مقالات

عمر النعاس

ولاية القضاء الإداري على أعمال الهيئة التأسيسية

أرشيف الكاتب
2017/01/10 على الساعة 22:35

(دراسة توضيحية وتعليق على حكم)

أصدرت الدائرة الادارية بمحكمة استئناف البيضاء في الدعوى رقم (65/2016م- بجلستها المنعقدة بتاريخ 7-12-2016م) حكماً مضمونه: إلغاء القرار الذي أصدرته الهيئة التأسيسية بالتصويت عليه يوم 16/4/2016م وذلك بتعديل (المادة 60 من اللائحة الداخلية). وقد كان الهدف من التعديل هو تحقيق النتيجة التي من أجلها اُنتخبت الهيئة التأسيسية وهي إقرار مشروع الدستور لطرحه على الشعب الليبي للاستفتاء عليه لقبوله أو رفضه. ولم تقم الهيئة بإجراء هذا التعديل إلا للضرورة والتي تمثلت في مقاطعة بعض الأعضاء لأعمال الهيئة التأسيسية من خلال إصدار بيان بذلك بتاريخ 28 يناير 2016م وعدم حضورهم لجلسات الهيئة التأسيسية بمقرّها بمدينة البيضاء، الأمر الذي ترتّب عليه عدم اكتمال النصاب لاتخاذ أي قرارات تتعلق بالعملية الدستورية، مما أوجد الحاجة لإجراء التعديلات اللازمة على اللائحة الداخلية لإنجاح العملية الدستورية والمسار الديمقراطي. سنحاول في هذه الدراسة تقدير مدى الاختصاص الولائي للقضاء الإداري وبسط رقابته على أعمال الهيئة التأسيسية، مع التعليق على حكم المحكمة وذلك كالآتي:

- الورقة الأولى: التعريف بالقضاء الاداري والقرار الإداري.
- الورقة الثانية: تعريف الإدارة وعلاقتها بالسلطة التنفيذية.
- الورقة الثالثة: طبيعة الهيئة التأسيسية فقهاً وقضاءً.
- الورقة الرابعة: الاختصاص الدستوري للقضاء الليبي.
- الورقة الخامسة: التعليق على الحكم.


الورقة الأولى: التعريف بالقضاء الإداري والقرار الإداري

أولاً: القضاء الإداري

نص القانون رقم 88 لسنة 1971 بشأن القضاء الإداري على اختصاص القضاء الإداري حصريا في المسائل التي تتعلق بالوظيفة العامة والمراكز القانونية التي تنشئها القرارات الإدارية الصادرة عن جهة الإدارة الخاضعة للسلطة التنفيذية وقرارات السلطات التأديبية ودعاوى الجنسية. ونصّ في مواده على الآتي:

مادة (2): "تختص دائرة القضاء الإداري دون غيرها بالفصل في المسائل الآتية:

1- المنازعات الخاصة بالمرتبات والمعاشات التقاعدية والمكافآت المستحقة للموظفين العامين أو المستحقين عنهم.

2- الطلبات التي يقدمها ذوو الشأن بالطعن في القرارات الإدارية النهائية الصادرة بالتعيين في الوظائف العامة أو بالترقية أو بمنح العلاوات.

3- الطلبات التي يقدمها الموظفون العامون بإلغاء القرارات النهائية للسلطات التأديبية.

4- الطلبات التي يقدمها الموظفون العامون بإلغاء القرارات النهائية الصادرة بإحالتهم إلى التقاعد أو الاستيداع أو فصلهم بغير الطريق التأديبي.

5- الطلبات التي يقدمها الأفراد أو الهيئات بإلغاء القرارات الإدارية النهائية.

6- دعاوى الجنسية.... ".

مادة (6): "لا تختص دائرة القضاء الإداري بنظر الطلبات المتعلقة بأعمال السيادة ولا تقبل الطلبات المقدمة من أشخاص ليست لهم فيها مصلحة شخصية مباشرة.... ".

الخلاصة: جاء اختصاص القضاء الإداري حصريا، ويمارس رقابته على أعمال الإدارة ذات العلاقة بالوظيفة العامة والتي تمارسها السلطة التنفيذية من خلال وظيفتها الإدارية. ولا تقبل الطلبات المتعلقة بأعمال السيادة (وهي الأعمال التي تمارسها السلطة التنفيذية بصفتها السيادية)، ولا تقبل الطلبات المقدمة من أشخاص ليست لهم فيها مصلحة مباشرة.

ثانياً: تعريف القرار الإداري

القرار الاداري في مفهوم النظام العام للدولة (فقهاً وقضاءً) هو القرار الذي تصدره جهة الادارة وهي التي تتبع السلطة التنفيذية، والذي جاء تعريفه فقهاً وقضاءً متطابقاً بدرجة كبيرة وذلك كالآتي:

1- موقف الفقه: عرّف الفقهاء القرار الإداري، وعلى سبيل المثال التعريفات الآتية: عرّفه "رفيرو" بأنه العمل الذي بواسطته تقوم الإدارة باستعمال سلطتها في تعديل المراكز القانونية بإرادتها المنفردة". (د. محمد كامل ليله - الرقابة القضائية على أعمال الإدارة - دار النهضة العربية - بيروت- 1970 - ص 948). وعرَّفه د.عبد الغني بسيوني عبد الله، بأنه "عملٌ قانوني نهائي يصدر من سلطة إدارية وطنية بإرادتها المنفردة وتترتب عليه آثار قانونية معينة" (د. عبد الغني بسيوني عبد الله، وقف تنفيذ القرار الإداري، الإسكندرية، ص 40)

2- موقف القضاء: عرّفت المحكمة العليا القرار الإداري القابل للطعن بالإلغاء كالآتي: "القرار الإداري هو إفصاح الإدارة في الشكل الذي يحدّده القانون عن إرادتها الملزمة بما لها من سلطة عامة بمقتضى القوانين واللوائح، وذلك بقصد إحداث مركز قانوني معيّن متى كان ذلك ممكناً وجائزاً قانوناً وكان الباعث عليه ابتغاء مصلحة عامة". (طعن إداري 1/1ق - بتاريخ  5-4-1954)

الخلاصة: من خلال التعريفات السابقة للقرار الإداري سواء من (الفقه أو القضاء)، يتّضح أنه هناك شروطاً من الواجب توافرها في القرار الإداري، وبدونها تنتفي فكرة القرار الإداري، وهذه الشروط هي:

1/  أن يصدر القرار من سلطة إدارية وطنية.
2/  صدور القرار بالإرادة المنفردة للإدارة.
3/  ترتيب القرار لآثار قانونية. ( إحداث مركز قانوني ).


