مقالات

عطية صالح الأوجلي

رحلتي إلى الله

أرشيف الكاتب
2016/12/25 على الساعة 16:37

 

"هلْ تُؤمنُ بالجنة يا أبي..؟"....... عندما سَألَ جيفري الصغير والده حول وجود الجنة بينما كانا يتمشيان مع كلبهما على الشاطئ، كان جليا أن هذا الصبي يمتلك عقلا تسكنه تساؤلات عدة، وأنه سيُخضع  الأمور إلى  فحص منطقيّ وتحليل عقلاني. لذلك لم يتفاجأ أحد من معارفه عندما انتهي به المسار لأن يصبح أستاذا جامعيا لمادة الرياضيات، العلم الذي لا مجال فيه سوى للمنطق.

أثناء الدراسة الثانوية في مدرسة نوتردام للصبيان، وهي مدرسة كاثوليكية خاصة، نمت وتطورت لديه اعتراضات عقلانية ضدّ الاعتقاد في وجودِ الخالق الأعظم.  لم تفلح المُناقشات مَع كاهنِ المدرسةَ، مع أبويه، ومع زملائه في إقناعه بوجودِ الله. وبين فزعِ الكاهنِ وقلق أسرته العميق تَحوّلَ جيفري إلى مُلحدِ وهو في الثمانية عشر من عمره. وسيبقى هكذا خلال  السَنَوات العشْرة التالية أي خلال دراسته الجامعية، والعليا، ودِراسات دكتوراه. لم بكن التحول الى الإلحاد سهلا، بل كان تجربة قلقة عاني فيها الكثير من الاضطربات والشعور بالضياع الشخصي حيث يقول عنها.. "عندما أصبحت ملحدا قذفت بالصليب جانبا... ولكن غمرني شعوراً بالضياع ذلك أن رموزنا لها من التأثير علينا بحيث إذا ما فقدناها نشعر باضطراب في أنفسنا خاصة عندما لا يكون هناك بديلا جاهزا". قبل تلك المرحلة بقليل أو كثير كان جيفري يرى في منامه الحلمَ التاليَ:

"الغرفة كَانَت صغيرة جدا وخالية من الأثاث وبجدران رمادية عارية. الزينة الوحيدة كَانتْ سجادة مزخرفة بالأحمر والأبيض تغطى الأرضيةَ. كانت هناك  نافذة صغيرة، مثل نافذة سردابِ أو قبو، تعلو وجوهنا بقليل وتواجهنا وتشع نورا ساطعا. سمعت رنين جرس ثم ساد الهدوء. كُنّا مصطفين؛ وكنت في الصف الثالث. كنا رجالا فقط، لا نِساءَ بيننا، نَجْلسُ بمواجهة النافذة. شعرت بينهم بغربة. لم أتعرف على أحد منهم. بدا كما لو أنني في بلاد أجنبية. ركعنا سوية ووجوهنا إلى الأرض. ثمة هدوء وسكينة كما لو أننا فقدنا كل اتصال بالعالم من حولنا. تطلعت للأمام، ثمة شخص يقودنا يقف أمامي إلى اليسار. كان يقف وحيداً جوار النافذة. لفترة قصيرة لمحت ظهرِه. كَانَ يَلْبسُ رداء طويلا أبيض اللون، وعلى رأسه وشاح أبيض موشى بالأحمر. حينها... صحوت من الحلم."

خلال السَنَوات العشْرة مِنْ حياتِه الملحدةِ، رأى جيفري نفس الحلمِ مرات عدّة. لم يضايقه الحلمِ، وإن أحس بالغرابة عند الاستيقاظ.. لم يَعْرفُ معناه ولم يستطيع تفسيره لذا لم يهتم كثيرا به. اثناء قيامه بالتدريس الجامعي بجامعة سان فرانسيسكو وفي محاضرتِه الأولى، التقى طالبا مسلما يدرس الرياضيات، وسرعان ما طور صداقة معه ومع عائلته. وبالرغم من اللقاءات المتعددة بينعم فأن النقاش لم يتطرق لموضوع الدين. مر وقت طويل قبل أن يهديه أحد أفرادِ العائلة نسخة من القرآن الكريم. لم يكن جيفري يَبْحثُ عن دين. وبالرغم من ذلك، بَدأَ بقِراءة القرآن، مع تحيز قوي ضده..!!

"ليس بالإمكان أن تقْرأَ القرآن ببساطة أو استهانة؟، ذلك إن كنت جادا في الأمر. فالقرآن أمّا أن تستسلم له أو تحاربه. فهو يُهاجمُك بشكل عنيد، مباشر، وشخصي. فهو يُناقشُ، يَنتقدُ، يعزر، ويَتحدّى. مِنْ البدايةِ تحدد خَطَّ المعركةِ، وكُنْتُ على الجانبِ الآخرِ"... هكذا وَجدَ نفسه يخوض غمار معركةِ مثيرةِ.

