مقالات

علي المقرحي

عرض لملف العدد التاسع من “عراجين" (8)

أرشيف الكاتب
2016/11/22 على الساعة 02:35

(17 فبراير… هذا ما حدث)
د. مصطفى التير

ينطلق عالم الإجتماع الدكتور مصطفى التير، في هذه الورقة إلى مقاربة الحالة الليبية من زاويته العلمية التخصصية، وذلك وفق منهجية تحليلية، تتعاطى مع الحدث بأكبر قدر من الشمول لتحيط بكافة أبعاده، وتغوص وراء معطياته المباشرة لتتعرف على أسبابها ودواعيها، ويبدأ الدكتور نقاشه هذا من المقدمة، وحتى السؤال (إلى أين تقود رياح التغيير البلاد؟) الذي يؤكد على إنفتاح الموضوع على كل الآفاق المعرفية ليوافق إهتمامات مختلف العلوم الإنسانية، ومن زواياها المتعددة والمتباينة، والمتكاملة أيضاً.

المقدمة:

حظيت الأحداث التي بدأت في هذا التاريخ باهتمام عدد كبير من الكتّاب، صحفيين وباحثين، وبلغات كثيرة، كل كتب من الزاوية التي نظر منها لتتابع الأحداث، ومن خلال زاويته المعرفية، فظهرت كتابات اعتمدت على السرد والوصف البسيط، وكتابات تلونت بخلفية الباحث الأيديولوجية، وكتابات اعتمدت على تقنيات البحث العلمي في مختلف مجالات العلوم الإجتماعية، ظهرت هذه في مختلف وسائل النشر من صحافة ورقية،إلى صحافة ألكترونية، إلى ورقات بحثية وكتب اعتمدت التنظير والتحليل أو بنيت على دراسات ميدانية، ومع كثرة ما نُشِر إلا أن ماحدث من فعل ومن تداعيات وردود أفعال لم يُجِبْ عن أسئلةٍ كثيرة قد تتبادر إلى الذهن، وتتعلق بكيف، ولماذ، وإلى أين "كيف حدثت أحداث السابع عشر من فبراير 2011؟، ولماذا حدثت في ذلك التاريخ بعينه؟، وكيف تداعت؟، وإلى أين ستقود التداعيات البلاد على مستويي الدولة والمجتمع؟“

ستحاول هذه الورقة الإجابة عن هذه الأسئلة وعن بعض الأسئلة الفرعية المتعلقة بها، ولطبيعة ظروفها من حيث الجهة المقدمة إليها، ومكان النشر، وتشابك المتغيرات المؤثرة في المشهدين السياسي والإجتماعي، فستكون الإجابة عبارة عن مقاربة مختصرة من خلال جانب من أدبيات علم الإجتماع التي قد تساعد على فهم ماحدث.

لقيت ظواهر الإحتجاج بأنواعه، بما فيها المظاهرات والحراك الإجتماعي منذ ستينيات القرن الماضي، اهتماماً كبيراً من قِبَلِ المتخصصين في العلوم الإجتماعية، مثل: علوم السياسة والنفس والأنثروبولوجيا والإجتماع، وأدى هذ النشاط إلى تراكم معرفي ساعد على فهم هذه الظواهر وتفسيرها على ضؤ الوقائع التي تحدث على الأرض، خصوصاً بعد أن تخلصت العلوم الإجتماعية، من تأثير الكتابات التي نعتت هذه الظواهر بأوصاف سلبية، ونقصد كتابات الفيلسوف الفرنسي "غوستاف لوبون“ في عمله ذي الشهرة العالمية "سيكولوجية الجماهير" حيث نظر إلى أن عقل الفرد يضعف أو يختفي أثناء السير في حشود كبيرة، فيرتكب أفعالاً غبية ومدمرة، لذلك رأى كثير من الباحثين الذين وقعوا تحت تأثير هذه النظرة السلبية، إلى حركات الإحتجاج الإجتماعي على أنها مظاهر فوضوية ومناقضة للديموقراطية، لكن تغير هذا الأمر، بعد أن قادت مظاهرات طلاب الستينيات في أوروبا وأمريكا بصفة خاصة إلى تغييرات إيجابية في بنيات المجتمعات، وفي علاقة المواطن بالحاكم وعلاقة المجتمع بالدولة، وأصبحت مظهراً من مظاهر النظام الديموقراطي.