الورقة الثانية: تعريف الإدارة وعلاقتها بالسلطة التنفيذية

أولاً: تعريف الإدارة فقهاً

يقول المستشار د/ خليفة الجهمي في مؤلفه (أحكام ومبادئ القضاء الإداري الليبي ط2009): "تمارس الدولة أوجه نشاطها الإداري في شتي مناحي الحياة العامة، عن طريق الإدارة، التي هي فرع من السلطة العامة في الدولة". ويقول:" يقصد بمبدأ المشروعية من زاوية القانون الإداري، خضوع جميع الأعمال القانونية والمادية الصادرة عن السلطة التنفيذية في الدولة، ممثلة بأداتها الإدارية، للقواعد القانونية القائمة أياً كان شكلها أو مصدرها". (د. خليفة الجهمي- أحكام ومبادئ القضاء الإداري الليبي-  ص9، ص11) ويقول د/ سليمان محمد الطماوي في مؤلفه (النظرية العامة للقرارات الإدارية- ط1957): "ثانيا: خضوع الإدارة للقانون: لما كانت وظيفة السلطة التنفيذية- وفقا لمبدأ الفصل بين السلطات- تقتصر على تنفيذ القانون، فيجب على السلطة التنفيذية في أدائها لوظيفتها الإدارية، أن تحترم  إرادة المشرع..". (د. سليمان الطماوي- النظرية العامة للقرارات الإدارية ص 10، 20، 24). ويقول د/محمد رفعت عبدالوهاب في مؤلفه (القضاء الاداري- الكتاب الاول- ط2005): ".. ونأتي الآن للسلطة التنفيذية التي تجمع تحت لوائها ما نسميه بالسلطات الإدارية أو بإيجاز الإدارة. ولا شك في أن خضوع السلطة التنفيذية وفروعها من السلطات الإدارية لأحكام وقواعد المشروعية ليعتبر أمراً أكثر لزوما على الإطلاق."  ويقول: "وإذا ما تجاوزت قرارات السلطة التنفيذية أو الإدارة قواعد القانون، لا بد  من وجود جزاء فعال. هذا الجزاء يتمثل في إمكانية الغاء القرارات المخالفة للقانون...". (د. محمد رفعت - القضاء الإداري ك1 - ص 15) ويقول د/ صبيح مسكوني في مؤلفه (القضاء الإداري في الجمهورية العربية الليبية- ط1974): "بينّا أن من عناصر "الدولة القانونية" هو مبدأ المشروعية. وحيث أنه لا يهم موضوعنا إلا الجانب الإداري لأعمال الدول، لذا يقتضي منا تحديد المراد بالمشروعية الإدارية. التي تعني خضوع الأعمال القانونية والأعمال المادية الصادرة عن السلطة التنفيذية ممثلة بأداتها الإدارية للقواعد القانونية القائمة، أياً كان شكلها أو مصدرها". (د. صبيح مسكوني- القضاء الإداري في الجمهورية العربية الليبية- ص11)

ثانياً: تعريف الإدارة قضاءً (تعريف المحكمة العليا)

عرّفت المحكمة العليا العمل الإداري كونه عمل من أعمال الإدارة، وأن الإدارة هي جزء من السلطة التنفيذية، وهذا ما أقرّته المحكمة في قرارها الصادر في جلستها بتاريخ 5/4/1954م وجاء كالتالي: "العمل الإداري في عموم لفظه هو عمل من أعمال السلطة التنفيذية، والفقه الحديث على اتفاق بوجود معيارين أحدهما موضوعي يعوّل على كنه وطبيعة العمل في ذاته، والمعيار الثاني شكلي والمعوّل عليه فيه السلطة التي أصدرت العمل، فإن كان صادراً من البرلمان فهو عمل تشريعي وإن كان العمل صادراً من فرد أو هيئة إدارية ذي سلطة تنفيذية فهو عمل إداري، وإذا كان الأمر به من أحد الهيئات التابعة للقضاء فهو عمل قضائي. وجمهور الفقهاء متفق على أن الممّيز الشكلي هو المعتبر وخاصة في تعرف الأعمال التي يجوز للقضاء إلغاؤها أو إبطالها". (قضاء المحكمة العليا -  طعن إداري رقم (1/ 1ق).

الخلاصة:  كل هذه التعريفات والآراء الفقهية وحكم المحكمة العليا تؤكد على أن: (الإدارة هي جزء من السلطة التنفيذية، وأن قرارات هذه الإدارة  تخضع لرقابة القضاء الإداري).


