مقالات

عطية صالح الأوجلي

شارون وحماتي...!!

أرشيف الكاتب
2016/12/11 على الساعة 10:42

مقتطفات من كتاب "شارون وحماتي" للكاتبة الفلسطينية: د. سعاد العامري... (ترجمة: عطية صالح الأوجلي)

 

 

هذه مقتطفات من كتاب فريد من نوعه. الكتاب عبارة عن يوميات كتبتها دكتورة الهندسة المعمارية الفلسطينية سعاد العامري لتسجل فيها بأسلوب ساخر جزء من معاناة الفلسطينيين تحت الاحتلال والحصار الإسرائيلي. تقول الكاتبة أنها لم تكن بصدد تأليف الكتاب الذي "ولد بالمصادفة المحضة في وقت استحالت فيه الحركة وتقلصت المساحات وأصبح الوقت وحشا يجب القضاء عليه تحت حصار إسرائيلي قاس لمدينة رام الله في الضفة الغربية عام 2002". وتضيف أنها سجلت يومياتها باللغة الإنجليزية وبعثت بها على هيئة رسائل بريد إلكترونية إلى أصدقائها بالخارج وسرعان ما انتشرت لتتحول فيما بعد إلى كتاب بعنوان (شارون وحماتي) قامت بنشره دار نشر إيطالية معروفة بخطها التقدمي (دار فلترينللي بمدينة ميلانو). حقق الكتاب نجاحا هائلا أدى إلى ترجمته إلى اكثر من 25 لغة.

صيف 1995

"تقذفوننا خارج يافا، ثمّ تتعجبون لماذا ولدنا في مكان آخر!"

تدفقت كلماتي خارج فَمِّي عندما فَتحتُه لإجابة السؤال الأولِ لقائمة طويلة مِنْ الأسئلةِ التي انهالت علي مِن قِبل ضابطِ الأمن الإسرائيليِ في مطار اللد (تل أبيب). لم أكن رائقة المزاج... كانت الرابعة والنصف صباحا في يوم صيفي حار في عام 1995. خمس ساعات من الطيران تقريباً مِنْ لندن أنهكتَني. كُلّ ما أردتهُ هو أَنْ أخرج مسرعة من المطارِ لمُقَابَلَة إبراهيم الذي كان رائعا منه أن يقطع كل الطريق من رام الله إلى هنا لاستقبالي في هذه الساعة المبكرة جداًِ. قلقي وغضبي أزداد عندما ألصقت موظفة الجوازات بطاقة وردية على جواز سفري الفلسطينيِّ. لم يكن لدي، بالطبع، مشاكل مع اللون الوردي، أَو مَع كونيَ فلسطينيةّ.و لكن في تلك اللحظة بالذات، كان كُلّ ما أردتُ هو بطاقة بيضاء.

علمتني تجارب المرات الماضية أن بطاقة وردية تعني أتوماتيكيا قضاء على الأقل ساعةَ إضافيةَ مَع ضباطِ الأمن في المطارِ. أوه، كَمْ أردتُ بطاقة بيضاء آنذاك ِ! ببساطة لم أكن رائقة المزاج." لماذا ولدت في دمشق؟" كرر الضابط قولهَ، من الواضح أنه لم يكن مسروراً ولا راضيا عن إجابتي التلقائية.

لم أكن في مزاج طيب لأخبر ضابطِ الأمن أنه في عام1940 جِاء أبي إلى بيروت مِنْ يافا، ووقع في حب أمي الدمشقية منذ اللحظة التي رآها فيها. كانت في الثامنة عشر من عمرها وكان هو في الثلاثة وثلاثون. كان أبى قد تَخرّجَ مِنْ الجامعةِ الأمريكيةِ لبيروت قبل حوالي اثني عشْر عاما، بينما هي لا زالَتْ طالبة في كليَّةِ التدريب السوريةِ البريطانيةِ.

