مقالات

أكرم الجبالي

التجارة المخفية

أرشيف الكاتب
2016/12/11 على الساعة 10:40

شهدت الولايات المتحدة الامريكية بعد انتهاء الحرب الاهلية طفرة اقتصادية كبيرة حولتها من دولة نامية هامشية بعيدة عن العالم واحداثه، إلى دولة ذات إقتصاد ضخم يعادل إقتصاد ألاربع دول التي تليها في القوة الاقتصادية مجتمعة. كما انها، من الناحية العسكريةً، تحولت من قوة ضئيلة لايس لها وزن، وبمعزل عن الاحداث الدولية الى قوة تسيطر على العالم، و قادره على التدخل - ضاهرياً - في كل كبيرة وصغيرة في هذا العالم سواء بشكل متعمد، أو يحسب لها حساب فقط لمجرد كونها  امريكا. إلا انه يجب الاشارة الى ان ذلك النمو الاقتصادي لم يكن هو العامل الوحيد الذي جعلها كذلك، انما بطبيعة الحال، قوتها وتطورها العسكري الغير مسبوق. إلا أن تلك القوة الاقتصادية/ العسكرية صاحبتها أيضاً نظرة جيوسياسية واستراتيجية بعيدة المدى هي التي مكنتها من التأثير والسيطرة على العالم، والا كانت ستبقى دولة غنية مرفهة تعيش على حافة العالم وفي منئى عن الاحداث. من أهم تلك الاستراتيجيات الجيوسياسية، هي السيطرة على ممرات التجارة العالمية من خلال السيطرة على ممراتها المائية.

في الماضي القريب كان ممر شمال الاطلسي البحري هو الممر الوحيد لأوروبا وبالتالي  كان المسيطرعلى هذا الممر هو فقط من يمكنه التحكم في الدخول الى اوروبا والخروج منها وبالتالي التحكم في الدخول والخروج من باقي العالم. إلا ان شيئاً ما مهم قد حدث في اوائل العام 1980 ولأول مرة في التاريخ، حيث تغَيرطريق نقل البضائع بالسفن الى المحيط الهادي، والذي اصبح مساوياً في الاهمية لممر شمال ألاطلسي. تزامن ذلك مع تشرذم اوروبا بعد الحرب العالمية الثانية الى عدد من القوى الثانوية الامر الذي زاد من التقليل من اهمية ممر شمال الاطلسي وبات لايعني الكثير. وكنتيجة لذلك اصبح لزاماً على اي دولة ترغب في السيطرة على العالم واقنصادة من خلال التحكم في نظام التجارة العالمية، ان تتحكم في كِلا الممرين البحريين. ألامر الذي سينعكس بالايجاب على اي دولة تقع جغرافياً على كلا المحيطين ستستفيد من ذلك بشكل كبير. اذاً الموقع الجغرافي هو ما أعطى أهمية كبرى للممرين البحريين وجعل منهما عامل مهم في التحكم في النظام العالمي، وهو نفس العامل الذي جعل بريطانيا تتحكم وتسيطرعلى العالم في القرن العشرين، وجعل منها الامبراطورية التي لاتغيب علها الشمس. حيث منحها موقعها الجغرافي الطبيعي القدرة على السيطرة على تلك المنطقة الحيوية. وبنفس المنطق، حلت امريكا الشمالية محل اوروبا كموقع جغرافي مهم. وأصبح من يتحكم ويسيطرعلى امريكا الشمالية يضمن التحكم والسيطرة على العالم. وهذا بالتحديد ما قامت الولايات المتحدة بإستغلاله، وتسخير قوتها الاقتصادية لهذا الغرض. ومن ذلك يمكن القول ان تزاوج القوة العسكرية/ الافتصادية مع الموقع الجغرافي للولايات المتحدة هو ماجعل منها اللاعب الاساسي في القرن الواحد والعشرين وهو الامر نفسه الذي جعلها قوة يُخشى سطوتها ويُخطب ودها. فسواء كانت قطعة من الخردة تسير على امواج بحر الصين الشمالي، او قارب شراعى يتداعى على الساحل الافريقي، او ناقلة بترول على مياه الخليج الفارسي، او سفينة ركاب تمخر مياه الكاريبي، كلها تسير تحت عين الولايات المتحدة واقمارها الاصطناعية المنتشرة في الفضاء، بل ولايمكن لايً منها ان تتحرك إلا بعد اخذ الاذن من البحرية الامريكية والتي تتفوق بكثير في قوتها عن قوى كل دول العالم مجتمعة.

