مقالات

أكرم الجبالي

حديث في الغربة

أرشيف الكاتب
2016/12/29 على الساعة 13:33

"ربما تكون هذه المرة الأخيرة التي أقول لكم فيها - عمرو حلبي... الجزيرة... حلب"، قال هذه الجملة عمرو حلبي مراسل قناة الجزيرة من وسط حلب، في أجواء كئيبة تفوح منها رائحة الموت، وتصعد منها أدخنة الحرب، أجواء رمادية حزينة، خالية من كل لون ومليئة بالحزن والأسى، قالها وسط حشود من البشر شحبت وجوههم لرؤيتهم ملك الموت يحوم فوق رؤوسهم، يسمعون خفق أجنحته، لا يدري أحدهم على من سيقع اختياره التالي... شردت أذهانهم؛ فلا يعلم أحدهم المصير الذي ينتظره؛ هل هي هجرة أم موت؟.

لقد ذكرتني مقولة عمرو تلك - على شاشة الجزيرة - وهو يتحدث في آخر تقرير له عن أحداث حلب، وعن تغريبة القرن الواحد والعشرين، وقبل أن يخرج هو ومن معه من أهل حلب، من المدينة التي وُلدوا وترعرعوا فيها...ذكرتني بخروجنا من الوطن مهرولين فزعين، ليس فقط من المدينة التي تربينا فيها واستنشقنا هواءها العليل، بل من كل الأرض التي نحبها. ذكرتني بأيام شداد مكفهرة نُزعنا فيها من جذورنا انتزاعاً، واجتثثنا من جذورنا اجتثاثا... إلا إن هجرتنا لم تكن على رؤوس الأشهاد، ولم تكن على شاشات التلفاز، بل لم يسمع بها احد إلا القلة القليلة من المطّلعين على مجريات الأحداث.

لكم هو قاسً أن يُجتث َ المرء من جذورة مرة واحدة !.. أو حتى بدون أن يأتي في خلده أن شيء كهذا يمكن أن يحدث له. كم هو مؤلم أن يترك المرء كل شيء : الأهل، الأقارب، الأصحاب، والمال وكل  ما يملك...فجأة وفي  لمحة عين!. إنه لأمر جلل تنوء  بثقلة الجبال، ويعجز عن حمله أولي العزم من الرجال؛ تترك احلامك، افراحك واتراحك، ماضيك وحاضرك... يتلاشى كل ذلك بين عشيةً وضحاها!.

صحيح أن مأساة حلب ليست مأساة شخوص بعينهم، بقدر ماهي مصاب أمة، لكنه أيضاً جرح كبير وأمرٌ عظيم وجلل أن يخرج المرء طريداً شريداً، يتخفى عن الأعين، يهيم على وجهه، لا يجد من ينتظره فضلا عن أن يمد له يد العون، لا يعلم إلى أين يولي وجهه...هل إلى شطر المشرق أم المغرب. ياله من شعور غريب أن يتبرأ منك الصاحب والقريب وتصبح كالبعير الأجرب لايقترب منه احد، بل الكل يتبرأ منه ! فقط.. لأنك على الحق.

لقد نكأتَ ياعمرو ومن حولك من أهل حلب جرحاً غائراً قديماً قدم الدهر، كاد أن يندمل أو هكذا ظننته، إلا أن كلماتك يا عمرو شقّت ذلك الجرح الأليم من جديد؛ فإذا به يعود جرحاً غائراً كما كان أول مرة بعدما حسبت أن ما به إيلام. لقد ذكرتنا ياعمرو بأيام شداد مكفهرة، غاب عنها الأحبة وتبدل فيها الحال؛ فهاهي ذي الأرض غير الأرض وكذلك السماوات... ذكرتني بأيام لم يكن فيها من معين إلا قوله تعالى: {وَمَنْ يُهَاجِرْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يَجِدْ فِي الْأَرْضِ مُرَاغَمًا كَثِيرًا وَسَعَةً، وَمَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ مُهَاجِرًا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ ۗ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا}.

