أَنْه لا علاقة لأحدهما بالأخرى. بتناوب بين الفصول يعيد حياة كل من الرسام الشهير "بول جوجان" وجدته "فلورا تريستان". الجدة التي ولدت لأب بيروي وأم فرنسية من زواج لم يتم الاعتراف به قانونيا فتحمل وزر عدم شرعيتها طيلة حياتها. مات أبيها وهي في السنة الرابعة من عمرها. وزوجتها أمها من رجل مسخ أحال حياتها إلى جحيم بين مطاردات.. وخطف أبناء... وانتهاء بمحاولة اغتيال. هذه المرأة المذهلة حولتها آلامها إلى مناضلة ثورية تسعى للمساواة بين الجنسين والى خلاص الطبقة العاملة والى تأليف عددا من الكتيبات. ترصد الرواية بتفاصيل تنبض بالحياة السنوات الأخيرة لحياة هذه المناضلة حتى موتها في بوردو عام 1844. كما تَرْوي الفصولُ الأخرى قصّةُ حياة الرسّامِ غوغان في تاهيتي وجزر الماركيزات مِنْ 1892 حتى موتِه في 1903. تشترك الشخصيتان في العناد وامتلاك روح المثابرة وبالنفس المسكونة برؤيا محددة لا تمتلك منها فكاكا. يهرب كلاهما من الحياة العائلية ومن الأطفال سعيا وراء فردوسه. فجوجان يلفظ وراءه مهنة ناجحة كسمسار في بورصة باريس وزوجة دنمركية وأطفال ليستقرَّ في تاهيتي بحثا عن حياة بدائية ووحشية ووثنية بعيدا عن هيمنة المؤسسات الدينية والرسمية وربما هربا من علاقته الغامضة مع الرسام الهولندي فان غوخ الذي كان دائما يشير إليه "بالمجنون".

حان وقت تغيير العالم...

أما الجدة فلورا فتغادر إلى لندن هربا من مطاردة زوج بائس، ومن ثم إلى البيرو سعيا وراء أرث لن تناله. وقد ساهمت رحلاتها تلك ومشاهداتها للتناقض الصارخ بين حياة البذخ التي يعيشها أقرباؤها في البيرو وحياة البؤس التي يعيشها المعدمون. ساهمت في تشكيل رفضها لقيم المجتمع وفي انبعاث روحها المتمردة. فتكرس حياتها لخدمة الإنسانية ولخلق جنة على الأرض للطبقة العاملة مسترشدة بالأفكار والأحلام الطوبائية التي كانت شائعة أبان النصف الثاني من القرن التاسع عشر بأوروبا التي كانت تعيش مخاضها وكانت الحياة فيها تبدو مفتوحة لكافة الاحتمالات. كانت الحياة الفكرية والسياسية تشاهد اضطراب شديد وصراعات هائلة بين قوي محافظة تسعى لتأكيد هيمنتها، وقوى جديدة تتنامى في تحدياتها لها. في هذه البانوراما النابضة بالحياة والتعقيد بذلت فلورا جهود مضنية وتضحيات جسام تخلت إبانها حتى عن أطفالها سعيا وراء حلمها بالخلاص السلمي للطبقة الكادحة من عذاباتها التي تبدو بلا نهاية.

