مقالات

عمر النعاس

الاستحقاق الدستوري... بين مفهوم التفرّغ التام والمقاطعة

أرشيف الكاتب
2016/11/20 على الساعة 13:24

الاستحقاق الدستوري للشعب الليبي... بين مفهوم التفرّغ التام والمقاطعة

أولاً/ التعريف بمفهوم الهيئة التأسيسية:

الهيئة التأسيسية هي أول جسم تأسيسي يتم انتخابه انتخاباً حراً سرياً مباشراً في ليبيا من أجل تحقيق هدف واحد وهو صياغة مشروع دستور يطرح على الشعب للاستفتاء عليه وقول كلمته سواء بالقبول أو الرفض. وهذه الهيئة التأسيسية منشأة بنص دستوري وفقاً للمادة (30) من الإعلان الدستوري الصادر في 3-8-2011 وتعديلاته وتسمّى (الهيئة التأسيسية لصياغة الدستور). ووفقاً لأساليب صناعة الدساتير الحديثة يكون اصدار الدساتير كالآتي: أسلوب الجمعية التأسيسية: الهيئة المنتخبة من الشعب تصدر دستورا دون الاستفتاء عليه وخير مثال على ذلك (المجلس الوطني التأسيسي التونسي) الذي انتخبه الشعب التونسي سنة 2011، وأصدر الدستور سنة 2014 دون أي استفتاء. أسلوب الاستفتاء يكون عادة عندما يتم تعيين (لجنة لصياغة مشروع دستور) وهي لجنة فنية تصيغ مشروع دستور يطرح على الشعب للاستفتاء عليه بأغلبية الأصوات الصحيحة، ومثال ذلك آلية عمل دساتير مصر لسنتي (2012-2014).

ثانياً/ أسلوب صناعة الدستور الليبي:

هو أسلوب فريد من نوعه ودمج بين الأسلوبين، فحيث أن الهيئة منتخبة من الشعب إلا أن الإعلان الدستوري نص على أن يكون عملها مطروحا على الشعب للاستفتاء عليه بأغلبية ثلثي المقترعين. ومن خلال دراسة هذا الأسلوب يتضح أن الشعب مشارك منذ البداية في صناعة دستوره وذلك من خلال: 1/ انتخاب الهيئة التأسيسية. 2/ المشاركة في تقديم المقترحات من خلال جولات التواصل المجتمعي والملتقيات والندوات. 3/ المشاركة في الاستفتاء على مشروع الدستور بـ (نعم  أو لا).

ثالثاً/ القانون رقم 17 لسنة 2013 بشأن انتخاب الهيئة التأسيسية (قانون انتخاب وليس قانون إنشاء):

المادة (46): "تتولّى الهيئة التأسيسية دون غيرها وضع لائحتها الداخلية التي تنظم آلية عملها وذلك خلال مدة أقصاها عشرة أيام من تاريخ أول جلسة لها".

التوضيح: هذا النص القانوني: هو إعلان صريح بأن "الهيئة التأسيسية هي المختصة وحدها دون غيرها بوضع واصدار "لائحة داخلية تنظيمية". ومن خلال هذا النص، يكون للهيئة بموجب اختصاصها الأصيل أن تجري على اللائحة أي تعديلات تراها الهيئة أنها مناسبة وضرورية لإنجاز مهمتها المؤتمنة عليها من الشعب الليبي وذلك في إطار النص الدستوري.

المادة (47): (يكون عمل أعضاء الهيئة التأسيسية على سبيل التفرّغ التام بموجب أحكام هذا القانون ولا يحقّ لهم ممارسة أي نشاط آخر خلال فترة عضويتهم).

التوضيح: هذا النص القانوني: يؤكّد على التفرغ التام، ومفهوم التفرّغ التام يعني العمل الدؤوب المخلص والصادق لإنجاز المهمة الموكلة إلينا من الشعب الليبي، وليس المقاطعة عن بعد والحديث عبر وسائل الإعلام. والعضوية تعني التزام كل  الأعضاء بالتواجد بمقرّ الهيئة التأسيسية، وحضور الجلسات، وإبداء الآراء، وممارسة حقّ التصويت بكامل صوره.

المادة (52): (تنتهي العضوية بالهيئة التأسيسية بأحد الأسباب الآتية: 1/ الوفاة أو المرض الذي يستحيل معه ممارسة العضو لمهامه. 2/ صدور حكم قضائي بات بالإدانة في جريمة مخلة بالشرف أو الأمانة. 3/ استقالة العضو أو اقالته أو عزله. على أن يتولّى شغل المقعد الشاغر المرشح التالي في عدد الأصوات للعضو المنتهية عضويته بدائرته الانتخابية).

