مقالات

شكري السنكي

آمال وتطلعات… فِي الذّكـرى ال (65) لاستقلال بلادنا المجيد

أرشيف الكاتب
2016/12/28 على الساعة 11:01

تمر علينا الذّكرى الخامسة والستون لاستقلال ليبَيا، ولم تعرف بلادنا العزيزة استقراراً غير السنوات الثمانيّة العشرة الّتي حكمنا فيها النّظام الملكي بقيادة المَلِك إدْريْس السّنوُسي – طيب الله ثراه. وقد كان الأمل يحدونا بعْد ثورة السّابع عشر مِن فبراير فِي الخروج السريـع مِن حالة عدم الاستقرار والتخلف عَن الركب الحضاري، وها هي الذّكرى السّادسة للثورة على وشك الحلول ولم نتمكن بعد مِن تحقيق الاستقرار الّذِي ننشده ونعوّض مَا فاتنا مِن تنميّة وإعمار ونلحق بمَنْ سبقونا مِن الأمم. ولكن الأمل ما زال باقياً، ويقيننا التامّ أن يتحقق كل مَا نسعى ونصبـو إليـه، إذا مَا احترمنا ميراث الجدود، وعرفنا مِن أين وكيف نبدأ؟.

كان استقلالنا الّذِي تحقق فِي الرَّابع والعشرين مِن ديسمبر/ كانون الأوَّل 1951م، مفخـرةً وإنجازاً تاماً لا شبهة فيه ولا مغمز، والرجال الّذِين صنعوه كانوا أوفياء لقيادتهم وأبناء وطنهم، ومخلصين مجردين مِن الأهواء، ويتسمون بالنزاهة والشفافيّة. ولا يساورنا شك فِي أننا نملك تاريخاً مجيداً يحفل بجميع أنواع القوَّة والعزة والكرامة، وغني بالمحطّات المُشرقة مِن أجل استقلال الوطن والتمسك بوحدته والذود عَن حياضه والحفاظ على هويته وميراثه الثقافي، وَمِن جهة أخرى، فيه الحجـة والبرهان الدامغ على مقدرة الِلّيبيّين على استشعار الخطر ومواجهة التحديات والتغلب على بؤر التوتر وتجاوز المحـن والشدائد ومختلــف الصعاب.

والمتتبع لتاريخ بلادنا العزيزة، يلاحظ التضحيات الجسام الّتي دفعها الِلّيبيّون مِن أجل استقلال بلادهم وهزيمة المستعمر وإفشال مخططاته ومناوراته لتقطيع وحدة ليبَيا، وزرع الفتن بين أبنائها وتمزيق النسيج الاجتماعي بهدف الهيمنة وطمس الهويّة. ويلاحظ أن الِلّيبيّين عندما وضعوا الوطن نصب أعينهم، تجاوزوا كل العقبات والفخاخ التي نصبت لهم، واستطاعوا أن يقفوا وقفة رجل واحد فِي وجه المستعمر الأجنبي معلنين التحدي بقيادة بطل التَّحرير المغفور له السَّيِّد إدْرِيْس المَهْدِي السَّنوُسي، الّذِي قاد النّضـال الوطنيّ قرابة أَربعِين عاماً مِن داخِل لِيبَيا ومِن المُهجر بعدما اُضطَر لِذَلك، وحقق لليبَيا وحدتها واستقلالها، ثمّ حقق لها فِي أَقل مِن ثمانِية عشر عَاماً مَا لم يكن يتوقعه أحد، قبل أن يخطف الانقلابيّون فِي الأوَّل مِن سبتمبر/ أَيّلول مِن العَام 1969م زهرة شباب الأمّة الِلّيبيّة.

الوقوف أمام ذكرى الاستقلال واجب وطنيّ لتذكير شعبنا, على مر أجياله المتعاقبة, ثمن استقلاله وحريته، ومناسبة مواتية لمراجعة مَا فات واستشراف مَا هُو آت, وفرصة ثمينة للاستفادة مِن دروس الماضي لمعالجـة الحاضر ومشكلاتـه وأزماته ومخاطره، وصولاً إلى مُسْتقبل آمن ومستقر ومزدهر بإذن الله تعالــى.