الورقة الثالثة: طبيعة الهيئة التأسيسية

أولاً: الطبيعة الدستورية للهيئة التأسيسية

النص الدستوري يقع في أعلى مراتب النظام القانوني للدولة، ومن الواجب التقيّد بالنصوص الواردة في الإعلان الدستوري الصادر يوم 3 / 8 / 2011م، وتعديلاته، والتي جاء فيها تعريفاً دستورياً واضحاً للهيئة  مفاده (أن الهيئة جسم دستوري مستقل منتخب من الشعب مهمته الانتقال بالبلاد من مرحلة انتقالية إلى مرحلة استقرار من خلال صياغة مشروع دستور دائم للبلاد، وتسمّى: (الهيئة التأسيسية لصياغة الدستور) وذلك على النحو الآتي:

الإعلان الدستوري المؤقت الصادر يوم 3 أغسطس 2011: المادة (30) بند 6 فقرة (2) نصها كالاتي: (( يقوم المؤتمر الوطني العام في مدة لا تتجاوز ثلاثين يوماً من أول اجتماع له بالآتي: 1/..... 2/ اختيار هيئة تأسيسية لصياغة مشروع دستور للبلاد "تسمى الهيئة التأسيسية لصياغة الدستور"،...)). كما نصت التعديلات الدستورية اللاحقة وآخرها التعديل الدستوري السابع بتاريخ 11 مارس 2014م، فقرة 10/ب على ذات المسمّى وجاء فيه: "إعادة تشكيل المفوضية الوطنية العليا لانتخاب هيئة تأسيسية بطريق الاقتراع الحر المباشر من غير أعضائه لصياغة مشروع دستور دائم للبلاد تسمى الهيئة التأسيسية لصياغة الدستور". يستنتج منه: أن كل هذه النصوص الدستورية تؤكد على تعريف الهيئة وأنها منشأة بنص دستوري تحت مسمى "الهيئة التأسيسية لصياغة الدستور"، وأن مهمتها هي التفرّغ التام لإصدار مشروع دستور بكل استقلالية وحياد دون خضوعها لأي أجسام قائمة خلال المرحلة الانتقالية ولا تخضع لأي سلطة أو قوانين، وأن من يملك محاسبتها على أعمالها المنتخبة من أجلها هو الله عزّ وجلّ، ثم الشعب الليبي. وبكل تأكيد ليس هناك أي نص دستوري أو قانوني يشير إلى أن الهيئة التأسيسية لها أي سلطة تنفيذية، أو أنها جهة إدارية عامة تابعة للسلطة التنفيذية.

ثانياً: الطبيعة التأسيسية للهيئة التأسيسية (السلطة التأسيسية الأصلية)

يتفق الفقه الدستوري على أن السلطة التأسيسية تصدر دستوراً وفق أسلوبين هما: الأسلوب الأول- أسلوب الجمعية الوطنية التأسيسية (هيئة منتخبة من الشعب): تقوم السلطة الحاكمة المؤقتة بالعمل على أن ينتخب الشعب جمعية وطنية (هيئة تأسيسية) تحوز على ثقته ويخوّلها كافة السلطات من أجل وضع الدستور الدائم للبلاد. وهذا الأسلوب تم اتباعه  مؤخرا في تونس: حيث انتخب الشعب التونسي سنة 2011 (المجلس الوطني التأسيسي) والذي أصبح هو السلطة العليا في الدولة وقام بتكليف رئيس للدولة وحكومة، كما أصدر المجلس التأسيسي دستور سنة 2014، وأصبح دستورا نافذً، وأصدر قانون الانتخابات العامة التشريعية، والرئاسية. وتم تسليم السلطة بعد ذلك للسلطات الدستورية المنتخبة وفقاً لأحكام الدستور.

الأسلوب الثاني- أسلوب الاستفتاء الدستوري (لجنة تختارها السلطة الحاكمة): من المتفق عليه هو أن أعضاء ( لجنة الدستور أو الهيئة) الذين يتم تعيينهم من قبل السلطة الحاكمة هم عادة من المتخصصين الأكفاء في الشأن الدستوري، ويكتبون مشروع دستور لعرضه على الشعب لاستفتائه وموافقته عليه بالأغلبية المطلوبة حتى يصبح دستوراً نافذا. وعمل بهذا الأسلوب في مصر بإصدار دستوري (2012، 2014).

الأسلوب الليبي الوارد في الإعلان الدستوري (الدمج بين الأسلوبين): هذا أسلوب فريد من نوعه دمج بين الأسلوبين، ولم يرد في كتب الفقه الدستوري وصناعة الدساتير. حيث أن هناك هيئة تأسيسية منتخبة انتخابا حراّ مباشراً من الشعب، ولكنّها مقيّدة بإصدار مشروع دستور يتم الاستفتاء عليه من الشعب الليبي بأغلبية ثلثي المقترعين. وهذه تجربة جديدة وفريدة لصناعة الدساتير ستكون محلّ دراسة فقهاء القانون الدستوري والمهتمين بصناعة الدساتير في العالم.

وتتميز السلطة التأسيسية الأصلية بالخصائص التالية:

- سلطة أولى: تضع الدستور الذي ينشئ كل السلطات في الدولة.  

- سلطة مطلقة: تتمتع بحرية تامة وغير مشروطة في مجال ضبط محتوى الدستور الجديد فهي سلطة غير مقيّدة تستطيع أن تختار النظام السياسي ونظام الحكم الذي تراه صالحا.

- سلطة يمكن أن تكون متعددة الاختصاصات: تختص السلطة التأسيسية بوضع الدستور لكن يمكن لها في بعض الأحيان أن تتعدى هذه المهمة الدستورية، مثلا أن المجلس التأسيسي التونسي تجاوز صلاحياته الدستورية وتولّى مهام التشريع.