عندما دخل أبى الفناءَ الفخمَ لقصرِ عائلتها في دمشق القديمة أدركَ ثراء أبيها التاجر وأدرك أن حلمه في الزَواج من هذه المرأة الطويلةِ الجميلة ذات العيون الخضر آخذ في التلاشي. ولكن في النهاية، تحقق هذا الحلم بينما تحطمت أحلام أخرى، وعاشا أبى وأمي سويا حياة مليئة بالعذاب. في ديسمبر/كانون الأولِ من عام 1978 توفى أبي أثر نوبة قلبية بينما كان في براغ لحضور مؤتمر للأدباء.

كَان الكاتب الفلسطينيّ الشهير أميل حبيبيَ قد قضى الأمسية معه وكان آخر من رآه حيا. لم أكن في المزاجِ لأعلم ضابطِ الأمن الإسرائيليِ أن كُلَّ مَرَّةٍ حَبلتْ أمّي فيها عادتْ إلى دمشق للوِلادَة. في 1943، 1944 و1949، سافرتْ بين القدس ودمشق لتلد اخوتي، آروى (طبيبة نفسية تعيش في عمَّان) وعنان (عالم اجتماع يعيش الآن في أمريكا)، وبعد سنوات أَخِّي، أيمن (دبلوماسي). كما سافرتْ بين عمَّان ودمشق حيث ولدت أنا بعد سنتين. لَمْ أُريد ْالبوح بكل هذا لأنه سيُعقّدُ الأمورَ فقط ويَزِيدُ من مخاوفَ ضابطَ الأمن حول أمن إسرائيلِ، وحتما سيطيل الاستجواب.

"هَلْ سَبَقَ لك وأنْ عِشِتِ في دمشق؟" سَألنيَ. "لا" جاءَ جوابَي قاطعاَ. لم أكن في المزاجِ لأخبر الضابطِ أنني حتى بلغتِ الثمانية عشرَ، حين تَركتُ عمَّان لدِراسَة الهندسة المعماريةِ في الجامعةِ الأمريكيةِ ببيروت، كانت أمّي الشغوفة بعملها كصاحبة دار طباعة ونشر، تتطلع للصيف كي تتخلص منا أبنائها الأربعة.

كانت ترسلنا في الأسبوع الأول من إجازة الصيف إلى بيتِ أسرتها في دمشق أَو إلى أقربائِها في بيروت. كنت وأَخّي أيمن أكثر مِنْ سعداء لقضاء جزءِ من العطلة الصيفيةِ مَع عمّاتِنا العازباتِ، نهيدة وسعاد (التي أعطيت أسمها)، اللتان بالغتا في تدليننا نحن وأخواتَي المراهقاتَ.

كن يأخذاننا لالتقاط الكرزِ في بيتِ عمّتِي فريزه الصيفي في مدينةِ الزبداني السوريةِ. أيام الجمع كنا نساعد عمّاتَي في تحضير الغذاء والبطيخَ، والتحضيرِ لنزهة في واحدة مِنْ العديد مِنْ المطاعمِ على طول نهرِ بردى (التي صارتْ الآن مليئة بالبطيخِ المُبَرَّدِ)، في الحيِّ المعشبِ بدومار.

كانت قمة متعتنا في العطلة الصيفية أن نزور معرض دمشق الدولي، حيث اعتادت العمّة نهيدة على ان تشتري لنا كل ما اعتقدت أنه احدث المُنتَجاتَ الروسيةَ: مجموعة الدمى الخشبيةِ الروسيةِ (ماتريوشكا) لي، سيارات وطائرات خشبية لأيمن. عندما تستنفذْ العمّة أفكارهاَ، تأخذنا للنمشي في سوق الحميدية المزدحم، حيث نروي عطشَنا بالأيس كريم ِالدمشقي المحلى بالفستقِ والصمغ العربي مِنْ محل بكداش. بعد حوالي أربعين سنة، لا زِلتُ أَتذكّرُ طعمَ الصمغ العربي.