أيام لم يكن فيها من مدد سوى قوله سبحانه: {الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ إِلَّا أَنْ يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُ ۗ وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا ۗ وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ ۗ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ}؛ إذن فهو تدافع بين الحق والباطل؛ أوكلَ الله إلى  المخلصين من عباده  هذا الدور العظيم والمهمة الفريدة...إنه دور المهاجر وما يتحمله من آلام.

كانت ولاتزال غربة ينسى فيها احدنا مشاعره الاصيلة، ليصبح مجرد جسد ميتافيزيقي فاقد للروح، عارٍ بلا غطاء أو انتماء، جسداً يبدأ من جديد في البحث عن ثوب الهوية، وسربال الانتماء ليلبسهما ويكوّنا حلته في بيئته الجديدة. إلا أن عزائنا في ذلك أنها سُنة الله في خلقة، إنها سُنة التدافع بين الحق والباطل وهي ماضية إلى يوم الدين وإلى أن يرث الله الأرض ومن عليها؛ لذا قال ذلك لنا رسول البشرية صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح عن عبد الله بن عمر بن العاص: "إن الهجرة خصلتان إحداهما أن تهجر السيئات، والأخرى أن تهاجر إلى الله ورسوله ولا تنقطع الهجرة ما تقبلت التوبة ولا تزال التوبة مقبولة حتى تطلع الشمس من المغرب فإذا طلعت طبع على كل قلب بما فيه وكفى الناس العمل". عزاؤنا انها سنة الانبياء وحواريهم ومن تبعهم، فما من رسول إلا وقد كتب الله عليه الهجرة من دارة ومن وطنه سواء كان قومة هم من قاموا بتهجيره؛ كسيد الخلق صلى الله عليه وسلم، أو كان هو من هَجَر قومه رفضاً لتصرفاتهم وتعنتهم، أو حتى بحثاً عن قوم يصدقون قوله ويتبعونه فقال خليل الرحمن: "وَقَالَ إِنِّي ذَاهِبٌ إِلَى رَبِّي سَيَهْدِينِ". كما لم يأمر الله سبحانه رسوله الكريم بالعودة إلى الديار بعد الهجرة؛ بل مكث عليه السلام في المدينة حتى بعد الفتح وانتصار المسلمين. فلا يظنن أحد أن الهجرة كتبت على فقراء القوم وضعفائهم... بل كتبت على اولياء الله واتباع الرسل؛ فلا يحزنن مهاجر سواء داخل بلده أو خارجه... إنما يحق لك أن تسعد وتفخر... فنرجوا أن تكون من الصالحين. فلم يذكر لنا التاريخ أن أهل باطل أخرجوا أهل حق من قريتهم، إنما هو العكس؛ أهل الباطل كان ديدنهم ولايزال، تهجير وتشريد الصالحين وأهل الحق؛ ولعل السبب في ذلك هو الخوف من تلك الطائفة، أو الرغبة في مزاولة الإثم والاستمرار عليه... {اخرجوا آل لوط من قريتكم إنهم اناس يتطهرون}. بل زد على ذلك أن الله سبحانه امر بالهجرة وتبرأ سبحانه ممن لم يهاجر من دارة ويهجر قومه؛ إذا كانت الدار ليست دار مقام والقوم قوم سوء؛ فقال سبحانه: {إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنْتُمْ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا فَأُولَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءَتْ مَصِيرًا}. فطوبى لمن هاجر فصبر، ومن الرسل اعتبر، ولم يسخط من القدر.

اكرم الجبالي

كلمات مفاتيح : مقالات ليبيا المستقبل،
لا تعليقات على هذا الموضوع
آخر الأخبار
جميع المقالات والأراء التي تنشر في هذا الموقع تعبر عن رأي أصحابها فقط، ولا تعبر بالضرورة عن رأي إدارة الموقع