مقالات

أكرم الجبالي

إنقلاب ألف ليلة وليلة... اول إنقلاب في العالم العربي

أرشيف الكاتب
2016/12/23 على الساعة 13:47

تحدثنا في مقال سابق بعنوان "الثورة الفرنسية وأثرها على ثورات الربيع العربي" عن أول انقلاب عسكري في أوروبا بعد الثورة الفرنسية، والذي بينا فيه الدور الممنهج للأيدِ الخفية والقوى العالمية في ذلك الانقلاب، وهو الذي أذِنَ ببدء عصر جديد من السيطرة على الشعوب ومقدراتها.. فبعد أن نجحت تلك التجربة ايما نجاح، اُريد لها ان تُطبق في عالمنا العربي لتكون بديلاً عن الاستعمار المباشر والذي كلف الدول الُمستعمِرة كثيرا من الأموال والأرواح، لذا سنتحدث اليوم عن اول انقلاب عسكري في العالم العربي، وأول  تجرية للعبث بمستقبل الشعوب العربية في العصر الحديث.

بدأت القصة عقب انتهاء الحرب العالمية الثانية وخروج بريطانيا منها منهكة ضعيفة نتيجة لدمار كل المدن البريطانية.. وعلى الرغم من خروجها تلك الحرب منتصرة بمساعدة الامريكيين والحلفاء، إلا انها لم تعد تلك الامبراطورية التي لا تغيب عنها الشمس كما لم تعد قادرة على إدارة مستعمراتها في الشرق الاوسط  خاصةً تركيا وإيران، وبالتالي لم تعد قادرة على حماية الجرثومة التي زرعتها في الجسد العربي..."اسرائيل". ونتيجة لهذه الاعتبارات فقد  تفتق ذهن الحكومة البريطانية عن فكرة شيطانية كعادتها عندما يتعلق الأمر باستعباد الشعوب، واتنزاف خيراتها. تمثلت تلك الفكرة في توريث بقايا حطام امبراطوريتها لدولة قوية قادرة على مواصلة السيطرة على مقدرات شعوب نلك المناطق البائسة، وعدم ترك تلك الدول تحدد مصيرها بنفسها، وضماناً لاستمرار سير مصالحها ولو بشكل أقل، اختارت بريطانيا "الولايات المتحدة" لتلك المهمة لكونها القوة الناشئة في تلك الحقبة وتدخلها في الحرب هو –بعد تردد- هو الذي حسم الامور لصالح الحلفاء، ولعلها أرادت بذلك ان ترد لها الجميل... كما ان "الولايات المتحدة" هي الدولة الوحيدة التي لم تخرج منهكة من الحرب الكونية الثانية اذ لم تتجاوز خسائرها البشرية بخمسمئة الف جندي فقط مقارنة بخمسين مليون إنسان خسرتها أوروبا او مايعادل واحد في المئة من إجمالي ضحايا تلك الحرب.. كما ولم يكن للحرب اي تأثير مادي ملموس يذكرعليها كما لم يكن لها خسائر في ارواح المدينيين –اوبالتالي لاتزال لها القدرة الاقتصادية والعسكرية لتولي تلك المهمة.. إضافة طبعاً إلى العلاقة التاريخية بين البلدين والتي كانت من اهم مسببات إصدار تلك الوكالة، ولمعرفة الانجليز بقوة اللوبي الصهيوني في أمريكا، ولتمركز الماسونية العالمية في مدينة نيويورك بعد انتقالها من سويسرا الامر الذي تضمن معه بريطانيا كامل الحماية لصنيعتها... "اسرائيل".

بسبب كل تلك الاسباب قامت الحكومة الانجليزية بالإتصال بنظيرتها الامريكية من خلال سكرتير سفارتها الاول في واشنطن "سيشل" والذي سلم رسالة إلى الخارجية الامريكية معرباً فيها عن رغبة بلاده في التنازل عن وصايتها على العالم  خاصةً دول الشرق الاوسط، وتركيا واليونان نتيجة لعدم قدرتهم على القيام بأعباء  تلك المهمة وعجزها المادي... كما أوضحت الحكومة الانجليزية في تلك الرسالة أهمية حلول امريكا محل الامبراطورية التي لاتغيب عنها الشمس لكلا البلدين.

لم يكن من الخارجية الامريكية، بقيادة وزيرها آنذاك "دين اتسبسون"، إلا ان تصدر اوامرها ببدء التدخل في الشرق الاوسط وتشكيل لجنة لدراسة الوسائل اللازمة للتغيير، والتحكم في تنصيب قادة وزعماء الاقليم الذي يحتوي ثلثي احتياطي الثروة البترولية في العالم، والذي يقع ايضاً على حدود الاتحاد السوفيتي مشكلاً بذلك اهمية جيوسياسية للولايات المتحدة والمتمثلة في محاصرة الاتحاد السوفيتي جغراقياً ومنع زحف المد الشيوعي. إلان ان الولايات المتحدة لم تشأ ان يكون دورها جلي وبين، او على الاقل لم ترد ان تتدخل بكل ثقلها مرة واحدة خاصةً انها لم تكن تمتلك الخبرة الكافيه عن المنطقة، فأرادت ان تبدأ في تطبيق تجاربها ونظريات عرابيها السياسيين بشكل تدريجي وخفي، فكانت اول تجربة لها -او لنقل "الخطيئة الاولى"- في تغيير نظام الحكم في سوريا، والتحكم في مخرجات المنطقة من زعماء.

