مقالات

عبد الجليل آدم المنصوري

انعكاسات حُكم صاحب الراية الخضراء

أرشيف الكاتب
2016/12/11 على الساعة 10:40

نقلت جريدة وول ستريت جورنال Wall Street Journal في يناير 1977م، عن الجنرال براون رئيس أركان الجيش الأميركي آنذاك قوله: أن العرب غير مُلمّين بالتكنولوجيا، وللتغلب على هذه المشكلة سيحتاجون إلى جيل كامل، إذا ما استمروا في تنفيذ سياساتهم التعليمية الحالية، بمعنى سيتغلب العرب على مشكلة عدم الالمام بالتكنولوجيا بحلول عام 2000م تقريبا. وليبيا التي كانت من بين الدول العربية المقصودة في كلام الجنرال براون، ولكن - للأسف - استولى على حكمها معمر عام 1969م، وما أن رتّب أموره في السيطرة التامة على مفاصل الدولة، حيث نقل العاصمة من البيضاء إلى طرابلس خلال الأسابيع الأولى من توليه الحكم، ثم التخلّص-إزاحة أو قتلا-من كل من كان يخشاه من رجالات الجيش الليبي، حتى بدأ في تخريب البلاد المُمنهج، بدءا بالتعليم وإفساد الإدارة الحكومية والعبث بالاقتصاد، وإعلانه عن ذلك في خطاب زوارة المشؤوم، المعروف بالنقاط الخمس.

وفى عام 2006م، تقابلت مع السيد بيتر ينج Peter Young، مدير منظمة آدم سميث الدولية Adam Smith International، عندما كان في زيارة عمل مع الدولة الليبية بخصوص تحسين وتطوير الخدمة المدنية في ليبيا. سألني السيد بيتر: ما هي مشكلتكم في ليبيا؟  فقلت له؛ سوء إدارة الاقتصاد الوطني. فقال هل لك أن تُفصح أكثر؟  فقلت له أن مساهمة عائدات النفط في الناتج المحلى الإجمالي حوالي 27% عن كل برميل نفط يباع، على أساس سعر 20 دولار فقط للبرميل. فقال لي: أين يذهب الباقي؟ فقلت له الآن أنا الذي أسألك أين يذهب الباقي؟ فرد قائلا: ألا تدري أن ما يجرى في ليبيا مقصودا Deliberate؟ فقلت له لا أعلم، فقال عليك أن تُصدّق ذلك، اقرأ كتاب "ذكر لي اسم الكتاب ومؤلفه" الذي بيّن أن ما يجرى في ليبيا من فساد وتخريب للدولة مقصود، ومنفذه هو معمر.

واستنادا على تجربتها أثناء عملها مستشارة في أحد أقسام الحكومة الليبية، قالت الصحفية الأميركية آن مارلو Ann Marlowe: أن ضعف وهشاشة الدولة حاليا، هي نتيجة مباشرة للثقافة المكتسبة بعد 42 من الدكتاتورية الفوضوية. ونراه قولا صحيحا لأنه عندما ينتهي الحاكم الدكتاتور، صاحب الأمر والنهي، تعم بعده الفوضى، لأنه لم يعمل على تكوين دولة مؤسسات، الدولة المدنية دولة القانون، بل دولة الرجل صاحب المشهد الوحيد One man show.

وأضافت الصحفية بالقول؛ إن الأمية في ليبيا ظلت في حدود 20% حسب إحصاءات عام 2008م، رغم أن البلاد نالت استقلالها منذ 1951م. ووصلت نسبة الذين يعملون في دواوين الدولة في عهد معمر إلى حوالي 75%، وهي نسبة تعكس مدى تضخم في العاملين بالقطاع العام. ونحن نعرف أن سبب ذلك هو إلغاء ومحاربة القطاع الخاص في ليبيا، نتيجة توجهات معمر الاشتراكية-حسب زعمه.

وأشارت الصحفية إلى أن نظريات وجنون القذافي وتدخّله في كل شيء، جعلت من التخطيط السليم شيئا مستحيلا. فكان الناس يفعلون ما يؤمرون، تأتى التعليمات السريعة وغير المتوقعة للمسئولين فجأة وبدون تنسيق أو سابق علم، وما عليهم إلا التنفيذ. لذلك، كان من الأفضل للمسؤولين ألا يعملون شيئا، فما سيعملونه اليوم سيأتي أمر ما غدا بإلغائه، أو أمر بعمل عكس تعليمات الأمس! وصدقت هذه الصحفية فيما قالت، لقد مررت يوما في بداية تسعينات القرن الماضي، على أحد الزملاء الذين كان على رأس إحدى الوزارات-أتحفظ عن ذكر اسمه والوزارة-فوجدته في مكتب كبير تحيط به عدة تلفونات أرضية، فقلت له-مُداعبا-يبدو أنك وزير كبير... تلفوناتك كثيرة! فقال؛ كلها سهْلة، باستثناء ذلك الأحمر، إنه تلفون المشاكل، تلفون القيادة-على حد قوله-رنينه يعنى أوامر معينة، ويستر الله.