عليه لا يوجد اليوم من المتخصصين في العلوم الإجتماعية من يُنْكِرُ على المواطنين حق الإحتجاج مكتوباً أو مسموعاً أو في مظاهرة سلمية، فالإحتجاج تعبير عن عدم الرضا عن شئ ما يتصل بما يراه الأفراد حقوقاً مادية تتعلق بمقومات الحياة اليومية، أو غير مادية وتتصل بحريات التعبير والمشاركة بأنواعها وعلى مختلف مستوياتها، لذلك عندما يُتَهَدٓدَ الأمن الغذائي للناس، أو يُحرمون من حاجات يعتبرونها من حقوقهم، أو يرون إنتشاراً واسعاً للفساد وما سيقود إليه من تهديد لحالة التوازن الإجتماعي، يخرج المواطنون في المجتمع الديموقراطي إلى الشارع، قد يقتصر الخروج إلى الشارع على فئة بعينها كعمال مصنع أو مجال صناعي، وقد يضم الحشد أكثر من فئة واحدة، بل قد يتطور الأمر إلى مشاركة واسعة تتضمن جماعات تعود إلى جميع شرائح المجتمع، مثل ما حدث في مناسبات ومجتمعات مختلفة، ومنها إنتفاضة السابع عشر من فبراير.

كيف كانت البداية؟

لم يشارك الشباب الذي كان له سبقُ المبادرة في أحداث السابع عشر من فبراير، في أي شكل من أشكال الإحتجاج الإجتماعي، إذ وُلِدَ وترعرع في زمن غاب فيههذا النوع من الظواهر الإجتماعية، لكن لا يخلو التاريخ الليبي من ذكر أحداث كانت تعبيراً عن الإحتجاج الإجتماعي، ودون الغوص بعيداً في هذا التاريخ، واقتصار الحديث على على الفترة التي أعقبت انسحاب إيطاليا، يمكن القول أن المدن الليبية شهدت أثناء حكم الإدارة العسكرية كمّاً كبيراً من المظاهرات تعبيراً عن الإحتجاج الإجتماعي، لعل أكبرها وأكثرها تأثيراً تلك التي تلت قرار تقسيم فلسطين، وأدت إلى هجرة معظم اليهود الليبيين، وتلك التي ساهمت في إسقاط مشروع (بيفن / سفورزا)، ثم جاء عهد الإستقلال وسُجلت أثناء حقبته  مظاهرات واحتجاجات، تواجدت عناصر الشرطة الوطنية مع المتظاهرين لتأكيد سلمية المظاهرات، ولم تُسجل حالات استخدمت فيها الشرطة الرصاص الحي إلا في: المظاهرات التي اجتاحت عدداً من مدن المنطقة الغربية فور الإعلان عن نتائج أو إنتخابات برلمانية في عام 1952م، ومظاهرات الطلاب في بنغازي في شهر يناير من عام 1964م التي قُتِلَ فيها ثلاثة طلبة إلى جانب جرح آخرين من مدرسة بنغازي الثانوية، التي غُيِرٓ إسمُها بعد الإنقلاب الذي قاده القذافي إلى مدرسة شهداء يناير، لم تتوقف الإحتجاجات والمظاهرات خصوصاً بين الطلاب والعمال خلال فترة العهد الملكي.

انتهى هذا اللون من الحراك الإجتماعي بمجرد مجئ القذافي للحكم،  إذ نجح في بناء جدار سميك ومخيف بما تفنن فيه من أساليب بطش وقهر وقهر على جانب، وعلى الجانب الآخر نجح أيضاً في توظيف مجموعة متنوعة من البرامج واوسائل بهدفشراء السِلم الإجتماعي، فعن طريق العنف نشر الخوف في القلوب، قلوب الذين لم يتمكنوا، أو لم تسمح لهم ظروفهم بالهروب إلى الخارج، وبالمال الذي توفر بغزارة ومركزية التحكم فيه، نجح في شراء سكوت الملايين، إلى أن جاءت انتفاضة السابع عشر من فبراير.

التي يؤكد غالبية الكتّاب - متأثرين بما يُعرف بنظرية الدومينو - على أنها حراك شعبي جاء  استجابة لما أصبح يُعرف في تونس بثورة الياسمين، وثورة 25 يناير المصرية، ثم 11 فبراير اليمنية، لكن موعد الحراك الليبي، كان مُتَّفَاً عليه قبل الإنتفاضة التونسية، فقد تواصل عدد من الشباب عبر وسائط التواصل الإجتماعي، واتفقوا على ضرورة التظاهر لإحياء ذكرى حادثة أليمة وقعت في مدينة بنغازي في مثل هذا التاريخ من عام 2006م، وانتهى الأمر إلى أن تحول التظاهر في يوم 17 فبراير من إحياء ذكرى أليمة، إلى مناسبة إحتفالية تخليدا لحدث تسبب في ظاهرة اجتماعية هامة، غُيّبٓت على مدى الأربعة عقود الأخيرة، وأطلق عليها المتسببون فيها ثورة 17 فبراير.