ولمعرفة اهمية التحكم في نقل البضائع عبر المحيطات والتي عرفت اهميتها امريكا ومن قبلها المملكة المتحدة في وقت مبكر، سنلقى الضوء بأختصار على تلك التجارة المخفية والمجهولة للكثير من الدول والتي يمكن اعتبارها مربحة بشكل غير متوقع (لذا سميت بالتجارة الضخمه). فقد كان بأمكان الدول العربية ان تستثمر بها بدل من ايداع الاموال في البنوك الغربية او الاكتفاء والرضى بما يعود عليها بيع بعض براميل البترول الخام.

ساهم إنخفاض سعر نقل البضائع عبر المحيط في خفض اسعار البضائع وتضاعف معها أرباح الشركات بشكل غير مسبوق خاصتا اذا علما ان 90% من البضائع التي التي يُنتجها ألانسان على وجه الارض، ويستفيد منها اكثر من سبعة مليار إنسان، تنقل عبر البحار. نقل البضائع بواسطة السفن تجارة مربحة اكثر مما يُتصور الى الدرجة التي جعلت منها تجارة مُحتكرة، ومحاطة بالسرية التامة، بل وتعمل خلف الكواليس وبعيداً عن عين الرقابة لذا اطلق عليها "تجارة العمى البحرى". يطوف حول العالم في اعالي البحال مايزيد عن 60,000 ناقلة بضائع تختلف في احجامها. إلا إنه لاتوجد حدود معينة لحجم سفن الشحن هذه الايام، فهو في ازياد مضطرد، ومتسارع بشكل كبير. فاكبر ناقلة بضائع، على الاقل الى وقت كتابة هذه التدوينة، هي الناقلة "تربل اي" او "حروف الاي الثلاثة" والتي تملكها الشركة الاكبر في العالم، "ميرسك". يبلغ طول "تربل إي" 400 متر، اي مايعادل طول اربع ملاعب كرة قدم مجتمعة، او ما يعادل طول 10 طائرات من نوع "اير باص 320" تقف خلف بعضها البعض، واطول حتى من برج ايفل ذو 324 متر اذا ما وضع على سطحها بشكل افقي. ناقلة البضائع هذه يمكنها حمل 18,000 حاوية بضائع والتي لو صفت بجانب بعضها لوصل طولها لمسافة تعادل 120 كيلومتر. كل ذلك بهدف تقليل تكاليف الشحن، الامر الذي انعكس بشكل كبيرعلى اسعار البضائع بالايجاب. يبقى ماتنقله 500 مليون حاوية تدور حول العالم بداخلها سراً لايعرف محتواها، في اغلب الاحيان، الا المرسل والمستقبل فلايتم تفتيش الا مانسبتة 2% من اجمالي الحاويات التي تطوف العالم. هذا العجز في السيطرة على تنقل الحاويات شجع على محاولة نقل 100 طن من مادة الكوكاين المخدرة، 60 طن حشيش القنب، وطن من الهيروين، اضافة الى البضائع المزورة والاسلحة. كلها تمت مصادرتها خلال العشر سنوات الاخيرة قي محاولة لنقلها وتهريبها بواسطة الحاويات. كما إن أكثر من نصف المخدرات التي تدخل للولايات المتحدة واوروبا تنقل داخل الحاويات ألامر يجعل من اي ميناء بحري لأي دولة عبارة عن ثقب أمني يمكن استخدامة لضرب وتدمير تلك الدولة.