في العصريةِ، بينما كانت عمّاتي مستلقيات في القيلولة كنا نلَعب ونرَكض حول نافورةِ الماءِ الضخمةِ في وسط الدار مع العديد مِنْ أبناءِ عمومتنا. لكن عطلتنا الصيفيةَ لم تكن لتَكُونَ كاملةَ دون زيارة بيروت. بعد بضعة أيام مِنْ الإلحاح المستمرِ، كانت عمّاتي دائما يوافقنا على اصطحابنا أو إرسالنا أحياناً لوحدنا، للبَقاء مَع العمِّ ممدوح والعمّة فردوس بحيِّ زقاق البلاط.. ولنتفادى المزاج السيّئ لعمنا ممدوح، كنا نمضي أغلب يومنا في السباحة على الشواطئِ المزدحمةِ لبيروت التي كانت تشكو الرطوبة ودرجات الحرارة العالية.

بنهايةِ عطلة الثلاث أشهر، وقبل يوم أَو اثنان من بداية الدراسة كنا نصل عمان. كان أول احتجاجات أمي هو على البشرة الداكنة التي اكسبنا إياها صيف بيروت. أهل دمشق مهووسين بالبياضِ، ولا يستسيغون موضة السمار.

"هَلْ لديك أقرباءُ في سوريا؟"
"لا." نهاية المحادثةِ.

لم أكن في المزاجِ لأخْبر ضابطِ الأمن في مطارِ تل أبيب أن أمّي كَانتْ الأصغرَ في عائلة من أحد عشر شخصا، كَانت تلك َ عائلتها فقط. لَمْ أُردْ إخافته بالقول أن لدي أربع عمّاتِ وأربعة أعمامِ، وأكثر من عشرون ابن عم. هم وعوائلهم يَعيشون في دمشق.

مِنذ عامْ 1950 حتى اليوم، كانت احتياجات بيتنا تصل أمّي أسبوعيا مِنْ دمشق. كَانَ من المستحيلَ إقْناع أمِّي بأنه يوجد بعمَّان لحمُ جيدُ أو خضارُ أَو فاكهةُ. كَان ذلك حالها حتى عندما عشنا بالسلط وبالقدس. المرة الوحيدة التي اشترت فيها منتجَ محليَّ كَانَ في 1968، عندما عِشنَا في القاهرة. كثرا ما اشتكت من أن طياري الخطوط الجوية المصرية ليسوا متعاونين مثل سواقي سيارات الأجرة بين دمشق وعمَّان.

لم أكن في المزاجِ لأخبر الضابطِ الإسرائيليِ أن دمشق َليستْ، قاعدة عسكرية ضخمة مَليئة بصواريخ السام كما يتخيلها و إنما هي مدينة تنبض بالحياة، خصوصاً حيّنا بالبلدةِ القديمةِ حيث بيتِ جَدِّي لا زالَ قائماُ.

سيكون عسيرا على أن اشرح له كيف كنت دائما أحسد والداي، بل حتى أجدادي، لأنهم عاشوا في زمن كان العيش فيه أو التنقل بين مدن المنطقة الجميلة لا يثير اهتمام أحد ولا يستدعى كل هذه الإجراءات الأمنية. لطالما فُتِنتُ بوصف أبي لسفراتِه بين يافا وبيروت، و الغداءَ في مطعم ساحلي في صيدا. وفُتِنتُ لدرجة أكبر عندما وَصفتْ أمَّي لي كيف أنها في 1926، كطفل في الرابعة من عمرها، زارتْ عائلةَ أمِّها، عائلة "عبد الهادي" في قريةِ عربة بفلسطين.

لطالماً سُُحِرتنيُ رحلتهم بين دمشق و"عربة، حيث يعبران وادي اليرموك خلال السهولِ الجميلةِ لمرج عامر وسهل جنين ليزورا أقربائِنا في نابلس" ثم بعد أيام قليلة كنا نمتطي الخيولَ إلى قريةِ "عربة"... هكذا كانت أمّي تَقُولُ. جولةَ الحصانَ تلك هي التي سَحرتْ أمَّي، بينما استحالة مثل هذه السفرات هو ما ضايقني وبشدة.