قلتُ أن الحراك الشعبي الذي حدث في هذا التاريخ أَطلق عليه المتسببون فيه كلمة (ثورة) وهو الإسم الذي أصبح شائعاً، لكنني أشير إليه في كل ما نشرت بإسم (إنتفاضة)، وقد يكون من المناسب هنا الإشارة إلى أن أدبيات العلوم الإجتماعية تُعٓرِّفُ الثورة بأكثر من تعريف، فالمتخصصون في العلوم السياسية بصفة خاصة، يفضلون استخدام المصطلح لأي حركة شعبية تقود إلى الإطاحة بنظام الحكم، أو بحكومة قائمة واستبدالها بنظام سياسي مختلف، من ملكي إلى جمهوري مثلاً، أو تغيير الحكومة بوسائل غير دستورية، وبعث دستور جديد فيه نصوص لتنصيب الحكومات لم يكن معمولاً به في البلاد من قبل، لكن يفضل متخصصون آخرون في فروع مثل: الإجتماع، والخدمة الإجتماعية أن يُستٓخدَمَ مصطلح (الثورة) للحراك الإجتماعي الذي يقود، إلى جانب تغيير نظام الحكم، إلى تغيرات اجتماعية وثقافية واقتصادية هامة بحيث يتغير نسق القيم، وتتغير الكيفية التي كان يتم عن طريقها توزيع السلطة والثروة، ولأنني أميل إلى الأخذ بالتعريف الأخير للثورة، أقول أن ماحدث في السابع عشر من فبراير عبارة عن (إنتفاضة)، قد تقود أو لا تقود إلى ثورة بالمعنى الإجتماعي.

ولأن موعد بداية الإنتفاضة الليبية جاء بعد انتفاضات حدثت في أكثر من قطر عربي، إتفق غالبية من كتب عنها من غير الليبيين على أنها حدثت نتيجة التقليد. إلا أن تلاحق الأحداث لا يعني بالضرورة أن الأولى سبب للتي بعدها، فلكل من بلدان الربيع العربي ظروفه الخاصة، كما أن القفز مباشرة إلى أن العامل الإقتصادي هو المتغير الرئيسي، لا يفيد في وصف ماحدث في ليبيا، ومع ذلك يمكن القول، أن انطلاق الربيع العربي قبل الموعد الذي اتفق عليه شباب شبكات التواصل الإجتماعي الرقمية "الفيسبوك" (الليبيون) للخروج للتظاهر في الشارع، ساهم في رفع سقف المطالب، ليصل إلى مستوى "الشعب يريد إسقاط النظام" انسجاماً مع المطالب التي رُفعت في كل من تونس ومصر.

لم يتوقع القذافي الذي حكم البلاد بيد من حديد، أن يأتي اليوم الذي يسمع فيه مثل هذه الصرخة في الشارع الليبي، لذلك وفي غياب الجيش، أمر كتائبه الأمنية بالتعامل بقوة لمنع طلائع المتظاهرين في المدينة التي شهدت انطلاق الإنتفاضة من متابعة التظاهر، وبدلاً من أن تقضي القوة المفرطة على بداية التحرك الشعبي، انتشرت المظاهرات الغاضبة لتعم مدن وقرى البلاد من أقصاها إلى أقصاها، وانضم إلى الشباب الذي لم يكن مسلحاً آخرون من الناقمين على النظام من مختلف شرائح الشعب بمن فيهم الشرطة وبقايا رجال الجيش والمثقفون، وبدا المشهد خلال الأسبوع الأول للإنتفاضة وكأن النظام في طريقه إلى زوال، خصوصاً وأن مظاهر النظام كمؤسسات أُحرِقَت، وأشخاص إما هربوا أو انسحبوا أو انضموا إلى المتظاهرين، وظهر ما عُرف بالمدن المحرَّرَة، لكن القذافي أصرّ على سحق المنتفضين، فأمر كتائبه الأمنية باستخدام جميع أشكال القوة، مما أدى إلى ارتكاب أفعال تتعارض مع أبسط حقوق الإنسان، ونجح شباب التواصل الإجتماعي وعدد من صحافيي الداخل والخارج في نشر صور الفظائع التي ارتكبتها الكتائب الأمنية، مما أثار موجة عارمة من الغضب على المستويين الإقليمي والعالمي ،ادت في النهاية إلى تدخل القوات الدولية تحت مظلة حماية المدنيين، اكتفت القوات الدولية بجانب الحرب الجوية، وتركت للمنتفضين الليبيين مهمة الحرب البرية، التي تولتها مجموعات مسلحة غالبية أعضاءها ليست لديهم خبرة عسكرية، لذلك استمرت الحرب ثمانية أشهر، مات الآلاف، تكونت الجماعات المسلحة بعفوية، وضمت فرقاً ذات خلفيات وهويات متنوعة، ومع ذلك حاربوا متجاورين متعاونين ومتحابين، تبارى أعضاء هذه الفرق في الإستماتة في الدفاع والشجاعة والتضحية، في التقدم ومساعدة الآخرين دون تمييز، ومع صعوبة المهمة التي تولتها هذه المجموعات، والظروف الصعبة التي مرت بها كل فرقة والآلام لفقد الزملاء والإخوة، ساد جو من الفرح عند أي انتصار، ولو كان محدوداً تحققه أي فرقة.

