مقالات

علي المقرحي

عرض لملف العدد التاسع من “عراجين" (7)

أرشيف الكاتب
2016/11/19 على الساعة 13:30

(الجذور التاريخية للمسألة الليبية)

د. فوزية بريون

في ورقتها هذه تنحو الدكتورة فوزية بريون نحواً يتميز بتركيزه البحث على ما يتجاوز السياسي إلى الجذور التي جاء عنها راهن المسألة الليبية بما يعتوره من مآزم وإشكاليات وذلك في الأرضية الثقافية والإجتماعية التي نبتت فيها تلك الجذور، لتخلص إلى رؤية للحلول امنايبة التي توافق نحوها هذا، وتنبني عليه، فهي تقرر منذ مفتتح ورقتها حقيقة كونه.

من المزعج  وبعد خمس سنوات من شرارة فبراير، أن تقف بلادنا على شف الإنهيار الكلي، بعد سلسلة من الإنهيارات الجزئية على الصعيد السياسي والإقتصادي والإداري والإجتماعي، بل والأخلاقي... وبالنسبة إلى كثيرين تبدو الأزمة الليبية سياسيةً في المقام الأول، استناداً إلى قائمة الأخطاء التي ارتكبتها أجهزة تسيير البلاد منذ فبراير، بدأاً من المجلس الإنتقالي وهيئته التنفيذية، مروراً بالحكومات الشرعية والسلطتين التشريعيتين، المؤتمر والبرلمان، وصولاً إلى الحكومة التي سطت على السلطةوأحيت المؤتمر بعد موته، لتنفرد بالعاصمة ومؤسساتها في أسوإ  عملية ابتزاز سياسي، في الوقت الذي تتنازع فيه الوطن سيناريوهات خطيرة وتتكالب عليه قوىً شرسة، داخلية متصارعة، وخارجية مجاورة وبعيدة، تغريها حالة الفوضى والإنقسام التي انتجت بيئة جاذبة للمنظمات الإجرامية المحلية والإقليمية والدولية، لعل أخطرها تنظيم داعش.

والنظر إلى أزمتنا الراهنة بمنظار السياسة يعود إلى حقيقة أن السياسة، كانت وما زالت، العامل الأقوى في تحديد تضاريس الثقافة والإقتصاد والإجتماع، بل وفي توجيه مسار المعرفة، ومنظومة القيم ورموز المجتمع، وليس هذا سمة خاصة بليبيا، وإنما هو سمة مجتمعات العالم الثالث عامة، ولذلك فإن مختلف تفاصيل المشهد الليبي توحي بأن مشكلتنا ف الأصل سياسية، وأن جميع مظاهرها قد تولدت عن الفراغ السياسي الذي أحدثه انهيار نظام بوليسي عتيد، وهي الفكرة التي يعمل على تكريسها عشرات "المحللين السياسيين" و"الخبراء" الذين أفرزتهم الأزمة، والذين برهنوا على أنهم يفتقدون الثقافة السياسية، ومنهجيات التحليل وأدواته.

تعمد هذه الورقة مخالفة هذا الطرح السائد، لتنطلق من فرضية أن أصل أزمتنا البعيد يعود إلى الثقافة في المقام الأول، وأن منظومتنا الثقافية ونظمنا الإجتماعية، هي الت أنتجت النظام السياسي الذي نال منا على مدى إكثر من أربعة عقود، أو على أحسن الفروض سمحت بإنتاجه، ورعته وأسهمت فيه، إذ لا مجال للشك في أن هناك علاقة وثيقة بين السياسة والثقافة، وأنهما تتبادلان التأثير والتأثر.

وتجدر الإشارة هنا إلى أن مفهوم الثقافة المطروح، إنما يقصد به معناه الأنثروبولوجي لا معناه المعرفي، إذ يُنظَرُ إلى الثقافة هنا باعتبارها إطاراً للتربية والسلوك، لا مساراً للتعليم والمعرفة، ذلك أن هذا المسار، أي التعليمي يتحدد بعمليات إدراك الحقائق وربط المفاهيم، بينما يتحدد ذلك الإطار، أي السلوكي التربوي، بما يُدخله الفرد من مكتسباته المعرفية في حياته العامة وسلوكه اليومي، فإذا نظرنا إلى العلم باعتباره عملية تحليلية تصنيفية لحقائق الحياة والكون، فإن الثقافة بالمقابل، التي نرى أنها تشكل جذور أزمتنا الحالية، ليست علماً يُكْتَسَب، وإنما هي "مجموعة من الصفات الخلقية والقيم الإجتماعية التي يتلقاها الفرد منذ ولادته، كرأسمال أَوَلي من الوسط الذي يولد فيه، والثقافة بذلك هي المحيط الذي يشكل فيه الفرد طٍبَاعَهُ وشخصيتَه" وكما يؤكد برهان غليون، فإن الثقافة ليست فيالحقيقة إلّا المجتمع نفسه وهو في حالة وعي، وعي بذاته وبأجزائها وبمظاهرها المختلفة السياسية والإقتصادية.