"كُنْتُ في وضع لا احسد عليه، فمن الواضح أن مُؤلفَ الكتاب يعَرفَني أفضل مِما اعرف نفسي..!... كنت كل ليلة أختلق بَعْض الأسئلةِ والاعتراضات، لأجد الجوابَ في القراءة التالية بينما كنت أواصل قراءاتي بالطريقة المتفق عليها. كان القرآن دائما يسبقني، يزيل موانعَ بَنيتُ قبل سنوات ويرد على استفساراتي. جادلت  بشدّة بالاعتراضات والأسئلةِ، ولكنني أدركت أنني كنت أخسر المعركة. كنت انقاد إلى طريق ليس لها سوى مخرج واحد".

كَانَ ذلك في بداية الثمانينات حيث كان هناك العديد مِنْ المسلمين في حرم جامعةِ سان فرانسيسكو حينها اكتشف جيفري مكان صغير في قبو كنيسة جَعلَ منه الطلاب المسلمون مكاناً لأداء صلواتهم اليومية. بعد أن تغلب على تردده امتلك الشجاعةِ الكافيةِ لزيَاْرَة ذلك المكانِ. عندما خَرجَ منه بعد ساعات قليلة، أعلنَ الشهادة التي كانت إعلان حياة جديدة. "أَشْهدُ بأنه لا إله إلا اللهَ وأن محمد رسولُ الله". كان الوقت عصرا فدُعي للمشاركة في الصلاة. استقامت الصفوف وانتظمت وراء إمام يدعى غسان، وبدأ الجميع في أداء صلاتهم.

"سجدنا ووجوهنا على السجادةِ الحمراءِ والبيضاءِ.. ثمة هدوء وسكينة كما لو أننا فقدنا كل اتصال بالعالم من حولنا. بعد إتمام الصلاة تطلعت نحو الإمام. كان غسان جالساً إمامي على اليسار تحت النافذة التي كَانتْ تُغرقُ الغرفةَ بالضوءِ. كان يجلس وحيدا مرتديا ثوبا طويلاً  ابيض اللون وعلى رأسهِ عمامة بيضاء مخضبة باللون الأحمر. الحلم!... صَرختُ داخلياً. إنه الحلم بحذافيره! كنت قد نَسيتُه تماما، ذهلتُ وانتابني شيء من الخوف... هَلْ أَحْلمُ؟.. تساءلت. هَلْ سأَصْحو؟ حاولتُ التَركيز على ما كَانَ يَحْدثُ لأعرف إن كنت نائمَا. قشعريرة باردة تَدفّقَت في جسمِي، جْعلُتني أَرتجفُ. يا ألهي، أحقيقي هذا..! بعدها انحسرت البرودة، أحسست بدفءِ ناعم يشع داخلي. وانهمرت الدموع من عيناي".

رحلة كُلّ شخص إلى الإسلامِ هي رحلة فريدُة من نوعها، تتَفَاوُت الطرق من شخص إلى آخر، لكن رحلة الدّكتورَ لانج كانت حقا مثيرة. مِنْ تَحدّى وجودَ الله، إلى الإيمان القوي به. مِن محارب عنيف ضد القرآن إلى مستسلم له. مِن شخص يريد حياة مادية مريحة إلى إنسان يريد حياة مليئة بالحب والرحمة والروحانية.

"إن الله سيُركعك على ركبتيك" هذا ما قالَه له أبّاه محذرا عندما أنكرَ جيفري وجودَ الله وهو في الثامنة عشر من عمره. بعد عشَر سنوات، أصبح التحذير حقيقة. هو الآن على رُكَبِتيه، وجبهته على الأرضِ. الجزء الأعلى مِنْ جسمِه الذي يحتوى على كُلّ معرفتِه وفكرِه كَانَ الآن يمس الأرضِ في استسلام كاملِ لعظمة الله.