تغيرت هذه الصورة فور انتهاء المقاومة المسلحة بانتصار الإنتفاضة، وحلت محلها صورة مختلفة تماماً، ساد الصدام بدل الإنسجام، والإختلاف محل التفاهم والتعاون، وبعبارة أخرى كما وحدت الحرب ضد القذافي الجماعات المسلحة، تفرقت بموته ودخلت في صدامات، وبدا المشهد وكأن إخوة الأمس أصبحوا أعداءاً، وكثرت عمليات الخطف على الهوية والتعذيب والقتل والسطو على المال العام والخاص، ودخلت البلاد في حالة من الفوضى العارمة، مما شجع بعض المراقبين على وصف الحالة الليبية، بالدولة الفاشلة، التي تمهد للوصول إلى حالة اللادولة.

حالة الفرح ونشوة الإنتصار:

منذ ساعات الإنتفاضة الأولى ساد جو من الفرح بين النتفضين، وبدا واضحاً أن جميع من شارك في البدايات لم يتوقع أي درجة من درجات الإنتصار، الذي أخذ أشكالاً متعددة،فكان تحطيم جدار الخوف أول انتصار سجله المنتفضون، وهو الأول من حيث ترتيب مصادر الفرح، وكان من حقهم أن يفرحوا لأن جدار الخوف كان سميكاً بفعل شدة العقاب المرتبط بالخروج عن السراط الذي رسمهالعقيد، ولطول مدة وجود الجدار، لذلك كانت القدرة على إحداث ثقب فيه كافية لبعث الفرحة في قلوب صانعيها، وعندما أضرم المنتفضون النار في بعض أهم رموز النظام مثل مثابات اللجان الثورية ومراكز الشرطة أعتُبِرٓ هذا العمل انتصاراً، وعندما انضم عدد من مثقفي مدينة بنغازي من رجال قضاء ونيابة ومحامين وأساتذة جامعة وكتاب وصحفيين، اعتبر الشباب هذا الإنضمام انتصاراً واعتبر انضمام بعض العسكريين من شرطة وجيش إنتصاراً آخر، وكان الهجوم على كتيبة الفضيل بوعمر إنتصاراً إضافياً، هكذا، ولم يؤثر منظر أجساد الموتى التي كانت تتناثر أشلاءاً، ولا الدماء التي كانت تسيل بغزارة من أجساد المجروحين، على حالة الشعور بالفرح والتعبير عنه عند المنتفضين.

