مقالات

د. جمعة أحمد عتيقة

عبد الرحمن بدوي أمياً في سجن القذافي

أرشيف الكاتب
2016/06/26 على الساعة 10:25

عبد الرحمن بدوي أمياً في سجن القذافي (*)

لم يعد للسجون وجود "فوق" ارض الجماهيرية؟! تلك الحقيقة بُدأ بتنفيذها في ليبيا الآن.. فسجن "الحصان الاسود" الشهير بطرابلس ربما اصبح عند نشر هذه السطور اثراً بعد عين حيث أن الجرافات ومعدات المسح تعمل ليل نهار في ازالة اثاره ورفع انقاضه بعد ان تم هدمه بقرار من القذافي.. وكي لا تفعل الدهشة فعلها في القاريء الكريم فاننا نسعفه بأن قرار القائد في شقه الثاني قد امر بتحويل السجون الى مواقع وسراديب "تحت الأرض". فحالما  انتهت الشركة الكورية المكلفة ببناء دهليز "باب عكارة" و"مزرعة العنب" تم نقل مساجين الحصان الأسود السياسيين اليهما لتختفي بذلك السجون من على سطح الأرض في الجماهيرية السعيدة!! وذلك كأحد الإعلانات عن بداية "عصر الجماهير".

وعلى ذكر سجون ودهاليز القذافي تحضرني حادثة تجمع بين الطرافة والمأساة كنت أحد شهودها حدثت في سجن من سجون "فوق الأرض" في ليبيا وهوسجن الكويفية في بنغازي، اوردها للقارئ حتى يشركني التعليق ان كان هناك للتعليق مجال.

بعد خطاب زوارة السيء الذكر يوم 14 ابريل 1973 الذي الغى فيه القذافي كل شيء… واباح كل شيء!! ليظل الفرق بين الشيئين كالفرق بين القانون والفوضى! كان مما أباحه في خطابه فتح المعتقلات للمثقفين ومن اتهمهم بمعارضته.. وكان من بين المعتقلين في تلك الحملة "الدكتور عبد الرحمن بدوي" الذي لا اجد الجرأة لتقديمه للقراء.. فمن منا لا يعرف تلك المنارة الفكرية التي أضاءت ولا زالت سماء الفكر الفلسفي العربي.. كان الدكتور بدوي انذاك قد قضى ما يقارب السبع سنوات أستاذاً للفلسفة في الجامعة  الليبية يتمتع بما يليق بمقامه من احترام وتقدير من تلاميذه.. تخرجت على يديه افواج ما زالت تضيف هذا الشرف المعنوي الى شهاداتها العلمية.. غير ان للجهل في المقابل رأياً اخر فاودع الدكتور بدوي سجن الكويفية.. ومازلت اذكر ذهول الرجل واستغرابه ومرارة المهانة التي احس بها.. خاصة انه لم يحترف السياسة.. ولم يقترب في حياته من الدوائر الممنوعة "سياسياً" في عالمنا العربي بشكل مباشر، بل عاش الفكر وعايشه وترهبن وانقطع للبحث الاكاديمي.. لذلك فقد كنا في وضع لا نحسد عليه امام تساؤلاته وحيرته... رغم اننا معه في مركب واحد كما - يقولون - ولم نكن نجد ما نقول امام دهشته ومرارته سوى ان للجهل احكامه... اما كيف عاد الدكتور بدوي أمياً لا يجيد القراءة والكتابة بل وحتى توقيع اسمه فإليكم القصة:

في مدينة بنغازي شخصية شهيرة يعرفها الجميع ولا يحملون اتجاهها اي شعور محدد فهناك الإشفاق والإزدراء.. والقسوة والرثاء.. إسمه "نفتالينا" لا يكاد يغادر السجن الا ليعود اليه.. جرائمه من النوع البسيط… تتراوح بين السكر الظاهر والعربدة وبعض السرقات البسيطة.. ونظراً لاقامته الدائمة في السجن فقد كلف بعد اعتقالنا بايام بمهمة توزيع ثياب السجن علينا.. وفي فجر أحد الأيام فوجئنا بالحراس ينادون الجمع .. ونهض الجميع مفزوعين.. وحين تم جمعنا في طوابير وجدنا "نفتالينا" ومعه بعض السجناء وحولهم ثلة من الجنود "يحرسونهم"!! نبه علينا هذا "النفتالينا" بأن يتقدم كل واحد منا فور سماع اسمه لاستلام الملابسوالتوقيع تحت خانة اسمه.. فأجبنا بالسمع والطاعة!! وبدأ تلاوة الأسماء.. وتوالى الإستلام والتوقيع وعندما جاء دور صاحبنا قال "عبد الرحمن البدوي" ولمن لا يعرف اللهجة الليبية فإن الإسم كما نطقه "نفتالينا" يوحي في ليبيا بأن احتمال ان يكون صاحبه أميّاً ربما كان هوالمرجح.. وعندما تقدم الدكتور بدوي بقامته المديدة وجسمه المليء ووقاره المعروف.. فاجأه "نفتالينا" بسؤال عفوي: "هل تعرف توقع اسمك؟" ولك ان تتصور عزيزي القارئ ما ساد الجمع من همهمات!! كان الضحك فيها اقرب للبكاء.. خاصة عندما رد عليه الاستاذ الجليل قائلاً  "أحاول!" لا اظن ان هناك مجالاً للمزيد فقد استحال الدكتور عبد الرحمن بدوي على يد العلامة "نفتالينا" الى امّي لا يقرأ ولا يكتب.. ولتصبح بعد ذلك اعماله الفكرية وروائعه الادبية ودراساته الفلسفية وتحقيقاته وترجماته اوراقاً في "سلة المهملات" بعد ظهور الكتاب الذي قدم حلّاً نهائياً وحاسماً  لكل مشكلات البشرية في الماضي والحاضر والمستقبل  ذلكم هو"الكتاب الأخضر" للعقيد العلامة الذي يعرف كيف يقرأ ويكتب فقط!!!!!

أبوغسان (جمعة أحمد عتيقة)

* نشر المقال لأول مرة بمجلة "الطليعة العربية"، العدد 82، 3 ديسمبر/ كانون الأول 1984. كما تم نشره في كتاب "أوراق ليبية" للدكتور جمعة عتيقة.

لا تعليقات على هذا الموضوع
إستفتاء
هل توافق علي مقترح “القطراني”: مرحلة انتقالية تحت سلطة الجيش بقيادة حفتر؟
نعم
لا
+
إعادة
لمتابعة ليبيا المستقبل
جميع المقالات والأراء التي تنشر في هذا الموقع تعبر عن رأي أصحابها فقط، ولا تعبر بالضرورة عن رأي إدارة الموقع