لماذا تتكالب المحن علي؟

أوروبا هذه القارة العجوز الفاسدة تطاردني حتى في جنتي.. لقد تركت جحيمكم.. فلما تطاردونني في جنتي؟ ربما هذا ما راود بول غوغان وهو يعايش الإحباط تلو الأخر في الفردوس الباهت الذي تحول إلى مستعمرة أروبية وميدان لتنافس بعثات التبشير الكنائسية. كانت أولى صدماته عندما قذف جسده العاري في جدول الماء ليعنفه رجل الشرطة ويتهمه بالإساءة إلى الأخلاق العامة. عندما غادر بول غوغان إلى تاهيتي في 1890، كَانتْ أوروبا قَدْ أَصْبَحتْ لديه مكان منحط بائس، مهووس بالماديةِ، فارغ مِنْ الروحانيةِ، أفسدَته الصِناعةِ. كان قناعته قد رسخت بأن... "الرسم يجب أن يكون تعبيرا عن كلية الكائن البشري: ذكائه، مهارته الحرفية، ثقافته. ولكنه يجب أن يكون كذلك، تعبيرا عن معتقداته، غرائزه، رغباته وأحقاده"… كان يحلم بالهجرة إلى مكان بدائي بحثا عن سعادة الحياة البدائية وإيقاعها الحسي. مكان مسكون مِن قِبل الهمج الأبرياءِ النبلاءِ. مكان يزخر بالمناظر الطبيعية العذراء يتيح له أَنْ يُنقّي ويُجدّدَ الفن.. يسمح له بأن يطلق الفن من أسره في القالب الضيق الذي حبسه فيه الفنانون والنقاد.... يجب الانفتاح على العالم، الاختلاط بالثقافات الأخرى، والتهوية برياح أخرى. البحث عن البدائيين لتعلّمُ أسرارَهم والاشتراك في جنتِهم الدنيويةِ. هذه الرؤية الغارقة في المثالية كانت تسير في خط معاكس لما كانت أوروبا تسعى إليه. وكان الصدام بين الرؤى حتميا.. ومأساويا.. وأن تخللته لحظات لا تخلى من الطرافة. في نهاية رحلته.. أدرك وهو يراقب مجموعة من البنات الصغيرات المحليات يقفن في دائرة في وسطها بنت مغمضة العينين.. تقترب منهن.. تسأل إحدى زميلاتها شيئا..ثم تبدل المكان معها بسرعة.. وهكذا... ما الذي تسأل عنه الطفلة مغمضة العينين؟ و ما الذي يجبن به زميلاتها حين يصرفنها؟… تكهن العبارات... - هل الفردوس هنا؟ - كلا.. ليس هنا.. اذهبي واسألي عنه في الناصية الأخرى… أنهن يلعبن لعبة الفردوس. أنه يدرك هذه اللعبة جيدا.. طيلة حياته لم يلعب سوى هذه اللعبة... البحث عن الفردوس. أدرك أنه أضاع عمره بحثا عن هذا الفردوس.. الذي هو ربما على الناصية الأخرى. أدرك أنه لم يعثر عليه... تسأل وبحرقة.. أهو موجود... أم انه نار كاذبة... سراب أ كنت يا غوغان تطارد وهما من الأوهام؟… ربما...

فردوس يوسا...

الرواية تطرح من خلال سردها عددا من التساؤلات حول إشكالية التعامل مع التاريخ ومتى تصبح الرواية مجرد توثيق وسرد لحياة شخوصها... ومتى تكون عملا إبداعيا يمزج الخيال بجزئيات الواقع. كيف لنا أن نرصد تلك العلاقة الملتبسة بين الخيال والواقع،؟… يرى يوسا "أن الخيال يشكل ضرورة حيوية للروائي ليس فقط من أجل جماليات الرواية، وإنما لكونه يفسح المجال لنسج حيوات خيالية تعلن رفضها للحياة الواقعية وانتقادها لها، أي رفض الكاتب لظروف الواقع، ورغبته في استبدالها عن طريق المخيلة التي تتيح لـه تشكيل الحياة وفق طموحاته، فيبدو التخيل تعويضاً عن بؤس الواقع، الذي بدأ الكاتب يعيشه بطريقة غير مباشرة أقرب إلى الذاتية، أي إلى حياة الأحلام والتخيلات!".(1) إن التخيل، كما يراه يوسا، أكذوبة تخفي حقيقة عميقة، إنه الحياة التي لم تكن، والتي يتوق إليها المرء دون أن يحصل عليها، لهذا كان عليه اختلاقها عبر المخيلة والكلمات من أجل إخماد الطموحات التي عجزت الحياة الحقيقية عن إشباعها، ومن أجل ملء الفجوات التي يكتشفها المرء فيما حوله، فيحاول ملأها بأشباح يصنعها بنفسه، مبتعداً عن التاريخ واليومي، وباحثاً عن الحلم!‏(2) ما لذي يجعل من حياة بول وفلورا رواية؟.. يجعله كونها رفضت واقعا معينا وعبرت عن انتقادها له باستبداله في مخيلتها بحياة أخرى تشكلت وفق أحلامها وطموحاتها. هنا يكون التخيل تعويضا عن واقع بائس مرير. ففردوس فلورا الطوبائي الذي يختفي فيه التعسف والاضطهاد وتسوده المساواة بين الجنسين ويتحرر فيه العمال هو رفضها بالحلم لواقع بائس مرير. أما بول فقد أختار حلم الجنة البدائية الوثنية المتحررة كتعبيرا عن مقته لقيم المجتمع البرجوازي الذي كان عام عامه الثلاثين جزء منه. يقول يوسا… "لقد كانت فلورا تريستان شخصية روائية حقيقية من دون 'جميلي'...".(3)