سلّمَني رجل الأمن وجواز سفري إلى امرأة أمنِ كانت تجلس في غرفة خلف منضدة، ثمّ اختفى، َتْركُني وحيدة مَعها. تَصفّحتْ جوازَ سفري،

- "ماذا كُنْتَ تَعْملينُ في لندن؟ سَألتْ بحزم
- "ذَهبتُ للرقص،" أجبتُ،وأنا أتَطلَع في عينيها بوجهي المتعب الخالي من التعابير وبصوت أكثر حزما.
- "هل تعتقدين انك مضحكة" قالت بصوت أعلى وأكثر جدية.
- "لا. ولكن هَلْ لديكّ مشكلة مع الرقص؟" قلتها بصوت أقل حدة وأكثر سخرية.
- "وما كَانَ غرض زيارتِكَ إلى لندن'
- "الرقص،" قلت بإصرار.

وبعد أخذ و رد، بَدأتْ تفَقْد هدوءِ أعصابها وبدأ نومي في التلاشي. بعد دقائق قليلة، رَفعتْ سماعة الهاتف وبَدأتْ بالكَلام في بالعبريةِ اللغة التي لا أَفْهمهاُ.

- "رقص... رقص... رقص...". قَفزتْ الكلمةُ الإنجليزية من بين جُمَلِها العبريةِ.

ولم أكن في المزاج لأخبر امرأة الأمن الإسرائيلية أنني كُنتُ في عطلةِ باسكتلندا مَع أصدقاءِ، أصدقاء لم أراهم منذ عام 1983، منذ أن كنت أعمل على أطروحتي في جامعةِ أدنبرة. لمْ أُردْ أن اعلمها من هم أصدقائي. إعطاء أسمائهم واحد تلو الأخر سيُعقّدُ الأمورَ ويجْعلُ ليلة الاستجواب لا تطاق و لمدة طويلة. وبعض هذه الصداقاتِ، مثل مَع آمال و عطا و سلوى يعود إلى الخمسيناتِ والستّيناتِ، أثناء طفولتِي ومراهقتِي، في عمَّان.

بينما كان رجل أمن طويل و ضخم (من الواضح أنه رئيسها) يدخل غرفة الاستجواب، كُنْتُ أكثر تصميما من إي وقت مضى عل أن المرء يجب ألا يخلط الصداقة بالقضايا الأمنيةِ، خصوصاً تلك التي تتعلّقُ بأمنِ دولة إسرائيلِ. تبادل الضابطان بضعة كلمات بالعبريةِ. ازداد قلقي.

- "ماذا كُنْتَ تَعْملينُ في لندن؟" سَألَ الضابطَ بحدة و َعيناه تخترقان عيني.
- "الرقص"، قلت بإصرارُ.
- "هل تَعْرفين أنّ فَشَلك في التعاون مَعنا على أسس أمنية سيُؤدّي إلى توقيفِكَ؟"
- "فليكن"، أجبتُ، استسلمت بسرعة إلى هذا الحكم السخيفِ.
- "لَكنِّي أَحتاجُ للخُرُوج وإعْلام إبراهيم المسكين، الذي يَنتظرُ خارج المطارِ منذ ساعاتِ لاصطحابي.".
- "لا، غير مسموح لك بالذِهاب، ومَنْ هو إبراهيم؟ هَلْ هو قريبك؟"