وهكذا عرف المجتمع ظاهرة جديدة يمكن أن نسميها بأجواء الفرح، ظهرت في اليومين الأولين في مدينتين من مدن الشرق الليبي، وسرعان ما انتشرت كشعلة ضخمة من نار في مدن وقرى أخرى في مختلف أرجاء البلاد، لكن لهيب الشعلة لم يدم طويلاً في الكثير من البقاع التي وصلها خلال الأسبوع الأول من الإنتفاضة، بفعل قسوة ردة فعل كتائب القذافي الأمنية، لكنها ظلت مشتعلة وتزداد قوة في مدن الشرق الليبي وفي بنغازي المدينة التي اشتهرت أيام الإنتفاضة باحتضانها لأول وأهم ساحة للحرية بصفة خاصة، وانتشرت تلك الساحات التي أصبح يشار إليها بالمدن المحررة، ومن أهم خصوصيات ساحة الحرية في بنغازي أنها تجاور محكمة بنغازي الشمالية، المحكمة التي اكتسبت شهرة عندما أصبحت مكاناً يقف أمامه أعضاءٌ من أسر شهداء مذبحة أبوسليم صباح كل يوم سبت، في مظهر من مظاهر الإحتجاج الإجتماعي، مطالبين الحكومة بتقديم معلومات كاملة عن أبناءهم الذين كانوا في السجن وقُتِلوا، وتسابق عدد من الشباب ذكوراً وإناثاً منذ الأيام الأولى للإنتفاضة نحو الساحة ليهتموا بالأنشطة الداعمة للمحاربين، وبسرعة فائقة تحولت إلى معرض كبير للرسوم الجدارية،عبر بها أصحابها عن بعض آراءهم وتصوراتهم وانتقاداتهم بكل حرية، وعلقب بها أيضاً صور الذين استُشْهِدوا في الحرب، وصور بعض شهداء الحرب ضد الإيطاليين، تناثرت بها الخيام التي أصبحت معارض للكتب أو الصناعات التقليدية، او معلومات حول فئات أو جماعات بعينها، وأكشاك لبيع الأطعمة والمشروبات، ونصبت شاشة تلفزيون عملاقة مكنت الجمهور الغفير الذي أخذ يتوافد على الساحة نهاراً وليلاً من متابعة أخبار الإنتفاضة في كل مكان، فرست أرضيتها ليجلس من يشاء، وليصلي الحاضرون جماعة، ولتقام بها صلاة الجمعة، ونصب منبر يستخدمه الإمام،كما يستخدمه من أراد التعبير عن رأي أو التعليق على حدث، وكان يتوافدعلى الساحة جميع فئات الشعب دون تمييز بين كبار وصغار، أو رجال ونساء، ومن كل أطراف البلاد في مهرجان شعبي كبير، وهي الساحة التي رحب فيها سكان بنغازي بكبار الزوار، إذ توافد على بنغازي منذ بداية الإنتفاضة صحافيون ورجال سياسة ونشطاء في المجتمع المدني، واستقبلت في تاريخ لاحق رؤساء حكومات ووزراء وبرلمانيون، وكانت طيلة أيام الحرب مكاناً للتظاهرات وإلقاء الخطب والإحتفالات ليلاً ونهاراً،فكانت ساحة للبهجة والفرح ولقاء الأصدقاء. وقد حرص عدد من رجال المعارضة أو العاملين في الخارج على التواجد في الساحة، وإلقاء الخطب كنوع من الحملات الإنتخابية، لتولي مناصب في حكومات ما بعد القذافي، أو للترشح لإنتخابات المؤتمر الوطني.

شعارات المهمة العصية:

رفع شباب الإنتفاضة ذكوراً وإناثاً، ومن انضم إليهم من كبار السن، شعارات كثيرة وجديدة على الشارع الليبي، كان من بين أهمها: الديموقراطية كما هي مطبقة في بلدان العالم المُصَنَّفَة ديموقراطية لا ديموقراطية الكتاب الأخضر، والحرية، والمساواة، وإقامة الدولة المدنية، وأن الليبيين قبيلة واحدة، انتشرت هذه الشعارات بين جميع المنتفضين بغض النظر عن أماكن تواجدهم، ولم يقتصر رفع هذه الشعارات على سكان المدن الكبيرة، ولا على الطبقة المثقفة، وإنما ظهر الشعار في كل مكان بما في ذلك القرى المتوارية في قلب الصحراء،جاء شعار "الليبيون قبيلة واحدة" متناغماً مع طبيعة البناء الإجتماعي للمجتمع، لكن الشعار الذي لفت اهتمام عدد من الباحثين الذين اهتموا بمتابعة تطور أحداث الإنتفاضة هو شعار الديموقراطية وما يتعلق بها من قيم للحريات والمساواة وبناء دولة القانون، لذلك ظهر في العديد من الكتابات السؤال التالي: هل في مكونات انتفاضة 17 فبراير ما يضمن عملية التحول نحو الديموقراطية؟، وهو سؤال يحمل في طياته الشك في إمكانية النزول بالشعار إلى أرض الواقع،فلا يوجد في النظام السياسي الذي نشأ فيه شباب الإنتفاضة شئ يمت بصلة للشعار الذي رفعوه، كما تعج الثقافة الليبية بالقيم التي لا تشجع على التحول الديموقراطي، لكن لابد وأن لدى الشباب.. بسبب انتشار وسائل الإتصال الحديثة .. فكرة عن الحياة في مجتمع ديموقراطي، وأنهم سئموا نمط الحياة في ظل نظام ديكتاتوري مستبد، ومن مظاهر استبداده الإدعاء بأنه النظام الوحيد الذي يطبق الديموقراطية الصحيحة، وتمعن وسائل الإعلام في تزييف الوعي بوصفه "بالنظام البديع" تمنى الشباب التغيير والإلتحاق بركب البلدان التي تطبق الديموقراطية، ومعارضة مقولة "استعصى العرب على الديموقراطية" واستجابت اللجنة التي تولت قيادة الإنتفاضة "المجلس الوطني الإنتقالي" لنبض الشارع، وترجمته في مواد الإعلان الدستوري الذي أُعِدَّ لكي ينظم الحكم في المرحلة الإنتقالية، فنصت مادته الرابعة على: "تعمل الدولة على إقامة نظام سياسي ديموقراطي مبني على التعددية السياسية والحزبية، وذلك بهدف التداول السلمي للسلطة" لكن من جهة أخرى، هل يمكن بناء ديموقراطية في مجتمع ليس في ثقافته قيم ديموقراطية كالتي تشجع على الحوار، وتقبل بالرأي الآخر وتحترمه؟.

