مقالات

محمد خليفه جميل

أبكيك يا وطني

أرشيف الكاتب
2016/06/28 على الساعة 17:43

أبكيك ياوطني بكل جوارحي... أبكيك ياوطني بكل حرقة وبكل حسرة وبكل بؤس... أبكيك بسبب ما تتعرض له من تدهور وضياع... أبكيك ياوطني بكل خيبة أمل، إذ أرى قُطاع طريق الأمل والكرامة يعبثون بك وبما كنت عليه من رفعة.

فلو أن بكائي كان لِما فعل الأجنبي لهان  الأمر ؛ فليس هو من ذوي القربى، ومآله لزوال. ولو كان بكائي لمصيبة من طوفان أو زلزال لخفف الإيمان بالقضاء وقع المصيبة.

الكوارث الطبيعية تخلف ضياعا في الأرواح وفسادا في الرزق، ولكنها لا تقطع الأمل. ولكن الكارثة التي يصنعها أبناء الوطن لوطنهم لا عزاء لها، وهي أشد ضررا بسبب عبث قُطاع طريق الأمل والكرامة.

عرفتك ياوطني تحت استعمار إيطالي، وتحت إدارة عسكرية بريطانية، ولم يفقد الليبيون الأمل. وعرفتك في استقلال بناه أبناؤك،  تقريبا من لا شيء، في عزم ومثابرة وإيمان، فكان إنجازهم مبعث  اعتزاز الليبين بك، ومبعث تقدير واحترام لك من كل الدنيا.

ثم جاء معول الهدم، فأدخلها مدخل الأوهام التي بنيت عليها وطنيٓةُ وهمٍ أطاحت بواقع الإعتزاز وبمكانة التقدير. دام الوهم لعشرات السنين، ومعول الهدم ينخر في جسدك، ياوطني، حتى تمكن منك السوس، وما توقف الوهم عن إسدال الستار البراق من الخيال،  على واقع قاتم أليم. لكن الأمل في الخلاص لم ينقطع، فكانت الإنتفاضة، مثلا يحتدى، رفع عنا الأوهام وأدخلنا مدخلا لمستقبل زاهر يعيد كرامة انتهكت لسنوات طويلة.

لكن الفرحة لم تطل، سارع طلاب السلطة والمال إلى تحقيق طموحاتهم، بوسائل ظاهرها حرص على الوطن، وباطنها أنانية مقيتة ترى مصلحة الوطن هي فيما يحوزون من مال ومن سلطان. لقد استوى في ذلك السعي من شكّل الأحزاب ومن شكّل الكتائب ومن لجأ إلى قبيلة تدعم أهواءه وتخدم أهدافه.

عميت الأبصار، وعُرّف حب الوطن بتعريف جديد: هو "العصبية"، عصبية مقيتة، تُخرج من الملة، يستوي في ذلك من تعصب لحزب أو تعصب لقبيلة أو تعصب لعائلة  أو تعصب لمال.  وما ذلك إِلَّا لأن العصبية تعمي الأبصار،  وتمكن الإنصياع للهوى من النفوس.

أبكي وأبكي، لأنني لا أرى بصيصا من أمل، ولو كان ضئيلا. (ليتني أكون مخطئا). لو كان الغير يظلمونك، ياوطني، لحاولت نصرتك، فإن فشلتُ وحل بك الظلم، بكيت تأثرا ولم أفقد الأمل. ولو أصابك زلزال أو طوفان، بكيت ولم أفقد الأمل.

أبكيك يا وطني، بحرقة شديدة، لأنني أراك تنهار بأيدي أبنائك، بلد يدمر، وأرواح تزهق، وشلل وجماعات من السفلة تتاجر بدم الشباب تحت مسميات وشعارات وولاءات لم نكن تعرفها ولا نريد لها أن تجد مكانا بيننا.

فالممارسات الدينية في ليبيا وبين أفراد الشعب الليبي تعتبر من أفضل الموجود على الساحة العربية، لا بل وعلى مستوى العالم الإسلامي، والولاءات الخارجية لم يكن يعرفها الشعب الليبي، وعلاقاتنا بالخارج على الصعيدين العربي والعالمي كانت تحكمها المصالح المشتركة وحسن الجوار والتعامل بالمثل.

كان ذلك قبل أن تصاب البلد بفيروس الإنقلابات العسكرية، وقبل أن تعمل معاوله المتخلفة في تحطيم البنية التي أسست عليها علاقات ليبيا مع العالم الخارجي ومع الجيران.

أبكيك يا وطني، وأنا أرى السماسرة يبيعونك في سوق النخاسة، يعرضونك لمن يدفع أكثر دون حياء ودون خجل مما يقترفون.
لك الله يا وطني، فقد خابت كل الآمال في أن يأتي المنقذ، وبقي الأمل في الله وحده، إنه على كل شيء قدير.

محمد خليفه جميل

كلمات مفاتيح : مقالات ليبيا المستقبل،
لا تعليقات على هذا الموضوع
إستفتاء
هل توافق علي مقترح “القطراني”: مرحلة انتقالية تحت سلطة الجيش بقيادة حفتر؟
نعم
لا
+
إعادة
لمتابعة ليبيا المستقبل
جميع المقالات والأراء التي تنشر في هذا الموقع تعبر عن رأي أصحابها فقط، ولا تعبر بالضرورة عن رأي إدارة الموقع