كان حسني الزعيم -الكردي الأصل- رئيس أركان الجيش السوري، والمعادي للسوفييت، هو من اختاره الامريكيين للقيام بأول انقلاب عسكري في العالم العربي عام 1949 ،وكان ذلك على حساب رئيس الجمهورية  "القوتلي" بعد أن وعد الأمريكيين بالحفاظ على اتفاق الهدنة مع إسرائيل. حاول الأمريكيون أن يكون انقلاب "حسني الزعيم" ذو صبغة سورية، إلا إن الرائحة الأمريكية كانت تفوح منه ،وتناقل على الألسن ان الزعيم ماهو إلا صبي من صبيان امريكا. وبذا يكون إنقلاب "حسني الزعيم" هو الانقلاب الذي أذن ببدء العصر الذهبي للإنقلابات العسكرية ،والتي فتحت معها صفحات من العنف الدموي في العالم العربي.
ولاننسى أن نشير هنا إلى أوجه التشابه بين مناصب من كانت توكل لهم مهام الإنقلابات في ايامنا هذه مثل؛ انقلاب السيسي في مصر، ومحاولة انقلاب حفتر في ليبيا، ومناصب من أوكلت لهم هذه المهمة في اوائل القرن الماضي مثل عبد الناصر والقذافي وغيرهما... لذا وجب على الشعوب الحذر من مثل هؤلاء... مع الفارق في الطريقة التي كانت تقدم بها تلك الانقلابات للشعوب... فالإنقلابات العسكرية في ذلك العصر كانت تتم بمباركة الرأي العام الغربي الذي تم تخويفه وإقناعة بضرورة التصدي للمد الشيوعي الهادر، وبمباركة الرأي العام العربي تحت غطاء استرجاع الحقوق من الإقطاع، والمساواة، والحرية والعدالة، وتحت شعارات فارغة فضفاضة مثل ((ارفع رأسك يا اخي فقد انتهي عهد الاستعباد)).

أما اليوم فتتم بمباركة كل العالم ،سواء الغربي أو الشرقي، تحت غطاء واحد، وفزاعة واحده الا وهي فزاعة "الإرهاب" وحماية أمن الشعوب. وكأي انقلابي طامع في السلطة يتحتم عليه قطع الوعود بضمان أمن اسرائيل وازدهارها، فقد ضمن حسني الزعيم المحافظة على معاهدة الهدنة والسلام مع اسرائيل الأمر الذي ساعد على الإطاحة به فيما بعد.

حسني الزعيم كان رجل عسكري صارم، ذو طبع حاد، متعجرف، تربى على إصدار وطاعة الأوامر العسكرية وتنفيذها ولم يكن بأي حال رجل سياسة أو قيادي... أراد "الزعيم" ان يدير شؤون الدولة بمفرده، بشكل متعجرف أقرب لرجال العصابات منه لرجال الدولة والسياسة... فلم يكن إلا أن خسر أتباعة من كبار الضباط الداعمين له ولحكمه بسبب تجبره وجبروته وبذلك بات حسني الزعيم لايمثل إلا نفسه  سواء في تعامله مع مناصريه أو مع الشعب السوري. ففي أحد أيام شهر اغسطس 1949 انقلب عليه مجموعة من اصدقائه الضباط بقيادة "سامي الحناوي" و"اديب الشيشكلي" وتم اعتقاله وقتله..وبذا تكون فترة حكمة هي الاقصر في العصر الحديث... ولذا سمى ذلك الانقلاب في الصحافة بإنقلاب "ألف ليلة وليلة".

بعد عدة اشهر قام "الشيشكلي" بالانقلاب على "الحناوي" الذي حكم البلاد لثلاث سنوات هرب بعدها خارج البلاد إثر أحد الانقلابات التي توالت بشكل كان من الصعب متابعة مجريات الاحداث ومعرفة من الذي جاء إلى السلطة حديثا... توالت "سلسلة الانشطارات" العسكرية ليصل عددها إلى 20 انقلابا انتهت بانقلاب "حافظ الاسد" على "لؤي الأتاسي" عام 1970 والذي بقى حكمة الى يومنا هذا.

ولأهمية الموضوع ولإستمرار تأثيره على واقعنا المعاصر، سنتحدث في مقال لاحق عن ثاني وأهم إنقلاب عسكري في العصر الحديث، وفي أهم دولة عربية وإقليمية بمساعدة أمريكية...إنقلاب –او مايسمى- ثورة 23 يوليو 1952.