مثل كُلّ المسلمين الذين يعودون إلى الله شعر د. لانج ان فضل الله كان عليه عظيما وأن الله نفسه هو الذي وجّهَه إلى الإسلامِ؟ "أدركتُ بأنّ الله كَانَ دائماً قُرْبي، يُوجّهُ حياتَي، يَخْلقُ لي الظروفَ والفرصَ لأختار، ويَتْركُ دائما الاختيارات الحاسمةَ لي. كُنْتُ مرهوبَا بالألفةِ والحبِّ اللذان تكشفا لي، لا لأننا نَستحقَّها، ولكن لأنها كانت دائماً هناك وكُلّ ما علينا فعله هو التوجه إليه للحصول عليها. لا أَستطيعُ شرح معنى الرؤى التي كانت تراودني. ولكني أراها كإشارة، كإحسان، وكفرصة جديدة؟"

ألف الدّكتور لانج عدة كتب حول تجربته وأفكاره. كلها مثيرة للاهتمام من قبل المسلمين الجدد والمسلمين بالولادة. هو مُتَزَوّجُ ولديه  ثلاثة بناتِ. لم أتفاجأ عند اكتشافي أن أطفاله يشتركون معه في ذاك الفضول العقلاني. وأن الصبي الذي كان يمطر أبيه بالأسئلة أصبح اليوم  يُواجهَ أسئلةَ أطفالِه.  ففي أحد الأيام سألته ابنته جميلة ذات السنوات الثمانية بعد أن أنهىَ صلاة الظهرَ مَعها بالقول: أبي، لماذا نَصلّي...؟؟

"فَاجأَني سؤالها. لم أتوقعه في هذا العمر المبكر. كنت بالطبع أعرف الأجابة الواضحة لهذا السؤال. لأنها فرضت علينا كمسلمين. لَكنِّي لَمْ أُودْ أن أضيع الفرصة  لنشترك في الأجابة معا. فأجبتها وانا أفكر في ابعاد السؤال: في رأيي، نَصلّي لأن الله يُريدُنا ان نفعل ذلك؟ وسرعان ما اتاني سؤالها الأخر... ولكن، أبي، ما الذي تفعله الصلاة؟ قلت من الصعب تَوضيح ذلك الى شخص في عمرك، يا عزيزتي ولكن يوما ما عندما تصلين الصلوات الخمس كل يوم ستفهمين. أنا متأكّد من ذلك. ولكني سأحاول الآن الإجابة قدر استطاعتي.

"أعلمي، يا صغيرتي. أن الله هو مصدرُ كُلّ الحبّ، الرحمة، الشفقة، والحكمة وكُلّ الجمال الذي نحسه ونحياه.. مثل ما هي الشمسِ مصدرُ كل الضوء الذي نَراه طيلة النهارِ، الله مصدرُ كُلّ هذا وأكثر من ذلك. وهكذا، فالحبّ الذي احمله لك ولأخواتكَ، ولأمك أعطاه لنا الله سبحانه. نحن نعلم بأن الله رحيم بنا بالأشياء التي منحنا إياه في هذه الحياة. ولكن عندما نَصلّي، فإننا نحس برحمته وشفقته وحبه بطريقة لا مثيل لها. على سبيل المثال، أنت تَعْرفين أنني وأمك نحبك لأننا نَعتني بك. لكن عندما نُعانقُك ونُقبّلُك، فأنت تحسن حبنا نحوك بشكل أقوى. وعَلى نَحوٍ مماثل، نحن نَعْرفُ بأنّ الله رحيم بنا لأنه يَعتني بنا. لكن عندما نَصلّي فأننا نحس رحمته وعطفه بشكل خاص جداُ".

هَلْ الصَلاة تَجْعلُ منك أبا أفضل؟ سَألتْني. "أرجو وأعتقد ذلك. لأننا إن عشنا عطف الله ورحمته في صلواتنا بشكل جميل وفعال فسنشعر بالحاجة لأن نشارك من حولنا فيه، خصوصاً عائلتنا. أحياناً، بعد يوم شاق في العمل، أَشْعرُ بأنني مُنهَك جداً بِحيث أُريدُ أن أكُونَ وحدي. لكن إذا ما أحسست حب الله ورحمته وشفقته في صلاتي، فإنني أرى عائلتي بعيون أخرى وأحس كم مبارك أنا، وبأنك هدية رائعة من الله لي، وبسعادتي لأن أكون أباك وزوجا لأمك. هذا لا يعني أنني أبا مثاليا ولكن يعني إنني لن أكون والدا فعالا وجيدا دون صلواتي؟... هل تفهمين ما أعنيه؟". لحد ما أفهم ما تعنيه.. أجابت جميلة. عانقتْني ثم قالتْ،؟ أَحبُّك، يا أبي؟. أَحبُّك أيضاً، يا صغيرتي. أَحبُّك أيضاً؟.

