مقالات

البانوسي بن عثمان

عنا... وعن الغرب فى تمايزه (1)

أرشيف الكاتب
2016/12/10 على الساعة 09:42

دعوني في البدء ان احدد المكان،  الذى اقف واتحدث من عليه،  فهذا قد يذهب باللبس الذى قد يطال هذا الحديث في تناوله للموّضوعة. فمن على بقعة تقع على الضفة الجنوبية للمتوسط بشمال افريقيا، والذى يُحسب في الغالب امتدادا لما عُرف بالشرق الاوسط، ويضمه ويلفه ايضا جلباب الفضاء العربي الإسلامي. يظهر امام بصرنا وبصيرتنا ومن هذا المكان، ان الغرب الدولى غربيين اثنين، وليس غرب واحدا، كما درجت وسائل الاعلام بجميع وجوهها على تسّويقه لنا.

قد يبدو ويظهر هذا الغرب الدولي ذو وجه واحد،  من مكان اخر، وليس من على هذه البقعة،  قد يكون ذلك من على ارض الصين او روسيا مثلا. ولكن هذا الغرب الذى اتحدث عنه، وعندما يقترب ويُقارب ويتفاعل مع هذه البقعة التي تحتوينا بامتدادها الشرق أوسطى العربي الاسلامى،  يتمايز ويصير له وجهين اثنين، ولكنهما ليس لعُمّلة واحده. ونستطيع ان نقول عن احداهما او ننعته بالغرب الأوربي، وهو في كل ما تضمه جغرافية القارة العجوز، كما اسماها الغرب الأطلسي، الذى يضمْ الولايات المتحدة الامريكية وما على جريرة الانجليز التي تغّتسل اطرافها بمياه الأطلسي على مدار الساعة.

هذا التمايز يظهر بوضوح اتنا تفاعلهما مع الشمال الأفريقي والشرق الاوسط، وان شئتم مع الفضاء العربي الإسلامي. فيظهر ذلك وبوضوح في هامش واسع من الإيجابية،  عند تعاطى وتفاعل الغرب الاوربى مع قضايا المنطقة. ربما يرجع ذلك الى المشترك الجغرافي، الذى يصعب تخطى مفاعيله سلبا وايجابا، فجميعنا نشترك، وان شئتم تضمنا جغرافية البحر المتوسط،  فنحن لنا منه الضفة الجنوبية، ولهم الشمالية. وكليهما  -أي الضفتين- في حاجة الى بعضهما البعض ووسيلة ذلك  تواصل إيجابي بناء. يتحول بها المتوسط الى بحر سلام، وفى ذلك نماء ورخاء للضفتين ومحيطهما القريب والبعيد وللعالم.

بالإضافة الى المشترك الجغرافي، الذى يجعل من الغرب الاوربى، جارنا الجُنب حسب المفهوم القرآني. فنحن جميعنا، وهنا اعنى بالقول الفضاء العربي الإسلامي والغرب الأوربي، نتماس وإن بتفاوت مع المنابع الروحية لديانات الشرق الرئيسية. ونستطيع ايضا ان نضيف، ما صاغه المتوسط بثقافته على جغرافية حوضه، فصرنا بذلك نُسمى احيانا بشعوب البحر المتوسط، كل هذا -في تقديرى- وغيره، جعل الغرب الأوربي يتمايز عن الغرب الأطلسي، اتنا مقاربته وتفاعله مع الشمال الأفريقي والشرق الاوسط. وهذه المشتركات ايضا -في تقديري- لا يجب القفز من فوقها، لان في ذلك خطأ له تكاليفه. فهذه ثوابت مادية ملموسة تجسدها الجغرافيا، وتَغافلها من على الضفتين، فيه قصور ظاهر له اضراره وكلّفته.

ولهذا -في تقديرى- ان من الاولويات، الذهاب نحو تقعيد وتجدير البلاد داخل امتداد جغرافياتها الثلاث. طبعيه. ديمغرافية. ثقافية. كى تتحسس ذاتها في ثوابتها الثلاث، لتتكئ عليها اتنا ترتيب اولوياتها، وفى تعاطيها مع محيطها الإقليمي والدولي. وهذه -وفى تقديري- اولى الخطوات نحو كسر متاهة الحلقة المفّرغة، التى تشدّنا اليها، وتضعنا تحت انتداب ووصاية مُغلّفة بمسّحة محلّية مند عقود طويلة.