1- رأي الفقه في السلطة التأسيسية:

تؤكد كتب الفقه الدستوري على أن (السلطة التأسيسية) هي أعلى سلطة في الدولة وأنها لا تخضع لرقابة أي جسم في البلاد وتعلو كل السلطات، ولا تخضع للقوانين النافذة، وفي هذا الشأن يقول د/ سليمان محمد الطماوي في مؤلفه - (النظرية العامة للقرارات الإدارية- ط1957): "واستقلال الإدارة بشيء من الحرية في التصرف ليس بدعا في ذاته: فجميع السلطات العامة في الدولة تتمتع بقدر من الحرية في التصرف يختلف ضيقا واتساعا بحسب الأحوال، مما دعا الفقهاء إلى التحدث عن السلطة التقديرية للهيئة التأسيسية، والسلطة التشريعية، والسلطة القضائية.". ويقول: "فالسلطة  التأسيسية (المؤسسة) هي التي تضع دستور الدولة، وتحدد بمطلق حريتها، ودون قيد ما، شكل الدولة ونظام الحكم فيها، وحريات الأفراد، واختصاصات السلطات العامة، وعلاقتها بعضها بالبعض الآخر، وفقا لظرف الدولة السياسية والاجتماعية والاقتصادية، وإذا كان المثل الأعلى أن يجيء عمل السلطة التأسيسية صورة صادقة لرغبات الشعب، فإنه لا جزاء على مخالفة السلطة التأسيسية لتلك الرغبات،...". ويقول: "وإذا كانت مبادئ القانون الدولي العام قد تفرض قيودا معينة على السلطات التأسيسية إما مراعاة لمصالح الدول الأخرى، أو لحريات الأفراد، فإنه لا جزاء حتى الآن على مخالفة هيئة تأسيسية ما لتلك الالتزامات...". ويقول: "وغني عن البيان أن هذه الحرية - التي لا تعرف الحدود، ولا تخضع لرقابة - أبعد ما تكون عن السلطة التقديرية التي تتمتع بها الإدارة، وهي فكرة قانونية محصورة في حدود مرسومة، وتخضع لرقابة القضاء إلى مدى معلوم. ولهذا فإنه لا محل للتحدث عن السلطة التقديرية للهيئة التأسيسية". ويقول: "حرية السلطة التشريعية: تتمتع السلطة التشريعية في ممارسة اختصاصها بحرية واسعة، ولكنها ليست مطلقة كما هو الشأن بالنسبة للسلطة التأسيسية: فالمشرع يتقيد بما ورد بالدستور من قواعد..". (د. سليمان الطماوي - النظرية العامة القرارات الإدارية -  ص24، 25)

2 - أحكام القضاء في طبيعة الهيئة التأسيسية

أ- أحكام القضاء المقارن: تؤكد أحكام القضاء المقارن عدم خضوع الهيئات التأسيسية لأي رقابة من القضاء أو من أي سلطة.

- موقف القضاء المصري: حكم المحكمة الدستورية العليا المصرية: قضية رقم 166 لسنة 34 قضائية المحكمة الدستورية العليا "دستورية" بالجلسة العلنية المنعقدة يوم الأحد، 2 يونيه سنة 2013م، الموافق 23 رجب سنة 1434هـ. وجاء في حكم المحكمة: ".. وحيث إن اختصاص السلطة التشريعية بسَن القوانين - طبقًا للمادة (115) من الدستور - لا يخولها التدخل في أعمال غيرها من السلطات، ومن ثم فلا يكون لها - من باب أولى- التدخل في أعمال السلطة التأسيسية التي تضع دستور البلاد، والتي تملك وحدها وضع الضوابط والمعايير التي تنظم كيفية أدائها للمهمة المنوطة بها...". وجاء قول المحكمة: ".. وهذا المسلك يؤكد أن المشرع الدستوري أراد أن يُخرج جميع مراحل إعداد مشروع الدستور الجديد ابتداءً من اجتماع الهيئة الانتخابية التي عُهد إليها بمهمة اختيار الجمعية التأسيسية والتي تتمثل في الأعضاء غير المعينين بمجلسي الشعب والشورى، ثم اختيار أعضاء هذه الجمعية ومباشرتهم لمهامهم وفق الضوابط التي يضعونها لأنفسهم، دون تدخل من أية سلطة من سلطات الدولة الثلاث التشريعية والتنفيذية والقضائية، وحتى تمام هذه المهمة بوضع مشروع الدستور، وبمراعاة أن عمل هذه السلطة التأسيسية بجميع مراحله سيخضع لرقابة الشعب باعتباره مصدر السلطات جميعًا، يمارسها عند عرض مشروع الدستور للاستفتاء، إن شاء وافق عليه، وإن شاء أعرض عنه..". وتقول المحكمة ما يؤكد استقلال السلطة التأسيسية: "... يؤكد ما تقدّم أن السلطة التأسيسية التي تختص بوضع الوثيقة الدستورية تعلو على جميع سلطات الدولة، إذ هي من نتاج عملها باعتبار أنها السلطة المُنشئة لغيرها من السلطات، ولا يتصور- تبعًا لذلك - أن تخضع هذه السلطة في تكوينها أو مباشرة أعمالها لرقابة أية سلطة من إنشائها...". (الطعن الدستوري رقم 166/34ق - الجريدة الرسمية العدد 22 مكرر 2 يونيو 2013 – السنة 56، ص 23 - 33 )

ملاحظة: جاء حكم المحكمة الدستورية بتأكيد علوّ السلطة التأسيسية وعدم خضوعها لرقابة أي سلطة من إنشائها بالرغم من أن الجمعية التأسيسية  لصياغة مشروع الدستور المصري لم يتم انتخابها مباشرة من الشعب كما هو الحال مع الهيئة التأسيسية المنتخبة من الشعب الليبي، ولكن تم اختيارها من مجلسي (الشعب والشورى).

