مقالات

السنوسي وهلي

التطهير العرقي للشعب التباوي في ليبيا

أرشيف الكاتب
2016/06/30 على الساعة 10:55

قُتل شيخٌ في الثمانينات من العمر أواخر ديسمبر 2015 بمنطقة تازر "الكفرة"، وهو خارجٌ من منزله متجها لبيت جاره، لم يُقتل بالخطأ أو برصاصة طائشة، هذا أول ما يتوقعه كل من يسمع بجريمة قتل مُسن، قبله قُتل شيوخ ونساء وأطفال بنفس الطريقة في هذه البلدة وفي مدينة سبها، أمام الأكواخ والطرقات وفي أماكن أخرى، هؤلاء ينتمون للعرقية التباوية، وقد قتلوا بالقناصة من مجرمين همهم قتل أي عنصر تباوي ذكر أو أنثى ترصده عدسة البندقية.

هذه الجرائم الشنيعة التي ارتكبت وترتكب حتى ضد فئات ضعيفة لا حول لها ولا قوة أثناء النزاعات، بطريقة غير إنسانية وممنهجة تعطي مؤشراً على جسامة الانتهاكات المرتكبة، وعمق الأزمة وعرقيتها، ولا بد من فصلها عن بقية الصراعات الناتجة عن الأوضاع السياسية منذ فبراير، ووضعها في إطارها الصحيح وإظهار خلفيتها العنصرية، من تمييزٍ وخطاب تحريض وكراهية وانتقاص من الإنسانية، فهي ليست من إفرازات 17 فبراير كما يريدها المُريدون لأجل التغطية على الجرائم العرقية، بل إفرازات الإرث العنصري، هي تطهير عرقي للشعب التباوي بمناطقهم التاريخية جنوب ليبيا، لعدم قبول اختلافهم العرقي والثقافي عن الأغلبية المسيطرة بدولة القبيلة، الدولة التي تتبجح بأن شعبها عربي واحد متساوي، وترى التنوع والتعدد نقيصة ضد الوحدة، لذا موقفها عدائي اتجاه الشيء غير الأحادي، وهذه أزمة حضارية وأخلاقية، دفع ثمنها هذا الشعب الأسود المتميز ثقافيا ولغويا.

تاريخياً تعرض التبو للقتل والتهجير منذ الاحتلال والغزو لأراضيها، منها مرحلة العهد العثماني الذي شُن فيه حملة إبادة للتبو بفزان في فترة الدولة الكانمية، نتيجة عدم خضوعهم للذل العثماني، فقُتل جزء كبير منهم وهُجروا، كما تعرضوا أيضا للتطهير في عهد يوسف باشا القرمانلي عند غزو تازر "الكفرة" من قبل القبائل العربية عندما استولت على الأراضي، هذه الجرائم التاريخية ارتكبت لأسباب عنصرية، بُغية الاستيلاء واستيعاب الآخر قهرا، لِما تحملها هذه الجماعات من ايدولوجيا تشعرها بالتفوق العرقي بالنسبة للعرقيات الأخرى. 

