مقالات

عطية صالح الأوجلي

امرأة تعشق الدهشة

أرشيف الكاتب
2016/12/18 على الساعة 13:01


".... في أشعارها نحن مدعوون  للحديث وللإصغاء، وللولوج في عالم  سمح ومتواضع وحر من أعمال الخيال، فأعمالها تعلمنا لغة الطبيعة الصماء وتجعلنا ندرك رسالتها التي تتكرر في كل شيء واع: ما الوجود إلا صدى للذات،.. الوجود هو أقدس الأشياء". مارلين ماكنتاير

فلتتحدث أعمالي نيابة عن عني...

ماري أوليفر هي أكثر الشاعرات الأمريكيات المعاصرات شهرة، يمتاز شعرها بالعذوبة والنقاء والنفس الروحاني الجميل، كما تمتاز قصائدها بالعمق والشفافية؛ ونظرا لطبيعتها الانطوائية، فهي نادرا ما تمنح مقابلات صحافية، وقليلاً ما تتحدث إلى وسائل الإعلام، وتجيب عندما تُسئل عن السر في هذا الإقتار قائلة... "فلتتحدث أعمالي نيابة عن عني".  وما أكثر الأحاديث التي تثيرها أعمالها. فعلى مدى العقود الخمسة الماضية، تحدثت دواوينها الشعرية إلى عدد لا يحصى من القراء حتى أن صحيفة نيويورك تايمز أشارت مؤخرا لأن دواوين ماري أوليفر هي الدواوين التي تحقق أكبر المبيعات بأمريكا.

ولدت ماري أوليفر في بلدة صغيرة في ولاية أوهايو عام 1935، نشرت ديوانها الشعري الأول عام 1963 وكان بعنوان "لا رحلة.. وقصائد أخرى"، ومنذ ذلك الوقت توالت دواوينها التي أكسبتها مكانة مميزة في الفضاء الشعري الأمريكي.  التحقت في شبابها بجامعة ولاية أوهايو، ولكنها لم تنال شهادة جامعية، عاشت لسنوات عدة في منزل الشاعرة إدنا ساينت فنسنت ميلاي بولاية نيويورك، حيث كانت صديقة لشقيقة الشاعرة، وهناك أتيحت الفرصة لها للقاء شخصيات أدبية عديدة ساهمت في صقل موهبتها واتساع معارفها. وهناك أيضا التقت بشريك حياتها  المصور مولي مالون كوك وانتقلت للعيش معه ببروفينستاون بولاية ماساشوستس حيث المناظر الطبيعية الخلابة التي كان لها ابرز الأثر في أشعارها.

عُرفت ماري بوضوح وعمق تأملاتها وتوظيفها للطبيعة كأداة للتأمل مما أكسبها مكانة راسخة ضمن شعراء الطبيعة الرومانسيون وأدى هذا إلى الانتباه المبكر لإعمالها من قبل النقاد والجمهور.؛ وفي عام 1983 فاز ديوانها "البدائية الأمريكية" على جائزة بوليتزر الشهيرة وحاز على إشادة نقاد الادب في الصحف الرئيسية كالنيويورك تايمز، ولوس انجلوس تايمز. وفي ديوانها التالي "العمل المثالي" (1986) واصلت البحث عن سبل لاستيعاب عجائب والآم الطبيعة، مزاوجة بين حس صوفي ذو ابتهاج غامر ووعي عملي بضراوة العيش ومتطلباته. وتميزت قصائدها في هذا الديوان بغنائية مكثفة، رشيقة أحيانا.. وحزينة احيانا أخرى كأنات ناي ... وفيه انتقلت من التغني بالطبيعة و إغوائها  إلى عالم المعاناة الشخصية والتاريخية.. أو كما قال احد النقاد إلى مواجهة ما لا يمكن تغييره. هذا الانتقال بدا واضحا في ديوانها التالي "مختارات شعرية" الذي فاز بجائزة الكتاب القومي. حيث أبرزت القصائد الجديدة المزيد من تأمل الذات، الطبيعة و الوجود بشكل يزداد ثراء ورشاقة.

