مقالات

صالح الحاراتى

وصاية.. سيادة..!؟‎

أرشيف الكاتب
2016/06/29 على الساعة 12:44

كلمتان فخيمتان تلوكهما الافوه و تتردد هذه الايام فى السجالات اليومية وفى لقاءات المتحدثين على الفضائيات.. وان كان فى ظنى انهما من موروث الكلام "ما قبل العولمة"!! لقد تعودنا طيلة سنواتنا الخمس العجاف التى مرت بنا منذ 2011 الى اليوم  على ترديد كثير من المصطلحات دونما ضبط او دراية حيث  دارت وتدور المناكفات  الكثيرة على صفحات التواصل الاجتماعى والفضائيات وفى كل  اللقاءات التى تجمع   بين المؤيد والمعارض لأى مسألة فى الشأن السياسى يتم النقاش حولها.. وتجلى فى المدة الاخيرة  ذكر لفظ  "الوصاية / والسيادة" حين بدأ  الحديث عن  حكومة الوفاق الوطنى الليبى، حيث  يتم  استخدم مصطلح الوصاية/ والسيادة/ من المعارضين  من باب الذم والهجاء لتلك الحكومة ورفضها تحت شعار الحفاظ على السيادة الوطنية، رغم ان الجميع يعرف بأن كل طرف من المتصارعين على السلطة  مستقوي بقوة ما اقليمية او دولية!!

وقبل تناول مصطلح الوصاية، اشير الى ان هناك  من  استخدم لفظ "الوصايا" ربما كخطأ  املائي وربما لاختلاط التسميات ودلالاتها وربما سهوا. وكنت اتمنى على السادة الذين يستخدمون هذا المصطلح تحديد المسألة بشكل دقيق قبل ان ينساقوا ورا اللفظ  حيث نتبين الفرق بين... وصاية.. و.. وصايا !! او الجمع بينهما، فالوصايا على علمى - من توصية وتوصيات وتعاليم - ومنها وصايا لقمان لابنه ومنها الوصايا العشر للنبى موسى… التى تقول عنها موسوعة ويكيبيديا  انها أرفع الآثار الموسوية وأبرزها في التراث اليهودي المسيحي، والتى تلقاها موسى عليه السلام... فاليهود والمسيحيون يرجعون إليها لكي يتعلموا منها كيفية التصرف في الحياة الأخلاقية... ومن تلك  الوصايا: لا تسجد ولا تعبد الا الله... ومنها: لا تقتل.لا تزن.لا تسرق.لا تشهد شهادة زور…. الخ.

(ما علينا) لنتجاوز عن ذلك ونمضى الى تمحيص ما اظنه المقصود (بالوصاية) وهى المعنية  من الذين يعارضون حكومة الوفاق الوطنى.... فـ "الوصاية" "لغة" هى الولاية على القاصر اى  نظام قانونيّ لحماية القُصَّر، وهم مَنْ لم يبلغوا سِنّ الرُّشْد بعد.. اما سياسيا وهو بيت القصيد فيقال  بلد تحت الوِصاية  أى بلد ليست له سيادة كاملة، وتتصرَّف في شئونه دَوْلة أخرى.

لنقر بداية انه كان هناك تاريخيا ما يسمى بالوصاية الدوليّة وهو نظام من المراقبة على المستعمرات التي لم تبلغ مستوى الحكم الذّاتي، وقد كانت  تديرها الأمم المتحدة، وحلّ هذا النظام مكان ((الانتداب)) في عصبة الأمم المتّحدة، اما  فى زماننا الان  فقد تم حل هذا النظام ولم يعد له وجود قانونى بعد استقلال كافة الدول وانضمامها كأعضاء فى الامم المتحدة... ولذلك فإن نظام الوصاية كنظام في القانون الدولي بات غير معمول به منذ أكثر من نصف قرن  ولا يمكن اعادة العمل به الا بتعديل ميثاق الامم المتحدة، هذا الميثاق الذي يقترب من الاستحالة تعديله.

في ميثاق الامم المتحدة في سنة 1945 كانت المادة (75) قد  قررت انشاء نظام الوصاية لادارة بعض الاقاليم في العالم. محل نظام الانتداب الذي كان مقررا بموجب ميثاق عصبة الامم لسنة 1919 الذي كان يطبق على ولايات الدولة العثمانية والمستعمرات الالمانية بعد خسارة الدولتين للحرب العالمية الاولى.

وكان المأمول من  نظام الوصاية هو العمل على تأهيل سكان اقليم ما  سياسيا  واجتماعيا  واقتصاديا  للتقدم نحو الاستقلال، وقد تم وضع دول عديدة واقاليم كثيرة في العالم تحت نظام الوصاية فى مرحلة ما بعد الحرب العالمية الثانية، من هذه الدول  العراق، الصومال، وليبيا وجيبوتي ومناطق اخرى، وتولت دول الوصاية المستعمرة على هذه الاقاليم والاراضي كبريطانيا وفرنسا وبلجيكا واستراليا وامريكا وانتهى ذلك الوضع من الناحية القانونية بصدور قرار الجمعية العامة للامم المتحدة سنة 1960 بنهاية نظام الوصاية.

اذا من الناحية القانونية يبقى  الكلام عن الوصاية لا اساس ولا مصدر قانوني يؤيده وما هو الا  مجرد "مزايدات ومناكفات" وللاستهلاك اليومى لما يقدم لرجل الشارع  خلال الصراع السياسى الدائر.