نجح السّيِّد إِدْريْس السَّنوُسيّ فِي قِيادة المُجاهدِين وتوحِيد كلمتهُم وتحقيق استقلال البلاد.. ونجح كقائـد ومَلِك ورجل دولة فِي إنهاء العصبيات ونفوذ العائلة وسلطة القبيلة، وبناء دولة عصرية حديثة كانت ناجحـة بكلِّ المقاييس، ومثالاً ونموذجاً يحتذي به فِي المنطقة. أبعد المَلِك – رحمه الله – العائلـة والقبيلـة عَن الحكــم منذ اعتلائه عرش المملكة الِلّيبيّة المتَّحدة، يوم استقلال البلاد وإعلانها دولة حرَّة مستقلة ذات سيادة فِي 24 ديسمبر/ كانون الأوَّل 1951م. وقد حظر المَلِك – طيب الله ثراه – استعمال ألقاب الأمراء على أبناء العائلة السّنوُسيّة الكريمة، وحدد الأمر فِي شخصـه الكريم والملكة فاطمة وولي العهد وحرمه، على أن يكفل الدّستور حُقُوق بقية السّنوُسيّين مثلهم مثل سائر المواطنين.

وأصـدر فِي خريف 1954م قانوناَ ينظم البيت المالك، ارتكز على التحديد سابق الذكر، وقد تمّ التأكيد على هذا القانون فِي الأمر الملكي الصّادر فِي 25 نوفمبر/ تشرين الثّاني 1956م، بالإضافة إِلى مَا جاء فِي المادة (2) مِن الأمر الملكي الّتي نصّـت على: «إذا تُوفي المَلِك دون ولد ذكر، ولم تكن زوجه حاملاً أو كانت حاملاً ولم يتمخض الحمل عَن ولّي للعهد يعود العرش إِلى صاحب السمو الملكي الأمير الحسن الرَّضا، ويعتبر أصلاً يكون توارث العرش مستمراً فِي فرعه وفقاً لأحكام أمرنا بإعادة تنظيم البيت المالك الصّادر فِي ٢٠ أكتوبر/ تشرين الأوَّل ١٩٥٤م». وقد أصـر المَلِك أيْضاَ على استثناء أبناء عائلتـه مِن شغل مناصب الدولة، لدرجة أنّ القوانين الّتي صدرت فِي مراحل تأسيس الدولة الأولى منعت أيّاً مِن أبناء العائلة أنّ يصبح وزيراً أو نائباً أو دبلوماسيّاً أو يعمل فِي المُؤسسة العسكريّة، فيما عدا حالة واحدة نادرة مِن أبناء عمومته، وهي أنّ السّنوُسي شمس الدّين، نجل السّيِّد شمس الدّين بِن علي الخطابي بِن محَمّد الشّريف بِن محَمّد بِن علي السّنوُسي، كانت مدة خدمته طويلة فِي الجيش فسمح له بالبقاء، وقد تدرج فِي رتبـه العسكريّة إِلى درجة لواء وصـار رئيساً للأركان. أمّا القبيلة فقد احترمها المَلِك إدْريْس، كمكون اجتماعي ولم يعطها دوراً سياسياً، لأنه رأى الدولة كمجموعة مِن الأفراد تحت ظل قانون يساوي بينهم جميعاً ويعدل بينهم، وليست مجـرَّد مجموعة مِن القبائل والعوائل. وحرص على سيادة القانون وترسيخ دولة المؤسسات، بِالإضافةِ إِلى انتهاجـه سياسة ربط المواطن بوطنـه ومَا يمثلـه الوطن مِن ثقافة وانتماء، بعيداً عَن ربط هذه العلاقة بالمنطق القبلي أو الولاء الجهوي. وقد رفض المَلِك – رحمه الله – أن توزّع المناصب على أساس المحاصصة الجهويّة والقبليّة، ولو رجعنا إِلى الأسماء الّتي شاركت فِي وزارات العهد الملكي، البالغ عددها إحدى عشرة وزارة، لوجدناها لم تكن مختارة على أسس المحاصصة أو منطق الولاء، بل المعيار الّذِي تحكم فِي اختيارها، تنفيذ سياسات الدولة ومشاريعها التنمويّة، وقد نجح أولئك الرجال فِي مهام تأسيس الدولة ومعركة التعليم الّتي قادوها باقتدار، ثمّ تنفيـذ أفضل خطّة تنمويّة فِي دول العالم الثالث فِي ستينيات القرن المنصرم – الخطّة الخمسيّة الأولى مِن 1963م إِلى 1968م.