- موقف القضاء الاداري بتونس (المحكمة الادارية): صدر قرار المحكمة الادارية بتاريخ 26 جوان 2013 تحت عدد 415903،  وطلب فيه المدّعون الاذن بتأجيل وتوقيف تنفيذ القرار الصادر عن رئيس المجلس الوطني التأسيسي القاضي بدعوة الهيئة المشتركة للتنسيق والصياغة. تقول المحكمة: "... أن الفصل 3 من قانون المحكمة الادارية ينصّ على أن: «تختص المحكمة الادارية بالنظر في دعاوى تجاوز السلطة التي ترفع لإلغاء المقررات الصادرة في المادة الادارية». وتقول المحكمة: "أن القرارات الصادرة عن المجلس التأسيسي في اطار مهامه التأسيسية أو التشريعية أو الرقابية أو غيرها من المسائل المتصلة بها تخرج بطبيعتها عن ولاية القاضي الإداري عملا بمبدإ تفريق السلط، ويتضح بالاطلاع على النظام الداخلي أنه نظم مختلف مراحل الدستور انطلاقا من صياغة مشروع الفصول وصولا الى عرض الصيغة النهائية على الجلسة العامة لمناقشتها والمصادقة عليها وفق الفصل 3 من القانون التأسيسي المتعلق بالتنظيم المؤقت للسلط العمومية...". كما تقول المحكمة: "...أن القرارات التي تسبق المصادقة على مشروع دستور هي قرارات متصلة بالوظيفة التأسيسية للمجلس باعتبارها تنصهر في نطاق تسيير أعمال الهياكل التابعة للمجلس التأسيسي وتمثل بذلك إحدى حلقات وضع الدستور..". وأخيراً قالت المحكمة: "... وطالما ان القرارات المطلوب توقيف تنفيذها صدرت في هذا الاطار فإنها تكون خارجة عن ولاية القاضي الاداري مما يتجه معه رفض المطلب إلى عدم الاختصاص..." (الأحكام تم تجميعها واقتباسها من مجلة الشروق الالكترونية التونسية)

الخلاصة: أن أحكام القضاء المقارن تؤكّد بما لا يدع مجالا للشكّ أن السلطة التأسيسية التي تقوم بصياغة مشروع الدستور لا تخضع أعمالها لأي رقابة من السلطات الثلاث (التشريعية، التنفيذية، القضائية) وتحديدا لا تخضع لرقابة القضاء الإداري.

ب- الحكم التقريري لمحكمة الدائرة الادارية بمحكمة استئناف البيضاء: أقرّت الدائرة الادارية بمحكمة استئناف البيضاء في تسبيبها للوضع القانوني للهيئة التأسيسية بأن الهيئة لا تندرج تحت أي من السلطات العامة في الدولة بقولها: "...فلا تندرج هذه الهيئة تحت أياً من السلطات الثلاث "التشريعية، التنفيذية، القضائية" وإنما هي هيئة مكلفة وفق الإعلان الدستوري المذكور...". (حكم الدائرة الادارية بمحكمة استئناف البيضاء في الشق المستعجل في الدعوى 65/ 2016 - بجلستها يوم 9/5/2016- ص5)


الورقة الرابعة: الاختصاص الدستوري للقضاء الليبي

من المسلّم به أن المحكمة العليا بدوائرها المجتمعة (الدائرة الدستورية) هي صاحبة الاختصاص الأصيل والمانع للفصل في المسائل الدستورية. وقد نص القانون رقم 6 لسنة 1982 المعدل بالقانون رقم 17 لسنة 1993 بإعادة تنظيم المحكمة العليا في (المادة 23) على اختصاص المحكمة العليا دون غيرها بالرقابة على الدستورية، وجاء نص المادة 23 كالآتي: (تختص المحكمة العليا دون غيرها منعقدة بدوائرها المجتمعة برئاسة رئيسها أو من يقوم مقامه بالفصل في المسائل الآتية: أولا: الطعون التي يرفعها كل ذي مصلحة شخصية مباشرة في أي تشريع يكون مخالفا للدستور. ثانيا: أية مسألة قانونية جوهرية تتعلق بالدستور أو بتفسيره تثار في قضية منظورة أمام أية محكمة...).

وقد نص القانون رقم 88 لسنة 1971 بشأن القضاء الإداري في المادة الثانية على اختصاص القضاء الإداري حصريا في المسائل التي تتعلق بالوظيفة العامة والمراكز القانونية التي تنشئها القرارات الإدارية الصادرة عن جهة الإدارة الخاضعة للسلطة التنفيذية وقرارات السلطات التأديبية ودعاوى الجنسية. ولم يتضمن اختصاص القضاء الإداري بالنظر في المسائل الدستورية أو بالتطرّق لتفسير الدستور في أي مسألة مطروحة، حيث جاء الاختصاص الحصري والمانع للمحكمة العليا بدوائرها المجتمعة (الدائرة الدستورية).

الورقة الخامسة: التعليق على حكم المحكمة في الدعوى رقم 65 / 2016م

رغم تأكيدي دائما على احترام أحكام القضاء، إلا أن هذا لا يخلّ بحق التعليق على الأحكام القضائية وذلك من خلال البحث والدراسة للإثراء أولاً وللاطمئنان ثانياً. والتعليق على الأحكام هو أحد أهم المراجع التي يقوم عليها أي إجراء لإصلاح القضاء وتطوّره للرقيّ بالمجتمعات والأنظمة السائدة. سأبدأ هذا التعليق استنادا إلى ما تم طرحه من دفوع وإلى التسبيب الوارد في حكم محكمة الموضوع وعلاقة كل ذلك بما تم توضيحه في الأوراق الأربعة السالف ذكرها. وقد تقدّم الدفاع بدفوع جوهرية، لم تتصدّ لها محكمة القضاء الإداري، وهذه الدفوع هي:

أولاً- جاء دفاع الطاعن في الصفحة 7 من حكم محكمة الموضوع مؤكداً على:

