مقالات

عبد الجليل آدم المنصوري

دونالد ترمْب... الطّارئ سياسيّا

أرشيف الكاتب
2016/11/30 على الساعة 05:47

كشفت دراسة لمنتدى الأمم المتحدة عام 2007م، عن أن ديموقراطيات الدول المتقدمة تعاني من تدنى ثقة الشعوب في حكوماتها. حيث تآكلت ثقة الشعوب في المؤسسات العامة لتمثيل مصالحهم خلال السنوات العديدة الماضية، فبحث الكثيرون عن الحركات والشخصيات المناهضة للمؤسسات أملا في الخلاص. لذا، هناك من قال إن فوز ترمب تأتى من عوز ثقة الشعب الأميركي في مؤسساته المدنية؛ من حكومات متعاقبة وهيئات تشريعية ومحاكم وكونجرس ورئاسة، ووسائل إعلام وبنوك ومدارس وصحافة، وحتى الكنائس. فهل يا تُرى هي جهوزية المجتمع الأميركي المتمرّد على المؤسسة الحاكمة والمشحون بالرغبة في التغيير، التي أفرز شخصية ترمب كوسيلة للتغيير المنشود؟ أم هي مسيرة العولمة، التي وصلت إلى نقطة استوجبت ضرورة التوقف وتغيير المسار؟

هناك من يقول، أن أميركا–بطبيعتها -قادرة على أن تُجدّد نفسها بنفسها سياسيا. فقدوم ترمب وفوزه غير المتوقع؛ هذا البليونير المغامر، ذو الخبرة السياسية الضّحلة، المنقلب على المؤسسة الحاكمة، لا يمكن أن يكون محض الصدفة، بل هو انعكاس للمزاج العام للناس المُحتقن بالملل وكُره السياسيين، مزاج رأى في ترمب الطارئ سياسيا؛ أنه مرشح جديد دخيل على واشنجتن، لا سابق تجربة سياسية له أو عسكرية، متحرّرا من ضغوط التاريخ واللوبيات والمؤسسة الحاكمة. إنها أميركا، التي تفعل المستحيل لتُجدّد ولو بصدمة سياسية تضطرها تسليم الرئاسة لشخص مثل ترمب، وربما هذا هو سر تفوقها.

ومن جانبه، اختار ترمب الطريق السهل الممتنع إلى كرسي الرئاسة، خاطب هواجس الأميركيين داخل حدود بلاده الجغرافية؛ حدثهم عن إعادة النظر في اتفاقية التجارة الحرة التي يرى أنها أضرّت بالصناعة الأميركية، ووعدهم بزيادة الإنفاق على البنى التحتية، خاطبهم أن تكون أميركا قادرة على مواجهة كل من روسيا العائدة الى الساحة الدولية بكل ثقلها، والصين التي تنتشر شركاتها في العالم. هي أميركا الجديدة إذن، المنكفئة القوية كما يريدها ترمب، تُعيد حملتها الصليبية إلى الداخل وتسمي الأمور بمسمياتها، تريد تبديل جلد الأفعى لا قتلها.  

عليه، اهتم ترمب -طيلة حملته الانتخابية -بضرورة استعادة هيبة أميركا، من خلال استعادة مصادر قوتها الداخلية، والتخلص من عناصر إضعافها المتمثلة في؛ كثرة المهاجرين غير الشرعيين، وهيمنة ضغوط قوى التجارة الحرة ومصالح المستثمرين الأميركيين العاملين في الخارج، وتبديد نفوذ أميركا على دعم قضايا ليست حيوية. لقد تنبّه ترمب إلى أهمية ثقل الطبقة العاملة في الانتخابات، فاستمع إلى هذه الطبقة التي تقول نريد فرص عمل ولا نريد إحسانا، نريد التعويض بالوظائف على أرضنا عن تلك التي تُهرّب مع المصانع إلى المكسيك وشرق آسيا، فركز على الشأن الاقتصادي الداخلي، وضرورة استرجاع الصناعة الأميركية. قدّم وعودا تهدف إلى الدفاع عن الطبقة العاملة الأميركية الحالية والمقبلة، وركز على إيجاد فرص العمل ومواجهة البطالة، وهاجم كل ما يًعيق ذلك. لا شيء عند الطبقة العاملة الأميركية له معنى سوى وظائف العمل الضائعة، ولا شيء له معنى حاليا في أميركا إلا الصراع الطبقي، وهذا ما استوعبه ترمب ولم يستوعبه غيره، فحصد انتخابات الرئاسة وفشلت منافسته.  

ولم يهتم ترمب بالتحليل الثقافوي الذي يركز على القضايا الثقافية المتعلقة بالجنوسة والعنصرية وغيرهما، بل أمعن في إهانتها، لا بل حتى إهانة مؤسّسات الإعلام الأميركي، على أساس أن لا أحد يجرؤ على ذلك. فكانت إعلانات تلك المؤسّسات عن اتهامات وإهانات ترمب لها، تقدم له خدمة إعلامية بالمجان.  