وَمِن ناحيّة ثانيّة، رفض المَلِك إدْريْس – طيب الله ثراه – إضافة صفة (العربيّة) على القوَّات المُسلحة الِلّيبيّة، ورفضها أن تكون مضافة إِلى اسم الدولة، حيث اكتفـى بأن يكون اسم ليبَيا بعْد إعلان استقلالها: (المملكة الِلّيبيّة المتَّحدة)، ثمّ: (المملكة الِلّيبيّة) العام 1963م بعْد إلغاء النظام الفيدرالي، اعترافاً بالتعدد والتنوع، واحتراماَ لمكونات المجتمع المختلفة مِن أمازيغ وطوارق وتبو وأعراق أخرى كالقريتلية والأرناؤوط. وأكـد على أن «الِلّيبيّ» صفـة جامعة وكافيّـة لكل مواطن يحمل الجنسية الِلّيبيّة، وأن وضع صفة «العربيّة» فِي اسم الدولة قد يستفز مشاعر المكونات الأخرى ذات الأصول غير العربيّة. وهذا المسلك كان قد انتهجـه المَلِك إدْريْس مبكراً، حيث دأب على مخاطبة الِلّيبيّين بــ(الأمّـة الِلّيبيّة) باعتبار أن ليبَيا تتشكل مِن ثقافات متعددة وأكثر مِن مذهب ديني – مالكي وإباضي، ومسلمين وأقلية يهوديّة، وأعراق مختلفة مِن عرب وأمازيغ وتبو وطوارق وغيرهم. ولذا رأى أن صفة «الِلّيبيّ» جامعة لكل هذه المكونات، وأن ليبَيا بهذه المكونات تُعـد أمّـة، ولذا خاطبهم كذلك، معتبراً التنوع الثقافي والتعدد اللغوي مصدراً غنياً وثراءً وليس عكس ذلك. ونتيجة لهذه السّياسة – وقبل أن ينقلب معمّر القذّافي عليها – رسَّخ مفهوم الأمّـة فِي نفوس الِلّيبيّين وتعاظم حتَّى صار الِلّيبيّون يتطلعون إِلى وحدة أكبر مِن الوحدة الّتي حققوها، بمعنى ذهبوا بمفهوم الأمّة إِلى حيز أكبر مِن حدود الجغرافيا الِلّيبيّة، فتطلعوا إِلى وحدة بين أقطار دول المغرب العربي.. ووحدة تجمع بلدان العالم العربي.. ووحدة بين دول العالم الإسْلامي، أيّ مِن حيـز الأمّة الِلّيبيّة إِلى فضاء الأمّة المغاربيّة، والأمّة العربيّة، والأمّة الإسْلاميّة.

ومَا يضاف أيضاً، حينما تواصـل السّيِّد إدْريْس مع العالم الخارِجِي، لم يكن أسيراً لما يعرضه عليه، بل كان لديه مشروع وطنيّ وأهداف معلنة، فتعامل مع شركائـه على أسس واضحـة، فاحترموه واحترمهم، والتزم هُو بما اتفق معهم عليه، وهم وفّوا بالتزاماتهم كاملـة.

هكذا كان أبانا المؤسس، وكذا رسم سياساته وشق طريقـه، ولذا سلطنا الضّـوء عليه رغم أن الحديث بمناسبة ذكرى الاستقلال وليس فِي ذكرى ميلاد المَلِك أو ذكرى وفاته. ورُبّما يرى البعض أن الحديث عنه فِي ظلّ الانقسامات والتهديدات والمخاطر الّتي تواجه الوطن -وإنَّ كان فِي ذكرى الاستقلال- حديث ليس فِي وقته ويتجاوز الواقع الّذِي نحن فيه، ويُعد هروباً للتاريـخ، وأنا أرى – مِن جهتي– الوقت جد مناسب، والحديث عن الأب المؤسس فِي ذكرى الاستقلال، وفِي ظلِّ الانقسام والواقـع المؤلم الّذِي نعيشه، فيه تذكير بالإنجاز الّذِي تحقق فِي ظلِّ ظروف بالغة القسوة، وحديث تمليه مقتضيات الوفاء، ومدخل لطرح فكرة الملكيّة الدّستوريّة والعودة إِلى شرعيّة دستور دولة الاستقلال، للخروج مِن النفق المظلم الّذِي نحـن فيه حالياً.

وَمِن ناحيّة أخرى، مَا يزخـر بـه تاريخنا العظيــم مِن عبر ومواعظ ودروس مستفادة، والّتي بالإمكان الاستفادة منها خصوصاً الدروس المستقاة مِن ولادة ليبَيا. فمثلما يحدث الآن، فقد واجهت ليبَيا وقت تأسيسها أوضاعاً صعبة وظروفاً بالغة التعقيد، ولكنها تمكنت مِن التغلب عليها بفضل القيادة الحكيمة والحرص على المصلحة الوطنيّة والالتزام بمخرجات الحوار الوطنيّ وبنود الاتفاق، ثمَّ التزام أبنائها بالعهودِ الّتي قطعوها على أنفسهم مع شركائهم فِي المجتمع الدّوليّ. ولذا لابُدَّ مِن الوفاء بالعهود والالتزام بالاتفاقات المبرمـة، وأن تتوقف البندقية وينطلق الحوار، ويتمّ الرجوع إِلى مَا كان سائداً يوم 31 أغسطس/ آب 1969م، كنقطة انطلاق فِي العودة إِلى حالة الدولة الدّستوريّة، وأن تتوحد الكلمة والجهود، ففي الوحدة السّلام، وَفي السّلام الاستقرار والازدهار. كذلك، الانتباه لمحاولات العبث بالدستور، ولما يخطط ضـدَّ فكرة العودة للشرعيّة الدّستوريّة، سوى بالتصـدي للفكرة أو بمحاولة الالتفاف عليها والسعي لحكم البلاد مِن خلال «مجلس العرش» الّذِي تعتبره مجموعة أو طرف مِن أطراف المشهد السّياسي بأنه شرعي وقانوني، على اعتبار أن العرش الليبي يُعد شاغراً نتيجة وفاة المَلِك إدْريْس وعدم اعتماد صفة «المَلِك» مِن قبل مجلس الأمّة للأمير الحسن الرَّضا السّنوسي!.

