مقالات

عبد الرزاق الداهش

المرض الهولندي والوجع الليبي

أرشيف الكاتب
2016/06/26 على الساعة 10:21

كل ما نعرفه عن هولندا هو الحليب المكثف، ولاعب الكرة جوهان كرويف، وشركة "فليبس" لإنتاج الأجهزة الكهربائية، وقد يعرف بعض الرومنسيين أنها البلد الأكثر أنتاجا للزهور. أما المرض الهولندي الذي لا صلة له بمنظمة الصحة العالمية فله علاقة وثيقة بحياتنا الاقتصادية.

في مطلع القرن العشرين لم تعد الأسماك فقط في بحر الشمال بعد أن ظهر النفط أيضا، ولكن الهولندي الذي كان هو صيادا وقع هذه المرة في الشباك؟

لقد ربط الهولنديين حياتهم بأول مربوط درجة النفط، وصار المطمور تحت الأرض أكثر نشاطا من الموجود داخل الرأس، وأضحت ربطة العنق وبدلات السهرة هي البديل على عفريتة العمل، واستلطفوا الناس العيش المريح، وراحوا يبتكرون الحيل للحصول على مرتبات العجزة.

كان معدل الكسل الذهني عاليا في بلد أنجب الفيلسوف العقلاني "باروخ سبينوزا"، فالنفط الذي يؤمن مستوى معيشي مرتفع، يمكن أن يكون الفيلسوف الأكبر.

وأمست بقرة "الفرزين" التي تحلب نفطا، أكثر سخاء من الفنان الهولندي "فان جوخ" الذي مازحته امرأة ليهديها أذنه، فقطعها أرنبتها بسكين وسلمها إياها.

ارتفعت قيمة العملة الهولندية مع تدفق العملات الأجنبية على البنك المركزي الهولندي، ولم يبق للمنتوج الهولندي قدرة على المنافسة، لا في السوق الداخلي ولا الخارجي، وانفتحت أفواه البلاد على الاستيراد مع شهية نهمة للاستهلاك.

وصار الهولنديون أكثر تعاليا على الأعمال الشاقة والحرفية، واستعاضوا عن ذلك باستقدام جيش من العمالة الأجنبية، في البناء، والمواصلات، وصالونات الحلاقة، والمطاعم، ناهيك عن النظافة والتدبير المنزلي.

ومع ارتفاع دخل الدول لم تعد الضرائب تشكل أداة لخدمة الاقتصاد القومي، ، وجرى إهمال جبايتها، فالنفط هو "مستر كي" لحل كل الأبواب.

وهكذا ظل الاقتصاد الريعي يوفر دخلا للسكان دون مشاركتهم في الإنتاج، وغاب الإحساس بأهمية القيمة المضافة، وتحولت الموارد من نعمة إلا نقمة.

ووجد الهولنديون أنفسهم أمام حقيقة صعبة، فالريموت بترول الذي يؤمن لهم كل شيء صار معطوبا،والصدفة الجيولوجية أو هبة السماء لم تعد في الأرض.

ولكن الهولندي الذي صنع نصف خارطة هولندا، كان قادرا على أن يعود إلى بقرة "الفرزين" التي تذر له الحليب الأبيض، وإلى ملابس الشغل، وقد حول الخطأ إلى أفضل معلم.

الآن هولندا البلد الثاني في تصدير المواد الغذائية بعد أمريكا، ومن ضمن العشرة دول الأكثر دخلا للفرد في العالم، والشعب الهولندي يصنف من الشعوب الأكثر سعادة.

خرج الهولنديين من مرضهم أكثر عافية، ومازلنا نحن الليبيين نعاني، ولا نملك لا بقرة "فرزين" غير النفط، ولا يشدنا سؤال حائر: (كيف سنكون بدون نفط)؟ رغم أننا نعيش حالة قريبة من كارثة الغد.

لا تعليقات على هذا الموضوع
آخر الأخبار
إستفتاء
هل انت متفائل بان ليبيا ستخرج من ازمتها قريبا؟
نعم
لا
نعم ولكن ليس قريبا
+
إعادة
لمتابعة ليبيا المستقبل
جميع المقالات والأراء التي تنشر في هذا الموقع تعبر عن رأي أصحابها فقط، ولا تعبر بالضرورة عن رأي إدارة الموقع