ومن ناحية أخرى، قال لنا أحد الوزراء-رحمه الله-خلال حكم معمر؛ تكون محظوظا لو تخرُج من حكومة معمر بقرحة أو ضغط دم مرتفع أو السكرى. وهذا ما أشارت إليه الصحفية بقولها: إن الليبيين في عهد معمر؛ إما أصيبوا بمرض انهيار الأعصاب، أو أصيبوا بمرض متكرر ومؤلم وهو عدم الاهتمام واللامبالاة، مما أوجد عدم الثقة بينهم وبين الشعب، نتيجة لغياب الثقة فيما يقولونه لهم وتلقيهم التعليمات الفجائية. مع وجود الفساد الذي هو ثقافة رديئة مكتسبة، تفشت في عهد معمر بشكل كبير.

وأضافت الصحفية تقول؛ بعد عام 2011م، عاشت ليبيا حالة من التغيير المستمر والمفاجئ للمسؤولين؛ استبدال سيئين بأسوأ منهم، كسالى لا يملكون المعرفة أو القدرة على الرد الموضوعي، فاسدون وفى أعلى مستويات الدولة، تأخير وتعجيز في أبسط الأمور والوظائف. كثير من مسئولي الإدارة العليا لا يعرفون استعمال البريد الالكتروني، تلفوناتهم معظم الوقت مقفلة، كثيرون منهم لا يقرؤون بريدهم ومراسلاتهم وإن قرأوا لا يفهمون. لا تستطيع أن تتصل بهم، وإن كنت محظوظا سيكون ذلك بعد أكثر من 30-40 مكالمة تلفونية. وإن كنت محظوظا أكثر للتعامل مع أحد المسئولين القلة الذين يستخدمون البريد الالكتروني، يكون بعد 30-40 بريد الكتروني، وباللغة العربية لتحصل على إفادة بأن بريد واحد قد وصل. فوزير الخارجية مثلا، غالبية الوقت في مالطا أو مصر، ومعظم رجالات السلك الدبلوماسي الليبيين لا يتحدثون اللغة الإنجليزية أو الفرنسية، أو لغة البلد الذي يعملون فيه-اللهم إن كان بلدا عربيا-غير ملمّين بثقافة الآخر، والأسوأ أن من ضمنهم الكثير من اللصوص والمجرمين، علاوة على أن معظمهم من غير ذوي الكفاءة لأداء المهام المنوطة بهم، حيث جاء اختيارهم على عادة ما يُقرّره الفساد والواسطة الوظيفية.

هذه الثقافة الفاسدة المسمومة والمريضة-وهي تركة حكم معمر-أدت إلى وجود تخبّط إداري في الدولة الليبية وفوضى سياسية عارمة بها. كذلك الدعايات ذات التوجه الإسلامي من دولة قطر، أدت إلى وجود فرص للكسالى والمعتوهين والمرضى نفسيا أو متدني الثقافة والعلوم، للحصول على وظيفة أو حتى شهادة علمية بالقوة، وفرض تلبية وتحقيق الرغبات. كما ذكرت هذه الصحفية؛ أن رجل أعمال ليبي-تحفظت عن ذكر اسمه-قال لها أن هناك تزاوج مصالح بين المليشيات الإسلامية، وبين من سرقوا الأموال العامة أيام القذافي، يريدون هذه الفوضى أن تستمر حتى يحافظون على سلطانهم وأموالهم.

إنها تركة سيئة لحكم سُلطوي دكتاتوري مُدمّر، أفسد البلاد والعباد، وأهم ما أفسد هو القيم وتركه الباب مفتوحا لضعاف النفوس في نهب المال العام فاستشرى الفساد، فأصبح كل شيء في ليبيا للبيع بما في ذلك القيم!  وما تُعانيه ليبيا منذ ثورة فبراير2011م وحتى اليوم، هو أن معظم الذين تولوا المناصب التشريعية والتنفيذية والمناصب العليا في الهيئات والمؤسّسات العامة، وأمراء وقيادات المليشيات المسلحة المختلفة هم نتاج التركة الفاسدة التي خلفها عهد معمر، همّهم تحقيق مصالحهم الشخصية، لا يتوانون في نهب المال العام، ومن أصحاب المؤهلات العلمية الضعيفة.

وعليه، فإن إصلاح ليبيا يتطلّب؛ تنظيم البيت الداخلي الليبي للحكم المحلى بالرجوع إلى النظام الفدرالي على أساس ثلاث ولايات، ثم فك المليشيات المسلحة، ومحاربة الفساد والمفسدين، وبناء الدولة بالقدرات والكفاءات الوطنية، وإصلاح التعليم على جميع المستويات. ولن يتأتى ذلك إلا بوجود جيش قوي يحمى الحدود الليبية، وشرطة وأجهزة أمنية قادرة على صيانة أمن المواطن وأمن الشارع، وتفعيل الأحكام القضائية لردع المخالفين والمفسدين والخارجين عن القانون عموما.