لقد مُورست عملية التطهير العرقي من تهجير وقتل وسجن في العهد الحديث، فالنظام السابق، لم ينسَ التبو في أطروحاته الخضراء، فقد خصص لهم صفحات بأحد كتب الوعي السياسي الثوري، مُخططا جغرافيتهم، ويدعو فيه للاستيعاب القسري والتهجير وذَكر عبارة "كل الحلول واردة"، فعلاً قام بتهجير التبو من مناطقهم التاريخية كالعوينات ووري والواو وغيرها في السبعينيات، واستبعد المناطق الحدودية من التنمية وتجفيفها من الخدمات، واتبع سياسة التغيير الديموغرافي، وهمشهم اجتماعيا واقتصاديا وعزلهم سياسيا وثقافيا، جعلهم في أوضاع معيشية صعبة، وأحياء سكنية معدومة مزدرية، وسلط أجهزته الأمنية في ممارسة الضغوطات والاستغلال والاعتقال والقتل، واستخدام الإعلام في التحريض، فمثلا القذافي شخصيا كان يستمتع في إظهار التبو بوسائل الإعلام على أنهم دخلاء تارة، وأنهم عرب أقحاح تارة أخرى، لأجل التشكيك في انتمائهم لدى الجماهير وتكوين صورة عنهم كوافدين لا جذور لهم، مثل ايدولوجية المستعمر الأبيض اتجاه السود السكان الأصليين في جنوب أفريقيا حيث كان ينكر انتمائهم لجنوب أفريقيا، أو مثل ممارسات حزب البعث القومي ضد الأكراد. كما قام النظام بالقتل الذي كان محجوبا إعلاميا، فمثلا حادثة أم الأرانب عام 1989 عندما احتج التبو على التمييز في توزيع المساكن في كل من مرزق والقطرون وأم الأرانب، حينها كُلفت كتيبة أمنية لقمعهم فبدأت بأم الأرانب، وحاصرت العائلات وقتلت ستة من أبنائها رميا بالرصاص، كذلك في مدينة اجدابيا عام 1996 أزالت الكتائب الأمنية العديد من المساكن وهجرت وقتلت شيخاً رميا بالرصاص، وفي منطقة سبها أزالت أحياء ومساكن في عام 2005 وتركت الناس وسط أكوام الخراب، وقد توقفت عمليات الهدم والتهجير في حينها نتيجة الاحتجاجات الداخلية والخارجية، ولا زالت بعض علامات الهدم موجودة في أحياء التبو بسبها كالسور الحديدي المحيط بحي الحجارة، وفي مرزق أيضا وضعت خطة لإزالة الأحياء. كما قامت الدولة بالقتل وهدم للبيوت في منطقة القدرفي "بالكفرة" لأكثر من مرة في التسعينيات وأزالت الآثار التاريخية، وفي عام 2008 خرجت الانتهاكات لأول مرة في وسائل الإعلام الخارجية نظراً لفظاعتها، وقامت الأجهزة الأمنية بترويج إشاعة رفع علم تشاد داخل المناطق التباوية، كما نُشر مقال في صحيفة قورينا من رئيس الاستخبارات بالكفرة بلقاسم الابعج، واصفا الحال بازدياد السود على حساب البيض في مناطق الجنوب المختلفة وأن أحياء التبو تقطنها مجموعات أجنبية، لأجل تأليب الرأي العام وتبرير انتهاكاتها بدواعي الأمن القومي، كذلك في نفس هذا العام تم تهجير لعائلات تباوية من منطقة البريقة وهُدمت مساكنها.

هذه نماذج بسيطة من مناطق مختلفة، وبحكم أن الدولة أمنية فإن التقارير الأمنية عن التبو سواء في الجنوب الغربي والشرقي تحتوي على معلومات هامة لكونها خلفية تلك الجرائم، يُعرف منها حجم الاضطهاد الممارس ضد هذا الشعب والتعامل معه بمنظور أمني، فهناك تقارير تدعو إلى هدم الأحياء والتهجير وطمس الأماكن التاريخية، أيضاً وضع مخططات مشاريع حكومية مكان الأحياء التباوية في سبها ومرزق والكفرة لغرض إزالتها بدواعي المصلحة العامة، وأخرى لاجتماعات سرية مع قيادات اجتماعية قبلية لممارسة الضغوطات الإدارية والأمنية، واستوقفني تقرير شبيه بصحيفة مقاطعة بني هاشم في الجاهلية، وذلك عن اجتماع امني قبلي يشار فيه إلى عدم التعامل التجاري شراء وبيع أو المصاهرة والمقاطعة التامة لهم، هذا ما كان يدور في أروقة وموائد المؤسسات الأمنية القبلية في الجنوب، التي تضع السياسات العنصرية وتسهر على تنفيذها، وعند حدوث صدام مع الضحايا (التبو) يخرج خطاب رسمي بأنه صراع قبلي، أي يبدل المُجرم عباءة القبيلة ليرتدي عباءة الدولة ليكون الحكم.