لم أكن في المزاجِ، كما لَمْ أُردْ إخْبار ضابطي الأمن بأن إبراهيم لم يكَنَ قريبا لي، لأن لا أحد من أقربائي ولا زوجي ولا أيّ مِنْ أصدقائِي مِنْ رام الله، مسموح لهم بالمَجيء لاصطحابي مِنْ المطارِ. تَساءلتُ إذا كان هؤلاء الضبّاطَ يعلمون بأنّني، مثل العديد مِنْ الفلسطينيين الآخرينِ الذين يَعِيشونَ في المناطق المحتلةِ، يحتاجون إلى العديد مِنْ أنواعِ التصاريح للتَنَقُّل: تصريح لدُخُول القدس، آخر للخُرُوج إلى الأردن, وثالث لدُخُول إسرائيل، وراُبع للعَمَل في إسرائيل، وأخر مستحيل لدُخُول غزة، وتصريح لأربعة ساعات لاستخدام المطارِ، مما يَعطيك فقط الوقت الكافي لوُصُول إلى هناك بدون إطاراتِ مثقوبة أَو حوادثِ طرقِ (لا سَامَحَ اللَّهُ). إبراهيم أحد سواقيِ سيارةَ الأجرة الاثنين أو الثلاثة في رام الله اللذين لديهم سيارة تحمل لوحة أرقام صفراء مما يَسْمحُ لهم بالتقاط المسافرين مِنْ المطارِ.

لم أكن بالضبط في المزاجِ لأخبر الضابطِ أن إحدى أحلامِي هو ببساطة أن يكون زوجي قادرا على القدوم لاصطحابي من المطارِ أَو مِنْ جسرِ اللنبي عندما أعود مِنْ السفر. لكن هذا امتياز لا يحق للفلسطينيين التمتع بهُ." أنت لا تَستطيعُ مَنْعي من الخُرُوج لإخْبار إبراهيم بأن يغادر. ليس من العدل تركه يَنتظرُ أكثر، خصوصاً وأنني سأبقى هنا لوقت طويل جدا.".

"لا، أنت لا تستطيع المغادرة !" صَرخَ الضابطَ وقد بدأ يَفْقدُ السيطرة على أعصابه." هذا ما سأفعله بالتحديد'، قُلتُ، ثم استدرت وبَدأتُ بالخُرُوج من غرفةِ الاستجواب إلى قاعةِ القادمين المزدحمة بالمسافرين، العديد مِنْهم يأتونَ لإسرائيل للتَمَتُّع بالشمسَ والشواطئَ المريحةَ الجميلةَ.

كَان قلبي َ يَدق بشدة كلما اقتربت من المخرجِ؛ في ذلك الوقت، كَانا رجلا أمن يلتصقان بيّ، واحد على كُلّ جانب. ظَلَّ أحدهمُ يكرّر "لا تَجْعليُنا نَقوم بأشياءُ لا نَحْبُّ القيام بها". "نعم، اعتقالي أمام هؤلاء السيّاحِ سَيَخْلق مشهدا لن يكون مناسبا لسمعتكم السياحية". صَرختُ قائلة لهم "لماذا لا أَُعامل مثل هؤلاء السيّاحِ؟'

بذلك الوقتِ، كنا نحن الثلاثة نقف خارج قاعةَ القادمين، أمام السائق إبراهيم. (الحمد الله ع السلامة، يا سعاد، خير إنشاء الله، شو فيه) قال ذلك وهو يصافحني وعيناه مثبتتان على رجلي الأمن." أين أمتعتكَ؟" أضافَ، مُحَاوَلا فَهْم لماذا برفقتي رجلان في الثياب المدنية و بوجوه عدائية.

- "إبراهيم، هؤلاء ضباطَ أمن. إنها قصّة طويلة. باختصار، أَنا موقوفةُ ولقد خرجت فقط لأعلمك بأن لا تَنتظرَني وقتا أطول من ذلك - اتصل بسالم من فضلك واُخبرُه بأنّني اعتقلت في المطارِ."

- "اعتقلت؟" استفسر إبراهيم، بوجه مَصْدُوم.

- "لا تقلق، يا إبراهيم. أنها ليست قضية كبرى،" طَمأنتُه قائلة." اعتقلت لأنني أخبرتُهم بذهابي للرقص في لندن،" أضفتُ.