تبقى كثير من شركات النقل البحرى الكبيرة غامضة وغير معروفة وتعمل في الخفاء وخلف الكواليس وقد يكون ذلك عن عمد لتبقى بعيدة عن متابعة ومراقبة المراكز التجارية خاصتا تلك الشركات العاملة في قارتي اسيا واوربا والتي تشكل 90% من اجمالي الشركات حول العالم والتي يصل ربحها السنوي الى مايزيد عن 500 مليار دولار. هذا الدخل السنوي يزيد عن دخل كل شركات الطيران حول العالم مجتمعه. المدهش في الامر ان اغلب تلك الشركات العملاقة هي شركات خاصة وتملكها عائلات معينة. فأكبر عشر شركات تملكها عائلات راسمالية لايعرف الكثير أسماء ولاحتى أشكال وجوه مالكيها. لذا يمكننا القول ان مصير سبعة مليار انسان على وجه الارض مرتبط بتلك العائلات العشر. اول تلك الاسماء هو النرويجي "جون فريدريكسون" والذي تقدر ثروته بخمسة عشر مليار دولار والذي تنقل سفنة مايزيد عن نصف البترول الخام المنقول حول العالم، وهو الذي لم يضع ولم مرة أحد رجليه على أي من السفن التي يملكها. بدأ "جون فريدريكسون" كرجل اعمال صغير في ثمانينات القرن الماضي وأستفاد بشكل كبير من الحرب ألعراقية ألايرانية حيث وضع تحت تصرف الحكومة الايرانية الناقلة الوحيدة التي يملكها في ذلك الوقت لتتمكن إيران من بيع النفط الخام وشراء الاسلحة. كما قام "جون فريدريكسون" فيما بعد بالاحتيال على احد عملائة بمبلغ 10 مليون دولار أسس بها اسطولة البحري العملاق. ومن بين اساطين تلك التجارة عائلة "لي كا شنق"، "ايدان اوفر"، والسيدة "ايداس فونتبونا"، و"كلاوس كوهين".

ولمزيد من السرية ولطمس هوية دول المنشأ، وللتهرب من القوانين، مثل قوانين دفع الضرائب، والحد الادنى للأجور، تجوب هذه الناقلات العملاقة البحار رافعةً علم دولة ما مثل "ليبيريا" والتي تكون فقط تحت طائلة قانونها في المياة الدولية، اي 200 ميل من اي شاطئ، وهي الفترة الاطول التي تقضيها اغلب تلك الناقلات طيلة فترة بقائها في الخدمة والتي تتراوح بين 25 إلى 30 سنة. ويعتبر ألعلم الذي ترفعة أي ناقلة هو العامل ألاهم في عملية خفض تكاليف النقل. إذ يمكن لأي شركة نقل بحري أن توفر مايزيد عن 65% من تكاليف عملية النقل اذا ماسجلت ناقلاتها لدى احدى الدول المناسبة لعملها. عدد الدول  التي توفر خدمة العلم لاحصر له بل منها من لاتملك حتى شاطئ بحري او ميناء في الاساس. بنما، البهاما، جزر المارشال، الدومنيكان كلها دول مشهورة في هذا المجال وتوفر الحصول على ذلك التصريح خلال 24 ساعة بعد التسجيل خلال الانترنت، وتقام لذلك المعارض والتجمعات السنوية لتسهيل وتسويق اعلام تلك الدول.

اما الجانب المظلم لهذه التجارة فيتمثل في إستغلال اليد العاملة الرخيصة من دول جنوب شرق آسيا كالفلبين والتي يعمل منها مايقرب من مليون ونصف عامل على ظهر تلك الناقلات، او السجون العائمة كما يحلوا للبعض أن يسميها. إضافة طبعاً إلى الربح الغير محدود للشركات عابرة للمحيطات.