ما الذي شد الكاتب إلى شخوص روايته.. يمكننا بالطبع التخمين وطرح عدد من الاحتمالات.. ولكن يبدو منطقيا أن يوسا رأي في فلورا تريستان جزء من حياته وهو يطارد أحلامه السياسية ويخوض المعارك واحدة تلو الأخرى لينهي مغامراته بفشله في انتخابات رئاسة الجمهورية بالبيرو وفي فوز خصمه فيجموري عليه. ولسوف يقول لا حقا "لم تؤمني الهزيمة بقدر ما ألمني تحول أنصاري عنى إلى معسكر الخصم." ربما شده الترحال والغربة فيوسا الذي أمضى جزء من طفولته في بوليفيا بعيدا عن أبية، وأمضى جزء أخر من حياته في اسبانيا وفرنسا وبريطانيا يدرك بشكل عميق الهواجس والأحلام والإثارة والقلق المصاحب للغربة. وربما كان بحثه هو الأخر عن فردوس ما بعيدا عن جحيم الحياة العائلية (فشل أبيه في التجارة والعنف المنزلي الذي لازم ذالك الفشل) هو الذي دفعه الالتحاق بالكلية العسكرية ليعاني خيبات الأمل فيها. وسوف يتحدث عن هذه التجربة في روايته "المدينة والكلاب". ربما كانت الجذور البيروية لكل من غوغان وتريستان قد أسهمت في شده إليهم. ربما كان أحد الدوافع فى هو اهتمام الكاتب بدراسة وتحليل اليوتوبيا... تعددت الاحتمالات.. ولن نعرف درجة الصواب فيها ولكننا بتأكيد سنعرف من خلال هذا العمل كيف نجح يوسا من أن يمزج بعبقرية بين مخيلة الروائي المبتكر وتوثيق كاتب السيرة الملتزم.

هذا العمل شأن بقية أعمال الكاتب قد أستنفذ أربعة سنوات من عمره. فالكتابة بالنسبة ليوسا عبودية مختارة وعملاً دؤوباً، نشاط دائم يشغل الوجود، ويستغرق الساعات التي يكرسها أحدنا للكتابة…"إن من يتبنى هذا الميل الجميل والممتع لا يكتب ليعيش، بل يعيش ليكتب."(4) الكتابة هي قبل أي شيء تأمل وحوار ذو أبعاد داخلية وخارجية. أنها حوار الكاتب مع العالم ومع ذاته. يشغل الجنس في هذه الرواية حيزا مهما حيث يوظفه الكاتب لتحليل شخوصه فهو عند فلورا تعبير عن هيمنة الذكور على الإناث. فتعاملها معه ينطوي على رفض وتمرد وخروجا عن المألوف. بينما هو لدى الرسام المتمرد هو طاقة حيوية ومكون من مكونات العملية الإبداعية.