ولكن ما هو حاصل وحقيقى.. هو ان  ذلك لا يعنى بالتأكيد ان اشكاﻹ من سطوة القوى الكبرى على الدول النامية غير موجود اليوم، فواقع الحال يشير الى ان  معظم الدول الكبرى تمارس شيء من (الوصاية على القصر) من دول  العالم  الثالث والرابع... الخ.. ولكن بوسائل غير مباشرة  معلنة - اقتصاديا وسياسيا واستخباراتيا -.. وهنا اظن ان الامر  يستدعى الحديث والتعريج على مسألة اخرى ترتبط بالوصاية  وهى "السيادة". حيث السيادة  تعنى ان  سلطة اى دولة يجب الا تعلو عليها اى سلطة خارجية او تتدخل فى شؤونها الداخلية.

ولكن فى عالم اليوم ومتغيرات العولمة صار مصطلح السيادة ايضا (مسألة  نسبية) ولم يعد ذات جدوى اطلاق التعبيرات المطلقة نظرا لوجود قيود فعلية تحول دون اطلاقية المصطلح لوجود قيود يصعب الفكاك منها او تجاوزها. فالسيادة فى عالم اليوم  ترتبط بوضع الدولة في الواقع الدولي، اى  مدى قوتها اﻻقتصادية والعسكرية وغيرها.. حيث  تتفاوت القوة بين الدول وذلك هو من يحدد حدود السيادة  إلى الحد الذي يجعل من المضحك أن نتحدث عن سيادة مطلقة لدولة صغيرة  وضعيفة  (مثل مملكة تونجا) في مواجهة دولة عظمى “كامريكا“، ومع ذلك فإن هذا التفاوت في القوة ليس هو المصدر الوحيد للقيود على سيادة الدولة وإنما  هناك عوامل أخرى يمكن اﻻشارة اليها فالعولمة اﻻقتصادية والثورة التكنولوجية المتسارعة في وسائل الاتصال وترتيبات القانون الدولى .لها دور فى مسألة  السيادة فمثلا بإمكان   مجلس الأمن انزال العقوبات  حسب  الفصل السابع من الميثاق والتي قد تصل إلى استخدام القوة ضدها إذا أتت بما يخل بالسلم والأمن الدوليين (حتى ولو كان اﻻخﻻل مزعوما)؟، ولذا فان السيادة مسالة نسبية وفى اﻻغلب  تصبح المقولة الشعبية "يا دار ما دخلك شر" هى التى تسود وتجعل الدولة الضعيفة  تكيف  سلوكها من البداية مع رغبات ومصالح الدول الأقوى. التى بامكانها - خاصة بعد ثورة اﻻتصاﻻت والمعلوماتية -، أن تحدث اختراقاً لمعايير اﻻستقﻻلية والسيادة  باختراق الدولة التي تملك ناصية هذه الوسائل للحدود المادية لأية دولة والوصول إلى أى معلومات من خﻻل الجوسسة باﻻقمار الصناعية وغيرها من الوسائل، والوصول ايضا الى عقول أبناء شعوبها من خلال (الميديا وباقى مكونات القوى الناعمة).

الخلاصة ان القيود على السيادة ليست وليدة ولكن المتغيرات أوجدت فارقاً كبيراً في الدرجة و ليس في طبيعة الأمور، بمعنى ان  وطأة هذه القيود تبدو وكأنها قد تفاقمت على نحو لا يمكن إنكاره أو إخفاؤه. ولم يعد أمام الدولة "الغلبانة"سوى بديل واحد للحركة إما أن تتبناه طوعاً أو كرها وإما أن تخاطر بمواجهة مع الدول الكبرى  أو أن  تتحسب لها بأقصى درجة من العقلانية والحسابات الرشيدة، بعد احداث  سبتمبر 2001 لم تعد الدوائر الأمريكية الرسمية معنية  بتقديم الأدلة القانونية الكافية حتى من وجهة نظرها التي تبرر ما تنزله من عقوبات بهذه الدولة أو تلك، أو تهدد به من ضربات  استباقية مستندة إلى معايير ذاتية وليس إلى أي توافق دولي.! واصبح مصطلح  السيادة الوطنية للدول  يواجه وضعا ملتبسا  حتى ان البعض من المحللين والمعلقين يتحدث عن زوال أو اختفاء ظاهرة السيادة الوطنية وان الحديث عن الوصاية  صار مسألة ضبابية الا اذا ذهبنا الى عدم اليأس وقلنا أن ظاهرة السيادة الوطنية لم تنته تماماً، حيث  حيث مازال هناك بعض الدول قادرة على التماسك امام الكبار  كالصين وبعض الدول الأوروبية  من خلال التعامل بحسابات  تجعل القيود على سيادتها في حدها الأدنى. وفى ذات السياق هناك من يقول أن تعزيز التطور الديمقراطي الداخلي في الدول سوف يزيد من قدرة اى مجتمع متماسك في وجه محاولات الهيمنة الخارجية، ويقضى  على بعض ذرائع التدخل بحجة إنعدام الديمقراطية أو عدم احترام حقوق الإنسان.

لنفكر بعقلانية لتحقيق مصالحنا... وكفانا شعارات…

صالح | 30/06/2016 على الساعة 02:00
رد
شكرا لمرورك الكريم
بدون | 29/06/2016 على الساعة 17:04
قابينة كهرباء
ماشاء الله وبسم الله, هدى الناس اللى تنور العقل, بوريكت ياسيدالحاراتى ولك جزيل الشكر ورجاء المزيد.
آخر الأخبار
إستفتاء
هل انت متفائل بان ليبيا ستخرج من ازمتها قريبا؟
نعم
لا
نعم ولكن ليس قريبا
+
إعادة
لمتابعة ليبيا المستقبل
جميع المقالات والأراء التي تنشر في هذا الموقع تعبر عن رأي أصحابها فقط، ولا تعبر بالضرورة عن رأي إدارة الموقع