وبناءاً على اعتبار أن الثقافة هي أصل أزمتنا، فإن تصور إصلاح الوضع الليبي عن طريق تنفيذ حزمة من الخطط السياسية التي تمكن من من بناء دولة عصرية تقوم على أركان الدستور والتمثيل النيابي والفصل بين السلطات، وعلى مبادئ الديموقراطية المختلفة، من ترسيخ قيم المواطنة وحرية الرأي وإنشاء الأحزاب ومؤسسات المجتمع المدني.. إلى آخر القائمة، دون أن يسبق هذا أو يتزامن معه مراجعة ومعالجة وتنقية منظومتنا الثقافية، وإصلاح منطلقاتنا الذِهنية والمفاهيمية والسلوكية فإن خططنا السياسية ستتعرض للعرقلة والنكوص، وربما تبقى مجرد صورة رُكِّبَت بطريقة القطع من تجارب الآخرين، واللصق على صفحة الواقع المأزوم، دون انتباهٍ إلى حقيقةِ أن أي إصلاح سياسي أو دستوري، وأن أي نهوض تنموي إنما يستدعي تهيئة البنى التحتية الكفيلة باستثارة الدوافع وتوفير المبررات النفسية والعقلية المجتمعية، التي هي شروط إنجاح المخططات السياسية المنشودة.

وإذا حاولنا تشخيص حالتنا الراهنة للبحث عن الجذور الثقافية الراسخة التي أسهمت في تعقيد المرحلة الإنتقالية وتمديدها، فلا بد من لفت النظر إلى أن الأسباب الظاهرة في هذا التشخيص قد تبدو لنا ملتبسة بأوصاف السياسة وخططها ودهاليزها المظلمة، غير أن الأسباب الخفية الفاعلة هي تلك التي تتخلق داخل منظومة الثقافة وأنساقها، وفي حُزمةِ القيم وطريقة الفهم ومنهج التفكير ومظهر السلوك والفعل، وهي في الحقيقة الأكثر تأثيراً في تحديد الظروف والمراحل التي يمر بها المجتمع، وفي نوع المصاعب التي يعانيها، لأن منظومة الثقافة إمّا أن تكون ديناميكية قابلة للإيجابيات مقاوِمةً للسلبيات، وإما أن تكون عكس ذلك، خاملة ضعيفة، قابلة للإستجابات السالبة المستثارة فيها تحت أبط الضغوط.

وتسليطاً للضؤ على أكثر العوامل تأثيراً في منظومتنا الثقافية التي أنتجت لنا هذا الواقع المتأزِم، بعد خمس سنوات من اتخاذ قرار التغيير وإزاحة النظام الفاسد، تبرز أمامنا العوامل التالية:

أولاً / الإستبداد:

لقد شوّه الإستبداد نفسية ووجدان الإنسان الليبي وبنيته الذهنية ومحاكماته العقلية عبر عصور تاريخية طويلة، فلقد عانى شعبُنا خلال تاريخه القديم من الفقر وقلة الموارد وشُحّ الطبيعة وتصحر اللأرض وانفصال الفئة الحاكمة عن عامة الشعب، وتعسف الدولة المركزية، ولقد أو جد ذلك في النفوس ما يمكننا تسميته "بالقابلية للإستبداد" (استعارة للمفهوم البنائي "القابلية للإستعمار") حيث أدت كل تلك العوامل إلى إضعاف المجتمع وضعفه أمام التحديات، وخوفه من العواقب المجهولة وتوخِّيِهِ للسلامة، ولا غرابة في هذا، فأمثاتنا الشعبية تزخر بما يشجع على ذلك ويكرسه، أما بالنسبة للعقود الأربعة الأخيرة التي عاصرها جيلي والجيلان من قبله ومن بعده، فلقد أناخ الإستبداد بكلكله علينا منذ بداية العقد السابع من القرن الماضي، وتأكد لنا بأنه كما ذكر الكواكبي "داء أشد وطأة من الوباء، وأكثر هولاً من الحريق، وأعظم تخريباً من السيل، وأذل للنفوس من السؤال"، ذلك أنه لا يستهدف الحكم والسلطة والثروات فحسب، ولكنه يُحدَث كذلك تشوهات نفسية وعقلية يصعب علاجها ويطول بقاؤها، وقد كان رأس النظام من الدهاء بحيث أعد وخطط ونفذ وأشرف على تأسيس ثقافة الإستبداد والقهر والفوضى التي تُشوَّه الإنسان في فكره وضميره ووجدانه وأخلاقه، وفي نظرته لذاته ولغيره وللعالم والحياة، حيث وضع البرامج المدروسة الممنهجة والآليات النافذة الهادفة إلى إعادة تشكيل عقلية الإنسان، ووضع شخصيته في قالب يمَكّن المستبد من التحكم في أفعاله وردود أفعاله وسلوكه، بل وفي أذواقه وعاداته وحاجاته، ووشائجه التي تربطه بمن حوله، ولم تكن وسائله إلى ذلك إلّا شعارات سياسية، وخططاً اقتصادية وإعلامية، واستراتيجيات إجتماعية ونفسية، استطاعت أن تُحْدِثَ ما أحدثته من تغيرات ذهنية ونفسية، عبر عمليات التدجين والتطويع، وخطط التجويع، وسلب الأملاك والأموال والحريات، وممارسة التخويف والتهديد والسجن والتغييب... وغير ذلك من وسائل إحداث أبشع التشوهات، التي تجعل من شعب مجرد قطيع، حدث كل ذلك فأسهم في تقوية "القابلية للإستبداد" الكامنة في عقلنا الجمعي.