وبسقوط النظام الأوحد في ثورة فبراير، اعتبرها العنصريون فرصة ثمينة لتحقيق حلمهم في إبادة هذا العنصر، فبدأت الحملات التحريضية في سبها والكفرة، عبر وسائل الإعلام وفي الساحات المختلفة ومن فوق منابر المساجد، بأن جنوب ليبيا محتل من قبل العصابات التشادية السودانية الإفريقية المعارضة المرتزقة الخارجة عن القانون، وعلى الليبيين الدفاع عن الأراضي الليبية والجهاد ضد الغزاة، ورافقتها بيانات من سلطات الدولة تحت عناوين العصابات الإجرامية والأجنبية بدون ذكر التبو حتى يبدو العمل مشروعا لفرض السيادة، وخرج مسئولون بالإعلام المرئي مثل عضو المجلس الانتقالي عن سبها بأنه يجب طرد التبو من جميع أراضي فزان إلى خارج منطقة تجرهي - آخر منطقة حدودية في فزان - فحرك الصف القبلي، كذلك نفس الخطاب في "الكفرة"، التي نالت حلقات خاصة للتحريض الممنهج، واجتماع للقبائل ضمنهم مسؤولين مسجل بالفيديو في منطقة بنغازي عام 2012، وقد تلا بيان القبائل الآذن بالتطهير العرقي رئيس مجلس حكماء ليبيا محمد ادريس، بعدها كلف رئيس الأركان يوسف المنقوش كتيبة الدروع التابعة للجيش الوطني للذهاب إلى الكفرة، والتحق الجموع الملبية لنداء الفزعة بها، للأسف كان الخطاب والتعبئة كتجهيز لحرب مع مستعمر، فقد سُخر الإعلام القومي في التحريض بشكل ينتقص من الإنسان التباوي، بجانب مباركة المفتي وأئمة المساجد وشيوخ الساحات بفتاويهم المنادية للجهاد، فأصبح التباوي أجنبياً غازياً كافراً رخيصاً مهدور الدم، ما أشبه هذه بإبادة التوتسي علي يد الهوتو، كانت السلطة في يد الهوتو وخطابها ينادي بضرورة الدفاع عن رواندا من الغزاة، وسخروا الإعلام في التحريض ضد التوتسي بأنهم دخلاء لا ينتمون إلى رواندا، وأنهم خبثاء صراصير وثعابين، واُستخدمت الكنيسة في وضع الوصايا العشر ضد التوتسي منها عدم الزواج والتعامل معهم تجاريا، هذا الخطاب العرقي الديني قلل من قيمة الإنسان التوتسي لدى الهوتو، فارتكبوا مجازر جماعية.

إن هذا المشروع الاستئصالي القائم ضد التبو والذي تطور في سنة 2012، نتج عنه قتل المئات، وحرق وتدمير المئات من الأكواخ في كل من القدرفي والقارة وتهيدا "المنايا" بتازر، وحي الطيوري والحجارة القديمة والناصرية في سبها، بيوتٌ من القش وأخرى بأسطح من الصفيح والخشب، تم قصفها بالدبابات والمدفعية والهاون، ومجرمون يعتلون المباني الشاهقة يتصيدون المارين والفارين من القصف، لقد أُستعمل كل أنواع الأسلحة في قصف الأحياء بعد محاصرتها، وخاصة السد العازل - الذي أقامته الحكومة- المحيط "بالكفرة" لإحكام السيطرة على هذه الأقلية، كما تم استخدام الطائرات الاستطلاعية في هذه العمليات بسبها والكفرة. ولا ننسى الفصل العنصري بجانب التمييز القائم حاليا، فلا يتمكن التباوي من دخول المصالح العامة للاستفادة من الخدمات، لأنه سيعتقل أو يقتل، كم من تباوي قتل في سبها والكفرة أمام المؤسسات العامة وفي المستشفيات أو في طريقهم إليها.

رغم هذا الواقع، وفي كل مرة بعد احتدام الصراع يهرول المسئولون لأجل تأجيله بدلاً من إنهائه وفقا للأسس الصحيحة، وكالعادة الضحية هو المُجرم، لأنه ذاك الآخر البعيد الحامل لتاريخ وشكل مختلف، ويدرك التبو جيداً أن هيكل الدولة مصمم وفقا لقانون نحن على الآخر، لا مبالاة بمعاناتهم، بقتلاهم، ببيوتهم المحترقة المهدمة، فما أُرتكب ضدهم ليس جريمة في أعين البعض، يرونه حماية لليبيا منهم، بمثل هذه الدولة لا يمكن بأي حال معالجة هذا الواقع السيئ وتحقيق الاستقرار والتعايش، دون القطيعة معها، من خلال العدالة الانتقالية عن جرائم الاضطهاد والتطهير العرقي، وتفكيك هذا الهيكل الأحادي، وبناؤه بالتوافق على أسس التعدد والتنوع وفقا للمواثيق الدولية لحقوق الإنسان بما فيها حقوق الشعوب الأصلية، إذا أردنا القطيعة مع هذا الماضي البغيض، والانتقال إلى دولة ديمقراطية حديثة يتشارك فيها كل مكونات الأمة الليبية هوية ومشاركة فعالة ذات معنى.

لا تعليقات على هذا الموضوع
آخر الأخبار
إستفتاء
هل توافق علي مقترح “القطراني”: مرحلة انتقالية تحت سلطة الجيش بقيادة حفتر؟
نعم
لا
+
إعادة
لمتابعة ليبيا المستقبل
جميع المقالات والأراء التي تنشر في هذا الموقع تعبر عن رأي أصحابها فقط، ولا تعبر بالضرورة عن رأي إدارة الموقع