تمكن الشباب ذكوراً وإناثاً منذ انطلاق الإنتفاضة، من تكوين الجمعيات التي تعتمد على التبرع بالوقت والجهد لتقديم مختلف الخدمات، وتطورت فيما بعد لتصبح ضمن مكونات المجتمع المدني، ولم يقتصر وجود هذه الظاهرة على المدينة الكبيرة، وإنما وُجِدَتْ في كل شكل من أشكال الإستقرار البشري بما في ذلك القرية، ونظراً لغياب السلطات الرسمية في المدينة التي وُصِفَت مُحَرَرَةً بادر ناشطون في مجال الإعلام بانتهاز الفرصة فظهرت مختلف وسائل التعبير: صحف ورقية، وصحف ألكترونية، ومحطات الإذاعة المسموعة والمشاهَدَة، تواجدت وسائل التعبير في أكثر من مدينة، وتمتع العاملون فيها بحرية كاملة في اختيار ما يقدمون من برامج وطرق تقديمها، وفُتِحَ الباب على مصراعيه أمام الجميع للتعبير عن الرأي، وأصبح البعض يوجه النقد للمسؤولين في وسائل الإعلام بكل حرية، ووصلت لغة النقد في حالات كثيرة إلى درجة التجريح، ومع ذلك رحب بها المشاهدون والسامعون من خلال مداخلاتهم.

استفاد من هذه الظروف عدد من الكتاب والباحثين في مجال العلوم الإجتماعية لينشروا مقالات وكتب، حول موضوعات كانت ممنوعة، وأن يكتبوا عن النظام الذي استمر لأكثر من أربعة عقود، بصراحة وأن ينتقدوا ما كان يجري خلال تلك الحقبة، وأن يساهموا في الكشف عن الكثير من الممارسات المنحرفة لذلك النظام، وكانت الأحزاب السياسية مظهراً من المظاهر الجديدة التي ظهرت بعد الإنتفاضة، فدخل الليبيون في سباق محموم لتكوين الأحزاب والكيانات السياسية، بحيث تجاوز عددها خلال فترة وجيزة المأة والخمسين حزباً وكياناً سياسياً، ومع أن غالبيتها العظمى لا تحمل من مكونات الحزب السياسي بالمعنى المتعارف عليه سوى الإسم،فإن التنافس على تكوينها يعكس رغبة عند نسبة لا بأس بها من المواطنين للدخول في التجربة الحزبية، على الرغم من كونهم عاشوا خلال الأربعة عقود الأخيرة وهم يستمعون يومياً لأجهزة الإعلام الرسمية، وهي تردد مقولات تهاجم النظام الحزبي وتتهكم عليه من نوع: "الحزبية إجهاض للديموقراطية، التمثيل تدجيل، من تحزب خان”. كما تم خلال الفترة الماضية ثلاثة انتخابات حازت على دعم وتأييد هيئات دولية، فتم خلال سنتين انتخاب ثلاث تشريعية (المؤتمر الوطني العام، ولجنة الدستور، ومجلس النواب)، لذلك يمكن النظر إلى جميع هذه الخطوات على أنها ضمن عمليات التحول الديموقراطي.

إلى أين تقود رياح التغيير البلاد؟

لاشك أن الحراك الإجتماعي الذي انطلق في بداية النصف الثاني من شهر نوفمبر من العام 2012م، كان مؤشراً لبداية مرحلة من مراحل التغير الإجتماعي الهامة في تاريخ المجتمع الليبي،، التغير الإجتماعي سمة من سمات كل مجتمع عندما تتوفر الظروف الملائمة، لقد بقي المجتمع الليبي في حالة تشبه السكون لفترة طويلة من الزمن، من حيث محافظة أنساقه الثقافية والإقتصادية والإجتماعية على حالها، ثم حدثت أحداث غيرت حالة سكونه، وكانت البداية بالحرب التي شنتها إيطاليا في مطلع القرن العشرين بهدف استعمار البلد استعماراً استيطانياً، والتي فتحت أعين الليبيين على أشياء لم يسمعوا عنها، أسلحة متنوعة، وسيارات عادية ومصفحة ومعدات، وألبسة وأطعمة ولغة تخاطُبٍ، وفور إعلان الإستقلال الذي حصلوا عليه مع بداية النصف الثاني من القرن العشرين، بدأت حركة التغيبر تدب في أركان المجتمع، وهو تغيير قادته الدولة كما هو حال الكثير من بلدان العالم الثالث التي توفرت لها إمكانيات مادية، ورغبة عند قادتها في تحديث بلدانهم، فالدولة هي التي وضعت ونفذت الخطط التنموية التي قادت إلى تغيير المحيط.