استمرت أوليفر في الاحتفاء بالطبيعة في أعمالها التالية، بما في ذلك "ساعات شتاء: نثر، قصائد نثرية، وقصائد"  (1999)، "لماذا استيقظ في وقت مبكر" (2004)، "قصائد مختارة، المجلد الثاني"  (2004) مما حدا بالنقاد إلى مقارنة أعمالها بأعمال شعراء الطبيعة أمثال  ماريان مور، إليزابيث بيشوب، إدنا سانت فنسنت ميلاي، جون موير، والت ويتمان.

تحصلت اوليفر على العديد من الجوائز كما ظهرت مقالاتها في أبرز الصحف الأمريكية. وأختيرت عام 2009 لترأس تحرير مطبوعة أفضل المقالات الأمريكية لذاك العام. كما تستعمل كتبها على نطاق واسع في الجامعات وورش العمل الإبداعية. ولقد ساهمت في ورش عمل في العديد من الجامعات وتم منحها الدكتوراه الفخرية من معهد الفن ببوسطن (1998)، ومن كلية دارتموث (2007) ومن جامعة تافتس (2008). تقيم الشاعرة حاليا في ولاية ماساتشوستس. فيما يلي ترجمة لبعض من قصائدها:

الرحلة


أخيرا عرفت
ما عليك فعله،
وبدأت،
رغم...
الأصوات التي
تقذف نصائحها الرديئة  
ورغم...
اهتزاز البيت...
ورغم الشد في كاحليك.
"اهتم بحياتي.....!!"
كل صوت يصرخ فيك.
لكنك لم تتوقف.
كنت تعرف ما عليك القيام به،
رغم  شراسة الرياح
وقسوة أصابعها
التي كادت أن تطيح بك،
رغم الحزن
المريع.
فالوقت  كان متأخراُ
موحشاً،
والطريق تملأه
فروع متساقطة.... وأحجار.
ولكن شيئا فشيئا،
ذابت في المسافات أصواتهم،
واحترقت النجوم...
وسط غيومها...،
ثم أتي صوت جديد
أدركت ببطء أنه صوتك..
أنه رفيق رحلتك التي غصت
العالم فيها
عازما على القيام
بالشيء الوحيد الذي يمكن فعله...
عازما على....
إنقاذ الحياة الوحيدة....
التي بإمكانك حقا إنقاذها.


عندما يأتي الموت


عندما يأتي الموت
كدب الخريف الجائع؛
عندما يأتي..
ويُخرج من محفظته..
نقوده اللامعة ليبتاعني
عندما يأتي الموت
كالحصبة،
أو يأتي  
كجبل جليدي بين لوحي كتفي،
أريد للفضول...
أن يدفعني عبر ذاك الباب لأتساءل :
كيف هو كوخ الظلام هذا؟..
لذا....
سأرى كل الموجودات كإخوة لي،
وسأرى الوقت فكرة ليس إلا..
والخلود مجرد احتمال،
وكل حياة مجرد زهرة وحيدة،
شائعة كزهرة الربيع،
وكل اسم هو نغم تردده الشفاه،
ويميل، كما الموسيقى، نحو الصمت،
وكل جسد في شجاعة الأسد تعشقه الأرض.
وفي  نهايتي ..
أريد أن أقول:
أنني طيلة حياتي ..
كنت زوجة الدهشة.
والزوج الذي احتضن العالم بين ذراعيه
آنذاك،
لا أريد أن أتساءل في حيرة
هل صنعت شيئا من حياتي،
لا..
لا أريد..
أن أتحسر أو أخاف،
أو أن أغوص في جدال.
أنا فقط أريد..
ألا ينتهي بي المطاف..
كعابرة سبيل... في هذه الحياة .


نعم...! ...... لا!


ما أهمية أن تحكم على الأشياء..!
فالزنابق راضية وهي بالكاد تعلو الأرض درجات،
والصفاء نادر..
ليس موجودا...
كشجرة برقوق تحتضن بتلاتها البيضاء.
ولا....
كبنفسج، على سطح الماء،
يتراقص بوجوهه الزرقاء كمشكاة
ولا....
كتلك الطحالب الممتلئة الخضراء.