التوضيح: هذا النص القانوني: يؤكّد على (انتهاء العضوية تكون بالوفاة، المرض، حكم قضائي بات، استقالة، إقالة أو عزل). وبكل تأكيد: (لا يوجد أي نص في القانون حول المقاطعة أو يتعلّق بها أو يبرّرها)، وهل ظروف البلاد تحتمل المقاطعة. النصوص القانونية تؤكد على العمل والتفرّغ التام من أجل صياغة مشروع الدستور... وليس المقاطعة..!!

التساؤلات هي: ما علاقة التفرّغ التام بالمقاطعة؟ ما هو سبب المقاطعة وبأي سند قانوني وبأي برهان؟ هل انتخب الشعب الليبي ممثليه من أجل مقاطعة الهيئة وتأخير مهمتها؟ هل يجب على الهيئة التأسيسية أن تنتظرهم إلى ما لا نهاية؟ هل علينا أن نقبع في مستنقع الدماء، وحال التهجير والتشريد إلى الأبد بحجة المقاطعة؟… للشعب الليبي أن يحكم... وله كلمة الفصل...!!!

الخلاصة/ من خلال كل ما تم طرحه يمكن استخلاص الآتي:

أولا: ليس هناك أي سند قانوني  ولا حجة ولا برهان لما يسمّى (مقاطعة الهيئة التأسيسية). ولم ينص الإعلان الدستوري الصادر في 3-8-2011 وتعديلاته على أي شيء يتعلق بمقاطعة الأعضاء للهيئة التأسيسية. وكل ما جاء في القانون رقم 17 لسنة 2013 بشأن انتخاب الهيئة التأسيسية هو نص المادة (47) بخصوص التفرغ التام لأعمال الهيئة التأسيسية، ونص المادة (52) بخصوص انتهاء العضوية وهي تكون إما: بــ( الاستقالة أو الإقالة أو العزل أو الوفاة أو المرض...)، على أن يتم انضمام البديل ويشغل المقعد الشاغر وفق الآلية المبيّنة في القانون.

ثانياً: إن المقاطعة التي مارسها بعض الأعضاء كانت قد بدأت منذ شهر نوفمبر 2015. وكانت مصحوبة بشروط يعرفون استحالة قبولها، وهي (سحب مسودة لجنة العمل رقم 2  حتى قبل إقرارها من لجنة العمل). أي سحبها بالرغم من عدم انتهاء لجنة العمل منها وقبل أن تولد،  وقبل إطلاع الهيئة التأسيسية عليها أو مناقشتها أو المداولة بشأنها. وكأنهم يقولون: (أن كل ما ستقوم به الهيئة التأسيسية مستقبلا هو مرفوض منذ الآن...!!!).

ثالثاً: مقاطعة الأعضاء للهيئة التأسيسية كانت قبل خروج مسودة لجنة العمل (رقم 2) وقبل الذهاب إلى عمان.. وقبل إقرار مشروع الدستور بمدينة البيضاء يوم 19-4- 2016 بأغلبية معززة من 37 عضو وعضوة من كل الدوائر الانتخابية في ليبيا.. من الواضح جداً (أنّ المقاطعة هي فقط من أجل المقاطعة.. لا غير..!).

رابعاً: إن إجراءات تعديل اللائحة الداخلية كانت متوافقة تماماً مع النصّ الدستوري، واستنادا إلى المصدر التاريخي بإصدار الجمعية الوطنية التأسيسية للائحتها الداخلية سنة 1950، كما لم يتم مخالفة النصّ القانوني الوارد في المادة(46) والذي ينص على أن تتولّى الهيئة اصدار لائحتها الداخلية التنظيمية. ولم يحدّد القانون أي نصاب أو آلية لإصدار القرار. ودور القضاء الإداري هو تقدير مدى ملاءمة القرار الإداري للقانون. ولا علاقة للقضاء الإداري بالطعون التي تكون فيها مخالفة دستورية، ولا ولاية للقضاء الإداري على الأعمال الدستورية التي تصدرها الهيئة التأسيسية، وتقول المحكمة العليا: (العمل الإداري في عموم لفظه هو عمل من اعمال السلطة التنفيذية) طعن اداري 1/1ق، كما نستند إلى آراء الفقه وأحكام القضاء المقارن في مصر وتونس. وفي كل الأحوال، تم احترام أحكام القضاء وطعن فيها بالنقض أمام العليا.

خامساً: هذا المشروع هو مشروع توافقي ومتوازن ووسطي، ويجمع كل الليبيين والليبيات داخل ليبيا وخارجها على كلمة سواء هي بناء ليبيا الحديثة دولة القانون والحريات والتداول السلمي على السلطة.