- "رقص؟ هَلْ قُلتَ رقص؟" بدت على إبراهيم ملامح الصدمةِ الشاملّة.. يا إلهي، هذا ما كان ينقصني!!!.

بَدا لي أنّ انزعاج إبراهيم للرقص كان أكبر بكثير من انزعاج ضباط الأمن الإسرائيليينِ. ما الذي يمكنني قولهُ؟ أنا الذي اعتقدت دائماً بأنّ الاحتلال قد أفسد روحَ كلا الإسرائيليين والفلسطينيين. تلك كَانتْ كلمات آخر كلمات إبراهيم معي قبل أن يقترب منه أحدهم ويأمره بمرافقته. اختفى الثلاثة المعادون للرقص داخل المبنى بينما بقيت أنا خارج المطارِ دون جوازِ سفر ودون أمتعةَ.

- "هل كان من الضروري كل ذاك الطيش يا سعاد" بَدأتُ بتَوبيخ نفسي.

بعد أقل مِنْ نِصْفِ ساعَةٍ، لاح إبراهيم من خلال البابِ الكبيرِ لقاعةِ القادمين، وهو يَدْفعُ عربةَ أمتعتِي بيَدِّ ويُلوّحُ بجوازَ سفري بالأخرىِ. ارتسم تعبير الانتصار على وجهه وهو يقول "هياُ، دعينا نَذْهبُ، يا سعاد."

- "ما الذي حَدثَ، يا إبراهيم؟ أُخبرُني."

- "آه كان كلام رجل مع رجالِ،" قالها بتَفاخرَ." هيا يا سعاد فلنَخْرجُ من هنا. كل ما فعلته هو أنني طمأنتُهم بأنّك غريبة نوعاً ما."

- "إبراهيم!!!" جَأرتُ.

- "لَكنِّي أخبرتُهم أيضاً بأنّك كُنْتَ أستاذةَ مهمةَ في قسمِ الهندسة المعماريةِ في جامعةِ بيرزيت و... و... و... وماذا أخبرتُهم؟"

- "توقف يا إبراهيم.. خلاص"

أدركتُ فجأة كَمْ كان إبراهيم يعلم حول كُلّ شخصِ يعيشَ في رام الله!... الاستماع إلى ثرثرةِ رام الله كَانَ وسيلته الوحيدةَ لتحمل عبء رحلاته الصباحية والمسائية بين رام الله ومطار تل أبيب. لكن أكثر ما أثار قلقي هو أن يكون إبراهيم قد أفسدَ الأمرَ بأم طمأن رجالِ الأمن في المطارِ بأنني لم أرقص حقا في لندن.

ترجمة: عطية صالح الأوجلي

 


* سعاد العامري معمارية وكاتبة فلسطينية من مدينة يافا، وُلدت عام 1951 لأب فلسطيني وأم سورية. درست الهندسة المعمارية في الجامعة الأمريكية في بيروت، وجامعة أدنبرة وجامعة ميشيغان، نالت بعدها درجة الدكتوراه. وهي حاليا أستاذة في العمارة في جامعة بيرزيت في محافظة رام الله. آمنت بأهمية الموروث المعماري الثقافي الفلسطيني، فأسست مركزا لإعادة ترميم واستغلال المباني الأثرية، قام بدوره بتوثيق وتسجيل وحماية الآف المواقع والمباني في فلسطين، وهو مركز المعمار الشعبي "رواق"، الذي قامت بتأسيسه في عام 1991 في رام الله. لها عدة مؤلفات منها: البلاط التقليدي في فلسطين، عمارة قرى الكراسي وزلزال في بيسان وغيره. وقد حصلت سعاد العامري على جائزة فياريجيو - فيرسيليا الإيطالية عام 2004 عن كتابها "شارون وحماتي".