ربّما شكل فوز ترمب مفاجأة – إن لم تكن صدمة-كبيرة، ليس على المستوى الخارجي بل حتى في الداخل الأميركي، خاصة بين وسائل الإعلام وكبريات مؤسّسات استطلاع الرأي، التي ظلّت حتى يوم الانتخابات تتحدث عن تقدم بيّن لمنافسة ترمب في السباق الرئاسي. الأمر هنا كشف بوضوح، مدى هشاشة استطلاعات الرأي، وبعدها عن الواقع الذي انتهى بوصول ترمب إلى الرئاسة. الأمر الذي عبّر عن فشل هذه المؤسسات وعرّضها لهزة عنيفة، ستكون لها انعكاساتها السلبية على مصداقيتها مستقبلا. فشل أرْجعه بعض الباحثين إلى الفكر والآلية والمنهجية، التي تم التعاطي من خلالها مع استطلاع الرأي؛ حيث اختيار عينات عشوائية في غير محلها أو غير مكترثة بالشأن العام أو ليس لها اهتمام حقيقي بالاقتراع والمشاركة. ناهيك عن التصنيف الخاطئ للفئات المشاركة، واختيار فئات لها أولوية على حساب فئات أخرى.  

ومن زاوية أخرى، كتب بعض المختصين مقالات وصرّح السياسيون بتصريحات تدور في مجملها حول ماذا لو فاز ترمب؟ فمنهم من قال إن فوز ترامب سيكون مشكلة للعالم أجمع. وهناك من قال إن تصريحاته الدعائية خطأ من الناحية الأخلاقية، وتتنافى مع القيم الأميركية وتقوي الإرهاب وتهدد الأمن القومي الأميركي. وهناك ناشطون بريطانيون قالوا إنهم سيطالبون بوضع اسمه على قائمة الممنوعين من الدخول إلى بلدهم. وهناك من المشاهير من قال إنه إذا ما فاز ترمب سيهاجر إلى الخارج ويترك أميركا. وهذه تصريحات تنم عن مدى تشاؤم أصحابها حيال قدوم شخصية ترمب لرئاسة أقوى دولة في العالم، وكأنها تطرح سيناريوهات مخيفة لمستقبل مرعب يهدد العالم.

وهنا تجدر الإشارة، إلى أن صناديق الاقتراع التي أوصلت الكثير من العقلاء إلى كراسي الحكم، بإمكانها أن تكون الآلية الوحيدة لوصول أحمق إلى حكم العالم. إن الطريقة الديموقراطية التي أوصلت ترمب إلى البيت الأبيض، هي ذاتها التي جاءت برجل دمّر نصف العالم، وتسبب في قتل حوالي 40 مليون من البشر، اسمه " هتلر".

لقد تعهّد ترمب ووعد وتوعّد بالكثير حيال؛ العمالة، والهجرة غير الشرعية، والأقليات، والصناعة، والاقتصاد والشئون السياسية وغيرها. ولعلّ من أطرف ما تعهّد به هو التنازل عن مرتبه السنوي، في حال فوزه بالرئاسة (400000 دولار، ومخصصات 50000 دولار) فهل سيفي ترمب بما وعد وتوعّد؟ نعم، ستثبت لنا الأيام ما إذا كان ترمب قادرا على تحقيق ما رفعه من شعارات أثناء حملته الانتخابية، أم أنه سيكون غير قادر على تنفيذ شعاراته المتطرفة، إذ سيجد نفسه أسير منظومة قانونية وسلسلة من الاتفاقيات والمعاهدات الدولية، وستطحنه رحى المؤسسات المدنية والعسكرية لتتناسب قرارته مع معطيات السياسات العامة الأميركية، فلن يكن حاكما مطلقا، بل رئيس أميركي عابر في تاريخ أميركا مثل سلفه. لكنه في نفس الوقت، هو جرس إنذار علينا سماع رنينه جيدا-خاصّة نحن العرب- وعلينا أن نقتنع بالتخلي عن أن لدينا من الأموال ما يحمينا، علينا بالتعامل مع التغيير القادم من أميركا، حتى لا نقع في المحظور.

ا. د. عبد الجليل آدم المنصوري

كلمات مفاتيح : مقالات ليبيا المستقبل،
مراقب قديم | 30/11/2016 على الساعة 18:39
كل الطرق تقود إلى روما
أتفق كثيرا مع أغلب ورد في المقال أعلاه ؛ غير أني لا أظن أن صناديق الاقتراع هي الآلية الوحيدة لوصول أحمق إلى سدة الحكم؛ لأني أعرف جيدا وأحفظ عن ظهر قلب قائمة طويلة تضم اسماء مشاهير من أمثال عيدي أمين و معمر عبدالسلام القذافي و الرئيس كنعان بانانا و الكثير و الكثير من الرؤوساء الحمقى و الحكام المجانين الذين وصلوا إلى السلطة في بلدانهم عن طريق القوة الغاشمة و البوابة العسكرية الواسعة.
آخر الأخبار
جميع المقالات والأراء التي تنشر في هذا الموقع تعبر عن رأي أصحابها فقط، ولا تعبر بالضرورة عن رأي إدارة الموقع