(أن الإدارة هي جزء من السلطة التنفيذية في حين أن الهيئة التأسيسية هيئة منتخبة وهي ليست جزء من السلطة التنفيذية ولا تخضع قراراتها لرقابة القضاء الإداري). ومن خلال ما تم توضيحه من تعريفات ومواقف الفقه وأحكام القضاء التي تضمنتها  أوراق هذه الدراسة (الأولى والثانية والثالثة)، يتضح أن محكمة الموضوع لم تتصدّ لهذا الدفع الجوهري، ولم تدحض أو تفنّد قول الدفاع بأن الإدارة هي جزء من السلطة التنفيذية، وأن الهيئة التأسيسية هي هيئة منتخبة ليست سلطة تنفيذية ولا تخضع لها، وهي ليست جهة إدارة تابعة للسلطة التنفيذية.  ولم تبرهن المحكمة في تسبيبها على عكس ذلك، وما استقرّ عليه قضاء المحكمة العليا والقضاء المقارن هو أن أي قصور في التسبيب قد يصم الحكم بالبطلان أو الانعدام. (ومن المسلّم به أن اختصاص القضاء الإداري يقوم على رقابة أعمال الإدارة والتي هي جزء من السلطة التنفيذية وخاضعة لها، ولا رقابة للقضاء الإداري على غير ذلك من السلطات).

ثانيا- عدم اختصاص محكمة الموضوع بالنظر في الطعن دستوري:

جاء في الصفحة 7 من حكم المحكمة دفع جوهري مضمونه كالآتي: "بأن الطعن في حقيقته هو طعن دستوري وليس طعنا إدارياً ذلك لأن الهيئة التأسيسية أنشأها الإعلان الدستوري وهي سلطة منتخبة وموازية للسلطات الثلاث للدولة  ومستقلة عنهم وهي ليست سلطة تقليدية وليست دائمة وهي في وضع أعلى من تلك السلطات لأنها هي من تضع الأحكام المنظمة لها وأن قراراتها المتعلقة بمهمتها الدستورية والتي تتخذها بالتصويت لا تخضع لرقابة القضاء الإداري وإنما للقضاء الدستوري وذلك وفقا لأحكام القانون رقم 17/ 1423 بتعديل القانون رقم 6/ 1982م بشأن إعادة تنظيم المحكمة العليا..".

واستناداً إلى ما تم طرحه في (الورقة الرابعة)، يمكن القول أن محكمة الموضوع لم تتصدّ لهذا الدفع الجوهري، ولم تستجب له بوقف السير في الدعوى وتأجيلها إلى حين طرح المسألة الدستورية على المحكمة العليا بدوائرها المجتمعة، بل عمدت إلى انتزاع اختصاص المحكمة العليا في تفسير النص الدستوري، وتقول في (ص15): ((وحيث ان المشرع الدستوري عندما صاغ نص المادة 30 من الاعلان الدستوري وفقا للتعديل الدستوري السابع الذي وضع قواعد حاكمة لنشوء الهيئة التأسيسية اتجهت ارادته الى ان يكون اساس تكوينها هو المصدر التاريخي وهو دستور 1951 عندما ذكر بانها تنشأ على غرار لجنة الستين وجعلت عدد اعضائها ستون عضوا وفي الفقرة الأخرى تحديد نصاب التصويت بأنه الثلثين زائد واحد وان المشرع قد بين نصاب التصويت بعد نصاب التكوين مما يجعل نصاب التصويت من عدد الاعضاء الفعليين ولو ان المشرع اراد ان يكون التصويت بنصاب الحضور لنص على ذلك صراحة ولما لم يقم بذلك فيؤخذ النص على عمومه فلا تخصيص بلا مخصص)).

والتعليق على هذا التسبيب من محكمة الموضوع: يكون من خلال التأكيد على أن المصدر التاريخي لتكوين الهيئة التأسيسية هي الجمعية الوطنية التأسيسية (لجنة الستين)، وأن ما أقرّته لائحة الجمعية التأسيسية (لجنة الستين) سنة 1950/1951، يعتبر هو المصدر التاريخي الذي استندت إليه الهيئة التأسيسية لإجراء التعديل على (المادة 60) بالإضافة إلى حالة الضرورة نتيجة مقاطعة عدد من الأعضاء وعدم حضورهم جلسات الهيئة بمقرها بالبيضاء.

وجاء نص (المادة 32) من لائحة الجمعية الوطنية التأسيسية كالآتي: (تصدر قرارات الجمعية بموافقة ثلثي الأعضاء الحاضرين المقترعين. ويجب التحقق من تكامل ‏العدد المطلوب لصحة الاقتراع). كما تنص (المادة 43) من لائحة الجمعية الوطنية على:‏ (يجوز أن تعدل هذه اللائحة بموجب قرار تصدره الجمعية بأغلبية ثلثي الأعضاء الحاضرين ‏المقترعين).‏ كما أن النص الوارد في الإعلان الدستوري في الفقرة 10/ب من التعديل السابع يفصل بين تكوين الهيئة من 60 عضوا في الفقرة الأولى.  وجاءت الفقرة الأخرى منفصلة ولم يتكلم النص الدستوري عن النصاب، ولكنّه تكلم عن اتخاذ القرارات بأغلبية (الثلثين زائد واحد) مع وجوب التوافق...). وسكوت النص الدستوري أتاح باب الاجتهاد للهيئة التأسيسية (المشرّع الدستوري) للاستئناس بالمصدر التاريخي لتفسير النص المتعلّق بأغلبية (الثلثين زائد واحد)، إضافة إلى حالة الضرورة نتيجة المقاطعة، وذلك لإجراء التعديل اللازم على المادة 60 من اللائحة. وفي كل الأحوال، لا يملك القاضي الإداري تفسير النص الدستوري أو الولوج إلى عقيدة المشرّع الدستوري وتفسير مقصده وإرادته، لأن ذلك اختصاص مانع للقاضي الدستوري لا يملكه غيره.

