مقالات

د. الصديق بشير نصر

وداعاً... شيخَنا الهاشميّ

أرشيف الكاتب
2016/06/26 على الساعة 10:19

وداعاً... شيخَنا الهاشميّ

(أيدري الذي ينعاك من ذا الذي  ينْعَى ...  وأيّ  لهيبٍ يودّعُ  القلبَ والسّمعَا)
(فيا   عينُ   جُودي  وانزفي  كلَّ مدمعٍ ...  وجودي بإنسانيك إن عَدِمَا الدّمعا)
(لقد  هدّت الأيــــــــّامُ  ركناً  مـــن  التُّقى ... وأقذينَ  عيناً  تَكْلأُ  المجدَ والشّرعا)

(كلمة تأبين في فقيد التعليم الأستاذ المربي الهاشمي حسين الذويب الغرياني)

وداعاً أيها الشيخُ الحبيب...

عِشتَ في صمتٍ، وفي صمتٍ تغادرنا.. وغيرُك يملأ الدنيا صخباً، وضجيجاً، وعويلا.. وصمتُك كصمت الراسيات شموخاً وعزّةً، يحكي كلاماً وإن لم ينطِق. وضجيجُ غيرك كقرع الطبول الجوفاء. وما جانبَ ابنُ الروميُّ الحقَّ إذ قال في هذه النابتة التي ابتلينا بها من أهل الشقاق وممن مَردوا على النفاق: وجوههم للوري عظاتٌ ... لكن أقفاءهم طبولُ...

فيك من سمتِ الصالحين والعارفين ما تُغبط عليه، ففيك من عفّةِ اللسان وطهرِ القلب ما أبعدك عن جلافة الرّعاع، وغِلظة المتعالمين والمتمشيخين وإن تلبّسوا بلبوس أهل العلم رياءً وتزلّفاً. ما عَهِدْنا فيك سلاطَةَ لسانٍ، ولا هَدْراً، ولا تكلّفاً، ولا مباهاةً، ولا غُلوّاً، حتى لكأن الشاعرَ قال فيك ما قال في ممدوحه قديماً:

يُغضي حياءً ويُغْضَى من مهابته... فما يُكَلّمُ إلّا حين يبتسمُ.. أيهاذا السيّد الكريم.. يا معلّم الأجيال.. أيبكيك دمعي أم  يرثيك لساني.. وقد طار عقلي وغاب جَناني... فتلاميذك، اليوم، أيتامٌ وإن شابت نواصيهم، ينتحبون كالثكالى، فلا تجدنّ فيهم عصيّ الدمعِ، ولا مشتاقاً إلا وقد أذاع سرَّ محبته لك، وأفصح عن مكنون فؤاده. (ولما رحلتُم والندى في أكفكم... وقُلْقِلَ رضوى منكم وثبيرُ)... (رفعتُ لساني بالقيامة قد دَنَت... فهذي الجبالُ الراسياتُ تطيرُ)...

يا شيخَنا الحبيب...

صوتُك الرخيمُ فوق المنابر يهزّها، وعلومُك في فصول الدرس تنتشي بها العقول والأفئدة.. أبداً لا ينساك من أَلِفَك وتربى على يديك، وترعرع في رياض مدرستك، وتنسّم أزاهيرَ أدبك. ولن ينسى أحدٌ تواضُعَكَ، وفَرْطَ سماحتِك، وكأنني أتمثّل  فيك، كلما لاحت صورتُك في خاطري، قولَ عمر بن الخطاب رضي الله عنه: "إنّ هذا الأمرَ لا يُصلِحه إلا لينٌ في غير ضعفٍ، وشدّة في غير عُنف". يهابك التلاميذ لا خوفاً ولا جزعاً، ولكن مهابةً وتعظيماً، ويوقّرك الأساتيذُ عرفاناً وتكريما.

فأنت الهاشميُّ بحقٍّ وإن لم تنتسب، ونَسَبُكَ الحقيقيُّ إلى الدوحة الشريفة دفاعُك عن محمد  وعن الإسلام، وذبُّك عن العقيدة، وتعليمُك الأجيالَ مكارمَ الأخلاقِ وأسمى الفضائل النبيلة.

يا شيخَنا الحبيبَ...

كم شوقٍ إلى رؤيتك هزّني، وكم  سرورٍ انتابني لما سمعتُ صوتَك الرّخيمَ عبر الأثير وأنا في ديار الاغتراب، وتطمئنني عن حالك في سكينة لم أعهدها إلا في أمثالك  وقد أخذ هادمُ اللذات ومنغّصُ الشهوات يغازلُ روحَك، وأنشبت المنيّةُ فيك أظفارها، وأنت كما أنت سُموٌّ في الروح، وجَلَدٌ على السّقام وكأنما قُدّ قلبُك من الصخر. وما تفسير ذلك عندي إلا لفرط ثقتك بالله الرحمن الرحيم، وأنّك مُقبِلٌ على كرمه وعدله  وإحسانه  إن شاء الله...

رحم الله أستاذَنا رحمةً واسعة، فقد كان ذا مروءة، رفيقاً بأهله، بَرّاً بإخوانه، لا يعدِمُ أحدٌ فضلَ إحسانه، لرقّةِ شعورِه وفَرْطِ حنانه...

ستبكيك (غريان) مدينتُك الجميلة، ويشتاقُ إليك زيتونُها وكرومُها، وتحزن عليك وِديانها وآكامها، وتنتحبك بلابِلُها وحساسينُها، ويتأسى لفراقِك مسجَدُها العتيق فلا يجد ما يأسوه، وتلتاع لهول فراقك مدرستُها بجدرانها وفصولها ومقاعدِها، فلا يهدئ من روعها إلا أولئك التلاميذ الذين زرعتهم نباتاً طيّباً فيها. امضِ إلى بارئك أيها الحبيبُ، أيا حمامةَ المسجدِ،  وطوبى لك اللقاء بالأحبة والصفوة والخلان من أهل التُّقى في جنات الفردوس نُزُلا، تتفيأون  ظلالها عند سدرة المنتهى.

د. الصديق بشير نصر
باريس في 25/6/2016

لا تعليقات على هذا الموضوع
آخر الأخبار
إستفتاء
هل توافق علي مقترح “القطراني”: مرحلة انتقالية تحت سلطة الجيش بقيادة حفتر؟
نعم
لا
+
إعادة
لمتابعة ليبيا المستقبل
جميع المقالات والأراء التي تنشر في هذا الموقع تعبر عن رأي أصحابها فقط، ولا تعبر بالضرورة عن رأي إدارة الموقع