عطية صالح الأوجلي

* ولد الدكنور جيفري لانج (Jeffrey Lang)، في 30 يناير 1954عام، بمدينة برديجبورت، ولاية كونيتيكت). تحصل على شهادة الدكنوراة من جامعة باردو سنة 1981. تزوج من سيدة سعودية ولديهم ثلاثة أطفال: جميلة، سارة، وفاتن. قام د.جيفري بتأليف عدد من الكتب التي تتناول قضايا إسلامية معاصرة وهو أحد الأصوات النشطة لمسلمي أمريكا. تمت ترجمة معظم أعماله الى العربية.

المراجع:

- Lang، Jeffrey، "Struggling to Surrender"، Beltsville، 1994.
- Lang، Jeffrey، "Even Angels Ask"، Beltsville، 1997.
- Lang، Jeffrey، "Losing My Religion: A Call for Help"، Beltsville، 2004.
- "حتى الملائكة تسأل - رحلة إلى الإسلام في أمريكا"،  جيفري لانغ، دار الفكر المعاصر ، 2006
- "الصراع من أجل الإيمان: انطباعات أمريكي اعتنق الإسلام"، دار الفكر دمشق، الطبعة السادسة، 2009
- أشرطة مرئية يروي فيها الدكتور ديفري قصته: (1) (2) (3) (4)

احميدي الكاسح | 30/12/2016 على الساعة 06:06
عرض سيق وتجربة مثيره
أحسنت أحسن الله إليك
LIBYAN BROTHER IN EXILE | 27/12/2016 على الساعة 07:55
لماذا لم يأخذ الدكتور جيفري لانج
الاخ الاستاذ عطية صالح الأوجلي، مقال ممتع ولكن لى سؤال لك وهو لماذا لم يأخذ الدكتور جيفري لانج (Jeffrey Lang) أسما إسلاميا عربيا مثل الاخرين عندما يؤمنوا بدين الاسلام السمح الحنيف؟ ولك الشكر مقدما وبارك الله فيك٠ وكل شئ بإذن الله٠
ساسين | 26/12/2016 على الساعة 18:37
ذهان
يحدث ذلك عندما يصاب الانسان بمرض (الذهان) ، فتختل عنده عملية التفكير ، و يحل لديه الوهم بدل العقل ، ولا يعود ينفع معه المنطق الرياضي و لا المنطق الصوري . فالشمس تغرب في عين حمئة .. و انتهى الأمر .
بشير خليل | 25/12/2016 على الساعة 23:10
العولمة
هل جرفتنا العولمة حتى صرنا نفسر الصلاة انها حب وشفقة على غرار المنجمنت الامريكية، لماذا نصلى؟؟؟ نصلى حتى نخرج من المأزق الذى وقع فيه جدك الاول (ابونا آدم)، فى مغامرته المشهورة التى قال عنها القران: (انه كان ظلوما جهولا)، حاول ان تنطلق فى رحلتك نحو الله من هذه المحطة؟؟؟، ودع عنك الحب والعشق فهى اوهام تسير فى الاتجاه المعاكس، وتذكر ان المصدر كان من الصحراء حيث الأجلاف الذين يَرَوْن ان العقل حيث لا عقل!!!! وان من يقول بالعقل فقد العقل ، فهاموا فى الحب مشفقين (رحماء بينهم تراهم ركعا سجدا يبتغون فضلا من الله ورضوانا).
م.ب | 25/12/2016 على الساعة 22:31
قصة مؤثرة
احسنت دكتور عطية ، مذاق هذا السرد له مذاق خاص مفعم بحب الله سبحانه الذي نسأله ان يلطف بِنَا وبلادنا وان ينعم علينا بالامن والامان ،شكرا مرة ثانية وكل عام وأنتم وأسرة مجلتنا ليبيا المستقبل بخير ومن تألق الي تألق ومن ابداع الي ابداع !!!!
متشكك شكاك | 25/12/2016 على الساعة 22:24
من فرنسا ِيأتي العجيب
الدكتور "لانج" قصته عجيبة و غريبة حقا ... و لو كنت مسؤولا أمنيا كبيرا و له وزنه في فرع من فروع "داعش" أو إحدى أخواتها، لظننت فورا أنه مخبر أو مخابراتى و يحاول اختراقنا! كيف يمكن لشخص فرنسي ذكي و متعلم مثله أن يترك فولتير و مونتسكيو و بيير سيمون لابلاس و نابليون بونابرت و الكثير و الكثير من مفكري و أعلام عصر التنوير و الأنوار ثم يذهب هكذا يبحث عن الاستنارة عندنا نحن المساكين و المتجمدين في بدايات العصور الوسطى؟ حقا أنها قصة غريبة و عجيبة و لا تصدق!
آخر الأخبار
جميع المقالات والأراء التي تنشر في هذا الموقع تعبر عن رأي أصحابها فقط، ولا تعبر بالضرورة عن رأي إدارة الموقع