ا. د. عيد الجليل آدم المنصوري

كلمات مفاتيح : مقالات ليبيا المستقبل،
البنغازي | 15/12/2016 على الساعة 08:42
نعم للفيدرالية
من المضحك أن تشهد ردة الفعل الصبيانية المتشنجة من بعض المعلقين لمجرد أن الدكتور اقترح تطبيق النظام الفدرالي وكأن "ضي خبطهم" كما نقول بلهجتنا. نعم الفدرالية ليست وصفة سحرية تحل فورا كل المشاكل و لكنها ستخفض من حجم وعدد المشاكل تلقائيا بتقسيم العمل بين الولايات و إلغاء المركزية التي لا زالت تفسد أي مجهودات لإصلاح الأوضاع لي ليبيا. ولكن وقت الفيدرالية قد يكون فات بعد أن علقنا في دوامة العنف التي دخلت فيها البلاد والكونفيدرالية الآن قد تكون الحل الأنسب. لو كان المتشنجون المزايدون استمعوا على الأقل بشكل حضاري لمطالب أنصار الفيدرالية منذ عام 2012 لما وصلنا إلى ما نحن فيه الآن. تحية للدكتور عبدالجليل المنصوري.
كونفدرالي | 14/12/2016 على الساعة 12:33
المخض والزبدة
كل المخض لكي تصل إلى زبدة الفدرالية..؟ لماذا اتعبت نفسك كل هذا التعب؟ كان عليك أن تقول الله الله في الفدرالية يا أولاد الشيخ وانتهى الموضوع.
زاي | 13/12/2016 على الساعة 13:07
تداعيات المتلازمة البرقاوية
يستشهد الكاتب بجنرال اميركي و صحفية أميركية و مدير منظمة آدم سمث ( و آدم سمث هو نبي الراسمالية ، كما يعرف الجميع) ؛ فأمثال هؤلاء في نظر الاستاذ الدكتور - الذي يعلم اولادنا - هم صفوة الصفوة ، و عندهم وحدهم فصل المقال . و ما أغضب الكاتب - من أول المقال - و أوغر صدره ضد معمر القذافي ، هو نقل العاصمة من البيضاء - إمارة برقة السنوسية - إلى طرابلس ، و كأنما طرابلس بلدة هامشية لا ذكر لها في تاريخ العالم ، و ليست هي أكبر و أعرق مدن ليبيا ، بل هي التكوين الحضري / العمراني الوحيد ، الذي يستحق اسم (مدينة) في ليبيا . ثم انطلق الكاتب يكيل التهم للعقيد القذافي و يلصق به كل النقائص و الرذائل، و كأنما القذافي ليس نتاج نفس العقلية المسيطرة على الكاتب . و ينهي الكاتب مقاله بوضع البيضة الذهبية ، فالقصد من كل المقال هو الترويج للفيدرالية (أي استقلال دولة برقة) ، و الفيدرالية طبعا كفيلة بحل كل المشاكل ! كم أنتم مثيرون للشفقة يا معشر الفيدراليين ! و كم هي المأساة الليبية كبيرة و عميقة ! للتذكير فقط القذافي مات ، قتلتموه منذ ست سنوات .
متابع | 12/12/2016 على الساعة 19:50
هل الانتماء للفدرالية يصلح فساد النفوس !.
ما قاله السيد غومه أكثر من كاف. عجباً هذا الاسقاط على معمر القذافي و باستمرار من أشخاص يسبقون اسمائهم بـ أ. د. ثم العجب كيف بعد هذا التشخيص يكون الحل في الفدرالية. أي أن سلبيات من تم التحدث عنهم ستنقشع مع أول بداية لها. من يريد أن يفهم أكثر عليه بقراءة تعليق السيد غومه مرة أخرى.
Ghoma | 11/12/2016 على الساعة 17:31
Keep Repeating the Old-Worn Cliches Is No Substitute for Real Creative Work
A general is not the right person to assess a country's pace of development. Brown was mistaken! China took two- to three-generations, and India,after 2-generations, is still in the first steps to make the leap. But these aside, all your references were right-wingers, pro-market, thus what do you expect them to say more more than what they did? As to blaming Qaddafi for everything that had happened in the country was a bit unacademic. Those ministers and their ilks sand likes were not forced to accept to sit in those fancy chairs with many telephones shaking and quivering from the ringing sound of the red-phone. Those and many others were as well responsible for what the country has turned to. But the most bizarre are you your recommendations of how to get out of the mess. Federalism and the rest of the schlock. It's hack medicine, the cure has little to do with the disease. Buddy, the layout of the state and its architecture are no cure in themselves. They're only recipes still in nee
آخر الأخبار
جميع المقالات والأراء التي تنشر في هذا الموقع تعبر عن رأي أصحابها فقط، ولا تعبر بالضرورة عن رأي إدارة الموقع