وتقول محكمة الموضوع أيضا في ص16: (كما ان ما قامت به الهيئة عبر الأعضاء الحاضرين الذين صوتوا على التعديل موضوع الطعن هو تفسير للقاعدة الدستورية المقررة لنصاب التصويت وبالخلاف للأصل العام الذي يقرر بأن القواعد الدستورية لا يملك أي كان حرية تفسيرها إلا من منحه المشرع هذا الحق وهي السلطة القضائية وذلك لأن القاعدة الدستورية تعلو كل قواعد القانون).

التعليق: وإن كان المشرّع منح حق تفسير النصوص الدستورية للسلطة القضائية، إلا أنه لم يمنح هذا الحق لكل السلطة القضائية ولكنه اختص القضاء الدستوري تحديدا بذلك، وما قامت به الهيئة التأسيسية جاء استنادا إلى ممارسة مهمتها بصفتها (المشرّع الدستوري)، وأما ما قامت به محكمة الموضوع بتفسيرها للنص الدستوري فيكون خارجاً عن ولايتها حيث أن تفسير النص الدستوري من اختصاص القضاء الدستوري حصرياً.

خلاصة التعليق: يتضح جلياً من خلال التسبيب المشار إليه، أن محكمة الموضوع اتجهت نحو انتزاع اختصاص الدائرة الدستورية وأعطت لنفسها حق تفسير النصوص الدستورية (من خلال تفسيرها لنص المادة 30 من الإعلان الدستوري وتفسير إرادة المشرّع الدستوري)، وهذا يعتبر تجاوزا للاختصاص الذي منحه القانون رقم 88 لسنة 1971 بشأن القضاء الإداري، لأن تفسير النص الدستوري هو اختصاص  ينعقد حصرياً  للدائرة الدستورية بالمحكمة العليا، وهو اختصاص أصيل ومانع لها وحدها دون غيرها، وليس لمحكمة القضاء الإداري أي ولاية لتفسير النص الدستوري، ويكون ذلك خارجا عن ولايتها بصفة قاطعة. 

وكان على محكمة الموضوع وجوبيا أن تستجيب حالاً لحق الدفاع بإثارته للطعن الدستوري واختصاص القضاء الدستوري بذلك، وكان لزاما عليها ألّا تستمر في تفسير النص الدستوري، بل كان من الواجب أن تأمر بوقف السير في الدعوى وتؤجل النظر فيها، وتحدّد لمن أثار الدعوى الدستورية ميعاداً لا يتجاوز ثلاثة أشهر حتى يتم إحالة المسألة الدستورية للمحكمة العليا بدوائرها المجتمعة للفصل فيها، وذلك استنادا إلى اللائحة الداخلية للمحكمة العليا.

ويكون قرار محكمة القضاء الإداري بالتأجيل ووقف السير في الدعوى هو امتثالا صريحاً لنص المادة (23) من القانون رقم 6 لسنة 1982 بإعادة تنظيم المحكمة العليا المعدّل بالقانون رقم 17 لسنة 1993، الذي اختص المحكمة العليا دون غيرها بتفسير النصوص الدستورية،  واستنادا إلى نص المادة (19) من قرار الجمعية العمومية للمحكمة العليا رقم (283) المعدّل بالقرار رقم (285) والتي جاء نصها: (إذا كانت المسألة القانونية المتعلقة بالدستور أو بتفسيره أثيرت من أحد الخصوم في دعوى منظورة من أية محكمة ورأت جوهريتها، أجّلت نظر الدعوى وحدّدت لمن أثار هذا الدفع ميعاد لا يتجاوز ثلاثة أشهر لرفع الدعوى بذلك أمام المحكمة العليا...). (قرار الجمعية العمومية للمحكمة العليا رقم 283 بتاريخ 28-6- 2004م المعدل بالقرار رقم 285 الصادر بتاريخ  25- 6-2005م)

وليس لمحكمة الموضوع أن تقوم بتفسير النصوص الدستورية كما تشاء وتحكم في الموضوع من خلال تفسير النصوص الدستورية، وهذا يعد مخالفة صريحة للقانون، مما يعيب الحكم بالانعدام لانتفاء ولاية محكمة الموضوع. ومن المعلوم أن من يقوم بالاجتهاد لتفسير النص الدستوري هو ( 1/ المشرّع عند اصداره أي تشريع حتى لا يخالف التشريع النص الدستوري. 2/ القاضي الدستوري عند النظر في أي مسالة دستورية مطروحة. 3/ الفقيه الدستوري والذي يكون رأيه عادة استشاريا وقد يؤخذ به ويستند إليه من قبل المشرّع أو القاضي الدستوري). ومن مصادر التفسير التي ينتهجها المشرّع أو القاضي أو الفقيه: (النصوص الدستورية والعرف الدستوري والمصدر التاريخي والسوابق القضائية وحالة الضرورة).

وبما أن نصاب اتخاذ الهيئة قراراتها في المسائل الدستورية لم يرد في نصوص القانون رقم 17 لسنة 2013م بشأن انتخاب الهيئة التأسيسية، ولكن كان قد نص عليه الإعلان الدستوري، وأن لائحة الهيئة التأسيسية وتعديلاتها جاءت تفسيراً للإعلان الدستوري، فقد قامت الهيئة التأسيسية بصفتها (المشرّع الدستوري) بالاجتهاد بتفسير نص (المادة 30 فقرة 10 / ب) من التعديل الدستوري السابع وأجرت تعديل (المادة 60) بشأن أغلبية الثلثين زائد واحد، وكان الاجتهاد من خلال تفسير النص الدستوري استنادا إلى المصدر التاريخي في اللائحة الداخلية للجمعية الوطنية سنة 1950/ 1951 والتي كانت تقرّر في المادة (31) صدور قرارات الجمعية بموافقة ثلثي الأعضاء الحاضرين المقترعين، إضافة إلى حالة الضرورة نتيجة مقاطعة بعض الأعضاء وعدم حضورهم للجلسات.