سادساً: هذا المشروع الآن هو "ملكا خالصا للشعب الليبي"، ولا يملك أي أحد داخل ليبيا أو خارجها أن يغيّر فيه شيء سواء بالحذف أو الإضافة... لأن هذا الأمر هو اختصاص أصيل للشعب الليبي وهو الذي يقول كلمته في هذا المشروع من خلال الاستفتاء عليه سواء بالقبول به ليكون دستورا نافذا، أو رفضه ليعود مرة أخرى للهيئة التأسيسية لإجراء التعديلات اللازمة وطرحه لاستفتاء الشعب عليه مرة أخرى خلال 30 يوماً كما جاء في النص الدستوري الوارد في التعديل الدستوري السابع (فقرة 12)، وهذا النص يلزم كل السلطات لتمكين الشعب من الاستفتاء.

سابعاً: الهيئة التأسيسية أنجزت مشروع الدستور التوافقي وأقرّته يوم 19 أبريل 2016 بمقرِّ الهيئة التأسيسية بمدينة البيضاء العريقة، وذلك بأغلبية معزّزة من أعضاء يمثلون كل الدوائر الانتخابية في ليبيا. وقامت الهيئة التأسيسية يوم 26 أبريل 2016 بإخطار مجلس النواب ليتحمل مسؤولياته ويصدر قانون الاستفتاء وجوباً وفقاً للنص الدستوري الوارد في  (الفقرة 12) من التعديل الدستوري السابع الصادر في 11 مارس 2014م، ويقول النص الدستوري: (بمجرد انتهاء الهيئة التأسيسية من صياغة مشروع الدستور يطرح مشروع الدستور للاستفتاء عليه بنعم أو لا خلال ثلاثين يوماً من تاريخ اعتماده). هذا النص يوجب على السلطة التشريعية تمكين الشعب الليبي من الاستفتاء على مشروع الدستور بعد اعتماده من الهيئة التأسيسية، ولا خيار أمام السلطة التشريعية إلا الخضوع لإرادة الشعب وتنفيذها.

ثامناً: ليس هناك علاقة بين انتهاء الهيئة التأسيسية من صياغة مشروع الدستور واصدار قانون الاستفتاء، لأن استفتاء الشعب على مشروع الدستور هو أمر محسوم ولا مناصّ منه، ومن الواجب أن يكون قانون الاستفتاء جاهزا، وأن تكون المفوضية الوطنية العليا للانتخابات جاهزة ليتم طرح المشروع للاستفتاء خلال 30 يوماً من إخطار الهيئة لمجلس النواب بإقرارها لمشروع الدستور وذلك تقيُّداً والتزاما بالنص الدستوري الوارد في التعديل السابع (فقرة 12)، وإلّا عُدّ ذلك مخالفة دستورية صريحة وخرقاً للإعلان الدستوري. ويجب على مجلس النواب تحمّل مسؤولياته أمام الشعب واصدار قانون الاستفتاء في أسرع وقت لتمكين الشعب الليبي من ممارسة حقّه الدستوري وتقرير مصيره من خلال الاستفتاء على مشروع الدستور وقول كلمته الفاصلة إما بــ (نعم)  أو بــ (لا).

حفظ الله ليبيا... حفظ الله الشعب.

أ. عمر النعاس
عضو الهيئة التأسيسية
19  نوفمبر 2016

عمر النعاس | 22/11/2016 على الساعة 10:50
استفسار
أ/ محمد اسماعيل... السلام عليكم أرجو إفادتي بما قال القضاء العادل؟ وما هي النصوص الواردة في أحكام القضاء؟ لك التحية والاحترام والشكر
محمد اسماعيل | 21/11/2016 على الساعة 06:37
مواطن
ما هي اسباب المشكلة ولماذا لم يتم علاجها ولقد قال القضاء العادل كلمته
Ghoma | 20/11/2016 على الساعة 16:47
Lawyers Supposed to Study Logic Not Just Argue Without One
You can argue about these lawyerly details to infinitum without making your point any clearer. The fact of the matter is these 60 individuals have let down their constituencies and the country at large by not being able to take their duties seriously at heart. Between bickering and scavenging from near and far others' constitutions, the result is an eclectic collection of what-have-you, only a brain-dead country would accept. To speak of this "kashkool" as a proud property of the Libyan people and an achievement that has to be accepted lock, stock, and barrel is again to miss the whole point of "writing a draft!" As long as it's still in the making:as a draft, a project, a proposal, etc. it's open to changes and modifications, etc. until the day it's judged to be "perfect" for the Libyans to cast their last words of yea and nay! What a disappointment! A chosen-60 couldn't run themselves and agree on their role and function? And what a country this Libya is to have produced such a medle
آخر الأخبار
جميع المقالات والأراء التي تنشر في هذا الموقع تعبر عن رأي أصحابها فقط، ولا تعبر بالضرورة عن رأي إدارة الموقع