أخيراً، لابُدَّ أن يدرك الِلّيبيّون وهم يحيون ذكرى الاستقلال أن بلادهم تمر بفترة عصيبة ومصيرية تتطلب منهم جميعاً الوعي الكامل بما يدور ويحدث، والإدراك الصحيح لخطورة المرحلة ومَا يمكن أن يؤدي إليه الوضـع الحالي –إن طال استمراه- مِن تهديد يطال كيان الدولة وبقاءها واستمرارها.

وفي الختام ندعو الله أن نتجاوز معاً الأزمات والشدائد والمحن الّتي تكاد تعصف باستقرار بلادنا، وأن يجمع الله شملنا ويوحد كلمتنا لاستئناف العمل بشهادة ميلاد الدولة الِلّيبيّة، أيَّ دستـور دولة الاستقلال، واسترداد الشّرعيّة الدّستوريّة الّتي صنعها الآباء المؤسسون، بقيادة صاحب السمو الأمير محَمّد الحسن الرَّضا السّنوُسي الوريث الشّرعي الدّستوري لعرش ليبَيا، حفظه الله ورعاه.

ودمتم فِي رعايّة الله وحفظه، ذخراً لليبَيا الوطن.

شُكْري السنكي

مَصَادِر وَمَرَاجِع:

(1) المؤلـف، الجزء الثالث مِن سلسلة: (في السّياسَةِ والتّاريخ)، موقع: (ليبَيا المُستقبل) بتاريخ يونيه/ حزيران 2006م. المؤلـف، سلسلة: (حِكَايَات زمن مضى وأمنيَّات مُسْتقبل آت)، موقـع: (ليبَيا المُستقبل) بتاريخ فبراير/ شبّاط 2012م.

(2) المؤلـف، مقالة: (كفانا سيراً فِي طريق المجهول... لدينا دستور فلنعدله، ومَلِك فلنبايعه)، موقع: (ليبَيا المُستقبل) بتاريخ ديسمبر/ كانون الأوَّل 2014م.

(3) المؤلـف، مقالة: (كفانا سيراً فِي طريق المجهول... لدينا دستور فلنعدله، ومَلِك فلنبايعه)، موقع: (ليبَيا المُستقبل) بتاريخ ديسمبر/ كانون الأوَّل 2014م.

 

عُمر فائق شنيب يتوسط الشّيخ عبْدالحميد العبّار وعبْدالرازق شقلوف فِي اروقة الأمم المتَّحدة العام 1949م

المَلِك إدْريْس السّنوُسي مع المستر أدريان بلّت خلال الاحتفال بيوم الاستقلال 24 ديسمبر/ كانون الأوَّل 1951م

الأمير محَمّد الحسن الرَّضا، فِى أثناء إلقاء كلمته بمناسبة الذّكرى 65 لاستقلال ليبَيا

شكري السنكي | 19/01/2017 على الساعة 06:07
تصحيح
تصحيح بسيط، الصورة الأولى تجمع الوفد البرقاوي وهم: عُمر فائق شنّيب يتوسط الشّيخ عبْدالحميد العبّار والسّيِّد خليل القلاّل وليس كمَا ذُكر فِي الأعلى السّيِّد عبْدالرازق شقلوف، ومكانها فِي مقـر الأمم المتَّحدة بمدينة نيويورك العام 1949م.
م ب | 30/12/2016 على الساعة 07:57
مقال جميل لذكري اجمل !!!!
احسنت اخي الكاتب ،مقال رائع و جهد مشكور ،أعاد الله علينا وعلي بلادنا الامن والامان والازدهار والبركة علي كافة ربوع بلادنا ليبيا الموحدة ،ليبيا الخير ليبيا الكرم !!!
آخر الأخبار
جميع المقالات والأراء التي تنشر في هذا الموقع تعبر عن رأي أصحابها فقط، ولا تعبر بالضرورة عن رأي إدارة الموقع