تعيش تلك العمالة في عزلة تامة عن العالم فلايوجد إنترنت أو حتى إتصالات هاتف لمدة تتراوح بين تسع او عشر أشهر، وهي مدة الرحلة الواحده، وبأيام عمل طويلة، يفقدون معها بعد فترة طويلة من العمل القدرة على التواصل الاجتماعي بشكل تدريجي، فهم الضحايا الحقيقيون لعملية تخفيض سعر نقل البضائع والربح المهول لتلك الشركات خاصتاً إذا ماعلمنا ان 2000 نفس بشرية تموت سنوياً من تلك العمالة نتيجة للغرق او نتيجة لحوادث السفن والتي يصل عددها 122 حادث سنوياً وذلك فقط للسفن التي يزيد حجمها عن 300 طن. نسبة العمالة الفلبينية تشكل مانسبتة 40% من إجمالي العمالة على ظهر تلك الناقلات نظراً لإنخفاض اجورها وإجادتها للغة الانجليزية ولكونها تربح ستة اضعاف مايربحة في بلدها الفليبين.

الجانب السيئ الآخر في هذه التجارة المخفية، هو ماتسببه من تلوث للبيئة، فمن النادر ان يشار لصناعة السفن بأصابع الاتهام على عكس صناعة السيارات. ويقدر العلماء ان ماتبعثة ناقلة بضائع واحدة يعادل ماتبعثة 50 مليون سيارة لكون تلك الناقلات تقوم بحرق اثنين طن من الوقود رخيص الثمن يومياً وذلك ايضاً في إطار المحافظة على اسعار منخفظة، بمعنى ان ما تبعثه 20 ناقلة كبيرة الحجم مايعادل ماتبعثة مليار سيارة. فكيف سيكون الحال اذا ماعلمنا ان هناك 60 الف ناقلة تنفث سمومها حول العالم وتتسبب مع غيرها من الملوثات في الاحتباس الحراري وإذابة مساحة تقدر ب 37000 كيلوميتر سنوياً، او مايعادل مساحة دولة مثل سويسرا. لاكن، على الجانب الاخر، ذوبان الثلج ذلك سيفتح ممراً جديداً للسفن وهو "ممر الشمال الغربي" والذي سيربط اميركا الشمالية مع باقي العالم من جهة القطب الشمالي مروراً بآلاسكا، كما سُيفتح ممر جديد بين اوروبا واسيا يسمى "ممر الشمال الشرقي" وهو الذي سيوفر بدوره ثلث المسافة بين اوروبا واسيا، وسيتم بذلك ،على الاجح، ألإستغناء على ممري المحيط الاطلسي والهادي وقد تفقد الولايات المتحدة مع الاخير بعض سيطرتها على البحار كما ستخسر مصر كثيراً بالاستغناء عن المرور عبر قناة السويس.

في نهاية المطاف، يتم التخلص من اي ناقلة إنتهى عمرها ألافتراضي في مقابر بعيدة عن الحضارة ألغربية، بعيد هناك في بحار الهند وبلاد البنغال حيث تتحول إلى حديد خردة باعثة بذلك مزيد من التلوث في تلك البحار.

أكرم الجبالي

كلمات مفاتيح : مقالات ليبيا المستقبل،
محمود التهامى | 24/12/2016 على الساعة 23:45
ما هذه الخزعبلات يا أخى
أعلم أن كتاب الأساطير لا ينتهون - لكن لا توجد أساطير تستخدم أسماء أشخاص و شركات و دول - يا أخى إن 80 % مما كتبت فى هذه القصة لا يمت للواقع بصلة .
آخر الأخبار
جميع المقالات والأراء التي تنشر في هذا الموقع تعبر عن رأي أصحابها فقط، ولا تعبر بالضرورة عن رأي إدارة الموقع