الكاتب كاتب الرواية هو أيضا كاتب مسرحي، صحفي، ناقد أدبي، يعتبر أحد الكُتّابِ الكبار للأدب المكتوب باللغة الاسبانية. وبالرغم من كونه بَدأَ مهنته الأدبية في أوروبا فأن أغلب رواياتِه تَحْلُّ بيرو. تميزت أعمالِه الأولى بتقنياتِ طليعيةِ حدد هدفها بسعيها لخَلْق "جمال مضاعف عن جمال العالم الحقيقي". وبالرغم من كون كتاباته صوتا يعري الفساد السياسي، يفضح التعصب العنصري والعنف، فأنه يؤمن بأن الكاتب لا يَجِبُ أبَداً أنْ يَوصي أَو يُساومَ أو يخضع أعماله الفنيةَ للدعايةِ الأيديولوجيةِ.

في حديث ليوسا حول فيكتور هوجو يقول... "فحياة فيكتور هوجو خيال معاش ولقد قام بأشياء متنوعة للغاية وكان عدة أشخاص في شخص واحد، يعطي الإحساس بأن المرء يقف أمام شخصية روائية. إنها حياة منوطة إلى حد كبير بالتاريخ وبكل ما تعنيه الحياة العامة، التي كان له فيها دائماً دور بارز من الطراز الأول، ليس فقط ككاتب وإنما كشخصية مدنية وكنوع من الضمير الأخلاقي الذي كان يراجع دوماً وكان رأيه مسموعاً في جميع الميادين."… أتسأل... أكان يوسا يحدثنا هنا عن هوجو... أم كان يحدثنا عن نفسه.

عطية صالح الأوجلي

الحواشي:

(1) ماريو فارغاس يوسا د. ماجد حمودة – مجلة الموقف العربي العدد 415 تشرين الثاني 2005‏.

(2) المصدر السابق.

(3) حوار مع الروائي البيروفي الكبير ماريو فارغاس يوسا – جومانا حداد - دروب 18 يوليو 2005.‏

(4) ماريو بارغاس يوسا "رسائل إلى روائي شاب" ترجمة الأستاذ صالح علماني، دار المدى، دمشق، ط1، 2005.‏

* ماريو بارغاس يوسا "الفردوس على الناصية الأخرى"، ترجمة الأستاذ صالح علماني، دار المدى،دمشق، ط 1، 2004.

باهي | 13/01/2017 على الساعة 22:24
المدرسة الواقعية تبحث عن الفردوس في هذه الدنيا، بينما المنبوذون في الارض يبحثوها عنها في السماء،،،!
الفن الجيد كمثل كل الفنون كانت داءماً مزيج من الواقع والخيال. ولكن فناني أمريكا للاتينية وبالخصوص قصاصيها نبغوا وأجازوا فى هذا المضمار . ماركيوز كان من أشهر هذه المدرسة التي سُميت "بالواقع السحري" أين يمتزج الواقع والخيال فى نسيج واحد يغذي كل منهما الاخر. فلوسا ليس شاذا على هذا التقليد الذي أغنى الثقافة واللغة الاسبانية ومن ثم الانسانية جمعاء. فإذا كان هدف الفن ان يبحث فى الظرف الإنساني فانه بالتالي يواجه هذا المصير ويعالج هذه الحقيقة المرة بالاحلام السعيدة . ذالك ما فعله هذا الكاتب اليميني الميول في اتاحة الفرصة لشخصيات ريوايته ان يبحثا كلاً عن فردوسه حسب مزاجه او بالأحرى حسب معطيات ظروفه. انه من كبار كتاب الرواية، على الرغم من انه سياسي فاشل. شكراً. باهيهن
آخر الأخبار
إستفتاء
هل انت موافق علي اقتراح مجموعة من النواب تغيير علم ليبيا ونشيدها الرسمي؟
نعم
لا
لا بد من استفتاء الشعب
كود التحقق :
+
إعادة
لمتابعة ليبيا المستقبل
جميع المقالات والأراء التي تنشر في هذا الموقع تعبر عن رأي أصحابها فقط، ولا تعبر بالضرورة عن رأي إدارة الموقع