***

ما أهمية أن تـمـشـي الـهـويـنـا..
تتفحص الأشياء..
وتصرخ....،
نعم!....... لا!  
 فالبجعة، بكل بهائها،
وثيابها المزدانة بالعشب والبتلات..
لا تريد سوى
أن يسمح لها بالعيش على بحيرة بلا أسم. 
والنباتات بكمالها،...
والطيور بتغريدها، على حافة الصخور الموحلة...
تكاد أن تجن في سعادتها.
ما أهمية أن تحكم على الأشياء..!
فالخيال
أجمل
والتأمل ..
أجدى.

عطية صالح الأوجلي

متسائل | 19/12/2016 على الساعة 20:52
Party pooper?
!!!I am just wondering who was that guy ? I don't think that we Libyan people got such sense of humour ,thanks to the writer and others
Salem | 19/12/2016 على الساعة 17:14
Thanks
Thank you Mr. Attia for your usual enjoyable and invigorating article, I know you have taken a long time to gather such an enlightening input, it is highly appreciated, such a pleasant transformation from the misery we Libyans are currently living in. As for the student Reader, we Libyans are well known for being " party Pooper" which is an expression used by English speakers
Reader | 19/12/2016 على الساعة 16:14
Show Us
Thank you Mr. Al-Ojali for your earnest endeavor to share your vast knowledge and for opening new literary doors for people like me. I have in fact learned many things from your contribution and became familiar with many writers from Europe, India and the USA. Mr. Al-Bahlool is very good at nitpicking , he does not contribute any literary analysis or information but always ready with his sharp knife to dissect the contribution of others, I love to see him write an essay of substance, he seems very knowledgeable and l always admired his political analysis. I hope Mr. Al-Bahlool takes my remarks in good faith, I am a student and I always believed that if you are incapable of doing something good then don't stop others but rather help them do it.
م/ب | 19/12/2016 على الساعة 16:12
شكراً "روعة "...!
انا من أصبت بالدهشة !!!! حقاً أدهشني تعليق " روعة " عندما اعدت قراءة النص ... عجبا هل نحتاج الي دليل لنتذوق " فلسفة الجمال " وبلسان الصمت المحيّر !!!
م ب | 19/12/2016 على الساعة 15:38
موفق انت في حسن اختيارك !!!
جهد مشكور دكتور عطية ،دائماْ ما تطالعنا بين الفينة والآخري بقبسات من نور علها تضئ ظلام احداث لوطن تائه يبحث مواطنوه عن هدوء !!! كهدوء تلك البحيرة ربما....
روعة ... !!! | 18/12/2016 على الساعة 18:09
ما أهمية أن تحكم على الأشياء..!
البجعة، بكل بهائها، وثيابها المزدانة بالعشب والبتلات.. لا تريد سوى أن يسمح لها بالعيش على بحيرة بلا أسم. والنباتات بكمالها،... والطيور بتغريدها، على حافة الصخور الموحلة... تكاد أن تجن في سعادتها. ما أهمية أن تحكم على الأشياء..! فالخيال أجمل والتأمل .. أجدى.
البهلول | 18/12/2016 على الساعة 17:00
وليدة الدهشة
الشاعرة الامريكية ماري أوليفر من مواليد "كليفلاند" بولاية اوهايو عام 1935م ونشرت أولى مجموعها الشعرية بعنوان (ما من رحلة ) وليس كما ذكر الكاتب (لا رحلة ) وفي عام 1984م فازت مجموعتها الشعرية الخامسة "بجازة البولتزز " وهي بعنوان البدائي الامريكي " وليس كما ذكر الكاتب عام 1983م عشقت الشاعرة الطبيعة وعاشت في احضانها الدافئة ولذا نجد ان معظم قصائدها تتميز بوصف الطبيعة الخلابة ولعل من ابرز قصائدها (النوم في الغابة )عام 1978م و(منزل الضوء )عام 1990م و(صنوبر أبيض )عام 1994 و(مروج زرق )عام 1995م والورقة والغيمة )عام 2006م و(لماذا أستيقظ قبل الشمس ) عام 2004 و(طير احمر ) عام 2008 و(الف صباح ) عام 2012 ومن أشهر قصائدها اغنية البناة وافضل من ترجم لها هو الدكتور عادل صالح الزبيدي ويبدو ان الكاتب اخذ عنه معظم معلوماته .
آخر الأخبار
جميع المقالات والأراء التي تنشر في هذا الموقع تعبر عن رأي أصحابها فقط، ولا تعبر بالضرورة عن رأي إدارة الموقع