ليبي ليبي | 16/12/2016 على الساعة 11:02
مطاراتنا
آه لو جزبت النحقيق قي مطاراتنا العربية. لاانسوها الهندسة ولااصبحت راقصة محترفة
البهلول | 16/12/2016 على الساعة 06:08
نسيج الالم الفلسطيني من وقائع الحياة اليومية
مما لاشك فيه ان الكاتبة الفلسطينية المبدعة سعاد العامري قد جسدت في روايتها الرائعة (شارون وحماتي ) ادق التفاصيل المعبرة عن حياة البؤس والالم الذس يعيش في كنفها الشعب الفلسطين وفي الحقبقة ام الكتاب ترجم الى عدد كبير من اللغات كما ان الذي قام بترجمته الى اللغة العربية هو مركز الدراسات الفلسطينية وهي نفس الترجمة التى قدمها الاستاذ "عطية الاوجلي " والكاتبة تكتب باللغة الانجليزية لانها اكثر انتشارا وتصل مباشرة الى القارىء الغربي فلو كتبت هذه الرواية باللغة العربية لما وجدت للاسف طريقها الى العالمية فاسرع طريقة للعالمية هي اللغة الانجليزية فعندما وجد العرب ان الرواية او الكتاب "شارون وحماتي " ترجم الى لغات عدة سارعوا بترجمته الى اللغة العربية والجدير بالشكر هنا هو مركز الدراسات الفلسطيني الذي ترجمه الى اللغة العربية مع فائق احترامي للسيد عطية الاوجلي
م . بن زكري | 13/12/2016 على الساعة 20:08
للابداع سطوته الجميلة
لم أشأ أن أغادر قبل أن اشكر للكاتب و الأديب عطية صالح الأوجلي حُسن اختيار النص ، فضلا عن فضل التعريف بالكاتبة الفلسطينية سعاد العامري .. و الإضاءة على كتابها (شارون و حماتي) ، الذي استحق ما ناله من اهتمام و انتشار ، بدلالة جماليات الابداع و نبض الحياة في النص المترجم هنا : صيف 1995 . شكرا أستاذ عطية الأوجلي
مشارك | 13/12/2016 على الساعة 13:17
تعليق
نص رائع و اختيار ممتاز و لكن أتمنى لو كان هناك اهتمام بالمراجعة اللغوية فالنص ممتلئ اخطاء و في النهاية اللغة العربية الفصحى جزء مهم مما يربطنا بكاتبة النص الأصلي مع تحياتي و شكري
الفاروق | 12/12/2016 على الساعة 23:30
يافات فلسطينية وعاهات ليبية
نحيي إختيار الكاتب لما كتب وترجم فقد كان لنا سلوي من مصائب ما يكتب وينشر ومن أخبار تدمي القلب وعلي الكرامة تدوس وتقهر. تقهر اليافوية من المستعمر وتخرج منتصرة .. وتقهر الليبية من أخيها وتموت مغتصبة.
م ب | 12/12/2016 على الساعة 07:47
شكرا دكتور عطية علي حسن اختيارك !!!
لاشك ان اُسلوب الكاتبة كان ساخرا لكن أسلوبك في ترجمته دكتور عطية كان ساحراً بإمتياز !!!
د. أمين بشير المرغني | 12/12/2016 على الساعة 07:43
مشاركة ممتعة
ممتع حقا : شكرا أستاذ عطية
تقّــاز | 12/12/2016 على الساعة 01:18
هي دموع فلسطين
ما شاء الله. لقد أحسنت نقلاً وأجدت اختياراً وأمتعت عرضاً، يا أستاذ/عطية. وتبقى فلسطين ولاّدة وكيف لا وهي التي بارك الله حولها وشَرَّفها ببقعة الإسراء ومنطلق معراج المصطفى ، صلوات الله وسلامه عليه، إلى الملكوت الأعلى، حيث سدرة المنتهى. لك احترامي والتقدير. أشكرك.
آخر الأخبار
جميع المقالات والأراء التي تنشر في هذا الموقع تعبر عن رأي أصحابها فقط، ولا تعبر بالضرورة عن رأي إدارة الموقع