اكرم الجبالي

كلمات مفاتيح : مقالات ليبيا المستقبل،
الحسين عمر | 25/12/2016 على الساعة 06:11
انقلاب المتأسلمين
وما رأيك في انقلاب (المتأسلمين) في ليبيا لكي يمنعوا استلام مجلس النواب المنتخب للسلطة مما اضطرهم للتنادي في أقصى شرق الوطن لممارسة مهامهم من هناك ؟ أليس هذا الأمر بأكثر مأساوية وأوصل البلاد خاصة العاصمة لتصبح عاصمة الميليشيات ؟ هل لك أن تعطينا رأيك في هذا الأمر ؟
تقّــاز | 24/12/2016 على الساعة 04:43
تأهب وانتظار
وفي ترقب لما ستطلع به علينا ، كما وعدت، في شأن 23 يوليو . ولا أستبق ما أنتظر. ولي عودة، إن شاء ربي، الرَبُّ وصاحب الأمر الفصل...
تقّـــاز | 24/12/2016 على الساعة 04:08
وكذا الألقاب
ومن باب أن سوريا وحاضرتها "دمشق الفيحاء،هما قلب العروبة النابض، الذي كان،، فإنّ "المشير/{ حسني الزعيم}"، رتبته، التي أسبغها على نفسه في شهوره ، جد القليلة في السلطة ، قد عاشت مع "العرب" رتبة ومهابا وقد قلَّد "صدام حسين" نفسه (هو في رحاب الله الآن) ، رتبة "مَهيب" رغم أنه لم يكن عسكريا وكان مهندساً مدنياً، ليس إلاّ، ولكن تسمية الرتبة بِ " المشير" غلبت وانتشرت وحملها كذلك،عبد الحكيم عامر وعبد الله السلال وعمر البشير و حسين طنطاوي وعبد الحليم أبوغزالة وأحمد إسماعيل ومحمد الجمسي وربما آخرون، رحمنا الله جميعا وإياهم. وعندنا "سوق المشير" في طرابلس، لمن يريد المزيد من التقصي. أما الآن، فلدينا(إن كنّا عربا وسمح إخوان المرشد لنا بذلك) المِشير عبد الفتاح السيسي ، أعانه الله على فساد الذمم وإرهاب إخوان المرشد وعناقيدهم ، ولنا خاصة مشيرنا / السيد خليفة حفتر، من قادتنا العسكر منذ ما قبل حرب تشاد المرعبة المنسية. أقول حتى لا أنسى أن "حسني الزعيم" كان هو من أحياها في عصر وحقبة سايكس ـ _بيكو ، التي نعايش أفول قمرها. أكتفي وإلى لقا، بإذن الله والسلام عليكم، يا أعزّائي البسطاء والحالمين والعاملين....
تقّــــاز | 23/12/2016 على الساعة 17:04
إضافة مستدركة
لي إضافة إلى ما كتبت من تعليق سابق في هذا المقام، إِن نُشِر، قبل هذه الإضافة التي تتوخى تعميم الفائدة ، هو أنَّ الزعيم "حسني الزعيم"، لم يكن رئيس أركان الجيش السوري يوم أن قاد الإنقلاب. إن من كان رئيسا للأركان وقتئذ هو الزعيم(العميد في الرتب الحالية)"عبد الله عَطْفِه" رحمهما الله،ولقد اشترك في تنفيذ انقلابه بعض من المتطوعين الليبيين مِمَّن أعرفهم، مِنَ الذين كانوا في الجيش السوري قادمين من ليبيا للإشتراك في "حرب تحرير فلسطين الذبيحة" وتم ضمهم كعناصر في الجيش ومنهم من بقي في سوريا منذ ذلك الحين ومنهم من عاد.
تقّــــاز | 23/12/2016 على الساعة 16:43
رائحة إخوان المرشد
هل السيد/ الكاتب من إخوان المرشد أو من أطياف....المريدين؟!. المهم، فعندي هو سواءً كان منهم أم لم يكن ، فهو في كتابته يأتي على ما يحب أولئك في أن يجعلوا سير أحداث البلاد العربية "سلاطة وشكشوكة" تكتب وتنشر على ما يوافق هواهم. هناك معلومة تاريخية مغايرة حول الموضوع ، هو أنَّ أول انقلاب من التي عمم كاتب "أنقلاب ألف ليلة وليلة....أول انقلاب في (العالم) العربي"، عليها صفة (انقلاب)في البلاد (العربية)" التي كانت"، لم يكن انقلاب حسني الزعيم في (آذار) مارس 1949 ، بل سبقه انقلاب "بكر صدقي" في العراق في عهد الملك غازي الأول في أكتوبر 1936 واغتيل في أغسطس 1937. {تَمَّ،بحمد الله}.
آخر الأخبار
جميع المقالات والأراء التي تنشر في هذا الموقع تعبر عن رأي أصحابها فقط، ولا تعبر بالضرورة عن رأي إدارة الموقع