إن النص في (المادة 60) المعدّلة على اتخاذ القرار بأغلبية (ثلثي الأعضاء الفعليين زائد واحد)، أو في حالة الضرورة وتعذّر ذلك اتخاذ القرار بأغلبية (ثلثي الحاضرين+1) مع ضمان أن يكون الأعضاء الموافقون من المناطق الانتخابية الثلاثة، لا يتناقض بتاتا مع  النص الوارد في الإعلان الدستوري والذي جاء فيه (أغلبية ثلثي الأعضاء زائد واحد)، حتى وإن كان المقصود منه وجوب تواجد ممثلين عن الأقاليم الثلاثة، لأن النص المعدّل في اللائحة وفقاً للقرار المطعون فيه يتطلّب أن يكون الأعضاء الموافقون يمثلون المناطق الانتخابية الثلاثة.

ومن يملك الاختصاص لتقرير مدى وجاهة اجتهاد الهيئة التأسيسية في تفسير النص الدستوري من عدمه ليس القضاء الإداري، بل هو القضاء الدستوري والمتمثل في (الدائرة الدستورية بالمحكمة العليا بدوائرها المجتمعة) استناد إلى أنها صاحبة الاختصاص الأصيل والمانع في المسائل الدستورية وفقا (للمادة 23) من القانون (رقم 6) لسنة 1982 المعدّل بالقانون رقم 17 لسنة 1993 بإعادة تنظيم المحكمة العليا.

ثالثا: انتفاء المصلحة الشخصية المباشرة لرافعي الدعوى الإدارية رقم 65/ 2016م

إن إجراء التعديل على اللائحة الداخلية للهيئة لا علاقة له بأي مصلحة شخصية مباشرة لأي عضو، لأن ما تم إقراره هو بهدف تحقيق النتيجة المرجوّة من الهيئة التأسيسية المنتخبة من الشعب وهي مصلحة الشعب من خلال إقرار مشروع دستور يتم طرحه على الشعب للاستفتاء عليه وممارسة حقه الدستوري وقول كلمته الفاصلة للقبول به ليكون دستوراً نافذا أو رفضه لإعادته إلى الهيئة لإجراء التعديلات اللازمة وطرحه مرة أخرى خلال (30 يوماً) للاستفتاء عليه بالقبول أو الرفض. ولا حجة للقول بوجود أي مصلحة شخصية مباشرة لأعضاء الهيئة التأسيسية، لأن المصلحة الوحيدة هي مصلحة الشعب الليبي للخروج من مرحلة صراع على السلطة إلى مرحلة استقرار وأمن يسود فيها مبدأ التداول سلمي على السلطة من خلال دستور تخضع فيه الدولة ومؤسساتها لحكم القانون.

حقائق وتساؤلات: أقرّت الهيئة التأسيسية مشروع الدستور يوم 19 / 4/ 2016م (منذ أكثر من 220 يوم).  وعلى كل السلطات أن تدعم الهيئة وفقاً لنص المادة (48) من القانون رقم 17 لسنة 2013 بشأن انتخاب الهيئة التأسيسية. ما هو الضير لو صدر قانون الاستفتاء وطُرح المشروع على الشعب للقبول به أو رفضه خلال هذه الفترة؟ أنا على يقين أن مدة (220 يوم) كافية لأن يقول الشعب كلمته، وإن كانت بالرفض سيكون الوقت كافياً أيضاً لإجراء التعديلات اللازمة وطرحه مرة أخرى للاستفتاء. ماذا لو حكمت المحكمة العليا بنقض حكم الدائرة الإدارية وقضت فيه بالانعدام؟

وأخيراً.. أدعو نفسي أولاً، وأدعو كل مواطن ليبي، وكل من يعمل في القضاء للتبصّر فيما كتبه (الفاروق عمر بن الخطاب) للصحابي الجليل أبي موسى الأشعري في رسالة القضاء وجاء فيها: (... ولا يمنعنَّك قضاءٌ قضيتَه بالأمس فراجعتَ فيه نفسَك وهُدِيت فيه لرُشْدك أن تَرجِعَ عنه إلى الحقِّ فإنَّ الحق قديمٌ ومراجعةُ الحق خيرٌ من التَّمادِي في الباطل ...).

حفظ الله ليبيا.

أ. عمر النعاس
عضو الهيئة التأسيسية لصياغة الدستور
9  يناير 2017

عمر النعاس | 11/01/2017 على الساعة 21:57
مقاطعين
أرجو الاطلاع على بيان المقاطعين بتاريخ 28 يناير 2016 وذلك (بعد مسودة لجنة العمل رقم 1 بغدامس بتاريخ 6 اكتوبر 2015 وقبل خروج مسودة لجنة العمل رقم 2 بالبيضاء يوم 3 فبراير 2016): (الفقرة الأخيرة - مصطلح المقاطعين كان هذا قولهم:" نعلن لشعبنا بمقاطعتنا حضور جلسات وأعمال الهيئة التأسيسية لصياغة مشروع الدستور، وعدم الاعتراف بأي مخرج أو مسودة تصدر عنها"). - المصدر بوابة الوسط على الرابط التالي http://alwasat.ly/public/ar/news/libya/94137/ لك التحية والاحترام...
الدستور المتعارضة مواده | 11/01/2017 على الساعة 18:50
الدساتير سهلة وفِي متناول فهم من يستفتي عليها
لا يوجد احد مقاطع الهيئة التأسيسية إنما يوجد معرضين للهئة يجب إطلاق المصطلحات على عواهنها الصحيحة
آخر الأخبار
جميع المقالات والأراء التي تنشر في هذا الموقع تعبر عن رأي أصحابها فقط، ولا تعبر بالضرورة عن رأي إدارة الموقع