وُظِّفٓتْ  نسبة من عوائد النفط لتحديث المجتمع بالمعنى المادي، فبنيت المباني الحديثة لتكون وحدات سكنية صحية، ومدارس ومستشفيات ومبانٍ إدارية، ومطارات وورش ومصانع، ومركبات تجارية وأخرى رياضية، ومحطات الوقود، كما عُبِّدَتِ الطرق، ونُظِّمَت رحلات الطيران بين مختلف المراكز الحضرية، ورُبِطَت البلاد بشبكةٍ لخطوط الكهرباء وأخرى لخطوط الهاتف، ويمكن القول أنه خلال سنوات محدودة تعرّف الليبيون على مختلف مؤشرات التحديث المادي، وأصبح بإمكان كل أسرة، بغض النظر عن مكان تواجدها جغرافياً، استخدام مختلف معدات التقنية المناسبة للحياة الحديثة،وعملت الإنجازات التي توجهت للعناية بالفرد إلى تحسن صحته، وأن يحصل على تعليم حديث، وارتفعت بذلك جودة الحياة لغالبية السكان، مما أدى في النهاية إلى أن تُصَنَّفَ ليبيا ضمن بلدان فئة التنمية المرتفعة على مؤشر التنمية البشرية، ويمكن وصف التغير الإجتماعي الذي حدث خلال الستين أو السبعين سنة الماضية، بأنه تحديث مادي، أي تحديث على مستوى البيئة والمحيط، وبسبب وجود متغيرات معينة طبعت نظام الحكم الذي ساد منذ الإستقلال، لم يؤدّ التحديث التحديث المادي إلى حداثة أو تحديث على مستوى الشخصية، لأن بعض خصائص الحداثة ترتبط ارتباطاً قوياً بمختلف عناصر الديموقراطية، لذلك أكّدتُ على أن الحراك الإجتماعي الذي انطلق في بداية النصف الثاني من شهر نوفمبر من العام 2012م، كان مؤشراً لبداية مرحلة من مراحل التغير الإجتماعي المهمة في تاريخ المجتمع الليبي، فهو حراك من النوع الذي يمكن أن يقود إلى تغييرات هامة في نمط تفكير الأفراد، وبالتالي في أنماط السلوك بما يدعم قضية انتشار الحداثة في هذا المجتمع، إذ يُفتَرَضُ أن تعكس سمات الشخصية الحداثية نسقاً للقيم من بينها القبول بمبدأ المساواة بين الجميع دون تمييز بسبب النوع أو اللون أو التعليم أو المستوى الإقتصادي، والإعتراف بحق الإختلاف في مختلف الصفات بما في ذلك الرأي وحق التعبير عنه بحرية لا تصادر حرية الآخرين ولا تتسبب في الإضرار بهم، واستعداد  للمشاركة الواسعة مع الآخرين على المستويات الإجتماعية والإقتصادية والسياسية، واحترام القانون، وترد هذه القيم ضمن متطلبات التحول الديموقراطي، أو انتشار قيم الديموقراطية في المجتمع، واكتساب الأفراد لها.

لكن ما الذي حدث منذ بداية الإنتفاضة، وما الذي تغير؟ هل استمر إخوة النضال على حالهم في تكاثفهم وتعاونهم واتحادهم؟ وهل تحقق شعار "الليبيون قبيلة واحدة"؟، هل استمرت ساحة الحرية في بنغازي وبقية الساحات التي قلدتها مسرحاً للفرح والبهجة؟، وهل استمرت مؤسسات الإعلام بأشكالها المختلفة تزاول نشاطها بنفس الحرية التي تمتعت بها خلال عامَي 2012 و2013؟، وهل ما أُنجِزٓ من خطوات على طريق التحول الديموقراطي كافية لكي يستنتج المراقب أن الطريق أصبح مُعَبَّداً أمام ذلك الشعار الكبير الذي رغه شباب إنتفاضة 17 فبراير، وأن الديموقراطية ستنتشر قيماً وتطبيقاتٍ عملية في جميع المجالات، وأولها العلاقات بين الأفراد، ثم العلاقة بين الدولة والمجتمع؟