في حين، ان الوجه الاخر للغرب، اعنى بذلك الغرب الاطلسى، يذهب في اتجاه اخر اتنا تعاطيه وتفاعله مع هذه البقعة، فهو ومن واقع الحال، لا تجمعه معها مشتركات جغرافية وثقافة كما حالها مع الغرب الأوربي. بل يفصل ما بينه وبينها المحيط الأطلسي والقارة الاوربية ثم المتوسط، فهو اذن في طرف قصىّ،  يشُده الى جغرافية اخرى. تجعل له ظروفه ومن ثم اولوياته. ولهذا نجد جل تفاعلاته وتعاطيه مع المنطقة، وفى مُنّعطفاتها التاريخية الهامة، ماضيا وحاضرا، مُحملة بنزعة عدوانية مدمرة، تجاه ما على جغرافية هذه البقّعة من بشر وحجر. فهو من زرع وشتل نبتت (المُشكل) بارض فلسطين - وتحددا جناحه الإنجليزي ورعاها واحتضنها اللورد (بلفور) حتى اشّتد عودها،  فصارت تطرح بؤس فى هيئة مخيمات لجو مُكتظة، تغطى محيط فلسطين، في كنف حياة يُكابدونها لا تليق بالأدميين، كل هذا امام مرأ وانظار نخب هذا العالم المُعوّلم. وهو ايضا، من حاول جر العالم الى حرب لتدمير العراق، مستند على معلومات استخبارية كاذبة، القمها جناحه الإنجليزي وابتلعها الأمريكي، ربما عن غفّلة. وعندما لم يسّتجب العالم، واشترط المرور عبر الهيئة الاممية. ذهب هذا الأطلسي بقيضه وقضيضه، وفى حوض المتوسط، ارسى بحاملات طائراته و بارِجاته وغواصاته وصارت تقصف العراق، فأحالت ارضه الى جحيم. نقلته حينها ومباشر شاشات التلفاز صوت وصورة الى جميع انحاء الارض. كل هذا بحجة اسقاط نظام صدام، وهو في الواقع لتدمير العراق في كل مكوناته الاجتماعية والاقتصادية والثقافية. وايضا ومرة اخرى،  كل هذا امام مرّأ وانظار هذا العالم. الذى ابدعت نُخبه عقب الحرب الاولى ما أسمته عصبة الامم،  ثم تطور هذا الجسم الى هيئة الامم، التى اُريِد منها، ان تكون ضمير العالم،  فهل هى كذلك امام ما تقدم عرضه؟!!.

ولكن اقول، من يكون لديه فائض قوة، لا يجب عليه توظيفه في تدمير الاخرين، والغائهم وجوديا. او لم يسمع قول سيده (من يعيش بالسيف، يموت بالسيف). وبقول اخر، اولم يعلم بانه وبتوّظيفه هذا، يصنع سيفه الذى سيُقتل به ذات يوم. وبصياغة عصرية،  اولم يدرى،  وبفعله هذا،  يُلّبس هؤلاء احزمة ناسفة،  قد يحّتضنوه بها ذات يوم. لكن الذى يهمنا ونتماس معه ومعنا،  فى كل هذا،  يظهر فى ملف الشأن الليبي، الذى نشاهده، وهو يجوب اروقة الامم المتحدة، تحت ابط هذا الأطلسي ذو النزعة العدائية، والذى يصعب التقه في حاضره، لماضيه الغير جيد مع تاريخ وجغرافية هذه البقعة. فهو دائما ومن واقع ماضيه، يأتى متأبط شر نحونا،  يُحاوله لهذه البقعة وليس غير الشر، اولم تقرأ الهيئة الاممية ملف ماضيه مع هذه البُقعة،  قبل ان تسلمه شأن من شئونها، اذا كانت ضميرا للعالم كما يُريد لها.

ولكن دعوني اختم بهذا المشّهد. الذى يطالعنا فيه وزير خارجية هذا الأطلسي، وهو يعّلن من فوق دراجته الهوائية، عن رغبته في اجراء تعديلات في منظومة الهيئة الاممية. ولكم ان تتخيلوا هذه التعّديلات،  وما تفضى به من مُخرجات،  تتناسب بالضرورة مع صانعها.

البانوسى بن عثمان
الجنوب الليبيى في 7-12-2516م

كلمات مفاتيح : مقالات ليبيا المستقبل،
لا تعليقات على هذا الموضوع
آخر الأخبار
جميع المقالات والأراء التي تنشر في هذا الموقع تعبر عن رأي أصحابها فقط، ولا تعبر بالضرورة عن رأي إدارة الموقع