لا يستطيع من رغب في وصف المشهد الليبي الحالي بمستوييه الإجتماعي والسياسي أن يجيب عن الأسئلة السابقة بنعم، فقد تفرّق الأصدقاء وكذلك إخوة السلاح ودخلوا في صدامات مسلحة، انطفأت تلك النار التي كانت مصدر الدفء والنور في ساحة بنغازي، وكذلك حال بقية الساحات، وحل محل النور ظلام دامس، توقفت غالبية أشكال الإعلام، وهاجر بعضُها لتنضم إلى بقية الليبيين في بلدان الشتات، مهجرين وهاربين، وطالبي رغد الحياة بعد أن تمكنوا بمختلف الطرق من تأمين أموال تضمن لهم نوع الحياة التي فضَّلوها على تلك التي تركوها وراءهم في بلد لا يتحدثون عنه كوطن.

ولكن على الرغم من قتامة الصورة التي يمكن رسمها بناءاً على الإجابات عن الأسئلة التي وردت في الفقرة السابقة، إلا أن ما تخلل مسيرة الإنتفاضة الليبية من عثرات وإخفاقات،ليس بالأمر الغريب في مثل هذا النوع من  الحراك الشعبي، بل هي بحسب رأي بعض الذين اهتموا بدراسة الإنتفاضات والثورات، عادية، إذ بمجرد أن تنجح الثورة أو الإنتفاضة في تغيير النظام، يبدأ حراك جديد متمثلاً في ظهور خلافات بين الفرق التي استركت فيها، وعلى رأي " جولدستون " فإن هذا الحراك الجديد سيأخذ مدة زمنية لا تقل عن خمس سنوات، ويبدو أن ملاحظة جولدستون وجيهة، وفي الحالة الليبية يتطلب الأمر مدة أطول من خمس سنوات، قبل أن تتضح الكثير من الصور التي تشوهت بسبب كثرة المدَّعين والطامعين واللاهثين وراء المكاسب على المستويين المحلي وادولي.

ولا يُتَوَقَّعُ أن تستمر حالة الفوضى إلى ما لا نهاية، خصوصا وأن المصدر الوحيد للإقتصاد تعرض إلى هزات قوية، مما تسبب في انخفاض كبير في الناتج المحلي الإجمالي، والذي يقود بالطبع إلى تدني متوسط نصيب الفرد الذي انخفض من حوالي ستة آلاف دينار في عام 2013م إلى حوالي ثلاثة آلاف دينار في عام 2014م، وبعبارة أخرى بلغت نسبة الإنخفاض (%48.7)، وترتفع هذه النسبة إلى أن تصل إلى (%63.8) إذا تمت المقارنة بين أرقام سنتَي 2010و 2014 م، مما يعني أن نسبة كبيرة من المواطنين دخلت في فئتَي العوز والفقر، وعلى الجلنب الآخر أدت حالة الإنكماش في الناتج المحلي الإجمالي إلى أن يضطر البنك المركزي إلى السحب من الاحتياطي العام لدعم العجز في الميزانية، مما سيؤدي إلى تآكل الإحتياطي ما لم تُتّخذ ترتيبات فورية لمعالجة هذا الوضع، ومن جهة أخرى باتت الحالة الليبية الراهنة مصدر إزعاج لدول الجوار، وبلدان أوروبا المطلة على البحر المتوسط، لذلك تزايد ضغط المجتمع الدولي خلال الآونة الأخيرة بإتجاه دفع الليبيين إلى تشكيل حكومة توافق، كما لا يُستَبعَدٓ شبح التدخل العسكري الدولي إذا استمرت حالة تنافر الأطراف المسيطرة على المشهد السياسي على حالها، وقد جرب الليبيون هذا المشهد وعرفوا تداعياته، فهل سيسود صوت العقل أخيراً وتبتعد البلاد ولو قليلاً عن حالة الفوضى العارمة ؟، أم نستعيد تلك الحكمة التي قالها يوماً رجل من الجنوب إسمُهُ "أحمد صوفو" عندما كان ضمن اللجنة الإستشارية لمندوب الامم المتحدة "ادريان بلت"، إذ يُسْأْلُ عن مجريات الأمور في داخل اللجنة، فيرد "يكون خير إن شاء الله”؟.

وما أشبه الليلة بالبارحة.

علي المقرحي

* راجع الحلقات بـ (ارشيف الكاتب)

لا تعليقات على هذا الموضوع
آخر الأخبار
جميع المقالات والأراء التي تنشر في هذا الموقع تعبر عن رأي أصحابها فقط، ولا تعبر بالضرورة عن رأي إدارة الموقع