ولذلك، فبالرغم من قضائنا على المستبد، ورقصنا على جثته بطريقة سادية (فإنه مازال على مدى هذه السنين الخمس، معششاً في تلافيف عقولنا، ودهاليز لا وعينا، وما زال يحكمنا وهو في حفرته، منذ أن صارت الضحية تتماهى مع جلادها) فتقوم بنفس الممارسات التي كانت ترفضها منه وتدينها، من فساد وإفساد، ومن تآمر وخداع وخروج على القانون، بل ومن "زحفٍ وتصعيدِ وتطهيرِ" وإن أخذت مسميات جديدة، مثل الإعتصام، والوقفة الإحتجاجية، ومن شوق قديم دفين إلى امتلاك الثروة، وافتكاك السلطة، والإستحواذ على السلاح، ولا غرابة في أن تمتد هذه الممارسات لتشمل كل ما كان يقوم به الجلاد من خطف واغتيال للمعارضين وتفجير لبيوتهم ... وهكذا تتلبس روح الجلاد ضحيتها وتتبادل معها المهام، وتنقلها إلى نفس موقعها لتتعامل بنفس منطقها، فإذا استمرأت الضحية الدور تفوقت على جلادها، وإذا تمكنت من جلادها نفسه، فإنها لا تكتفي بأن تفعل به ما فعل هو بها، تتجاوزه لتفعل بتلقاسم المشترك بينهما، الذي هو في هذه الحالة الوطن، مثل ما فعل الجلاد به، وفي غمار هذا الوضع المتردي من الإنحلال الإجتماعي والأخلاقي تفقد النشاطات الفردية والفعاليات الإجتماعية مبرراتها، وعندما تفقد الحياة كل معنى والنشاطات كل قيمة، لا يرى الأفراد تحقيق ذواتهم في هذه المهنة ولا في هذا النشاط، ولكن فقط في التوحد والتماهي مع السلطة، وفي طلب السلطة، وفي الصراع للوصول إلى أعلى قمة فيها، تصبح السلطة والتسلط هما القيم الوحيدة الممكنة، ويولد لدى كل فرد وفي روحه (متسلط صغير)، وهكذا يعاد انتاج الإستبداد، ويصبح ثقافة مترسخة، وبؤرة جامعة لجميع الخصائص السلبية الفردية والجماعية، ويفقد المجتمع مناعته ضد الإنحدار والإنهيار.

ثانياً / سؤال الهوية:

يمكن تعريف الهوية بأنها، التصور العقلي والنفسي والوجداني للذات الجماعية في تفاصيل الزمان والمكان، وهي مرجعية جامعة للفرد في إطار الجماعة، وللجماعة في تنوع سمات أفرادها، فهوية الشئ هي ماهيته، أي ما يكون به الشئ مطابقاً لذاته متميزاً عن غيره، وتشمل الهوية عدة مستويات، بعضها جوهري ثابت، وبعضها الآخر عرضي متغير، وهي بهذا المعنى نسق من الموروثات الحضارية ومن الأسئلة والأجوبة المتعلقة بالكون والسلوك الإنساني ومن المعايير الأخلاقية والعقائد الدينية... وهي كذلك مجموع التراث الثقافي والحضاري الذي ترثه جماعة عن ماضيها مما يساهم في تشكيل كيانها، وهناك أنواع متداخلة من الهويات: فردية للأشخاص، وعرقية للجماعات الإثنية، وإقليمية (مدن، أرياف، صحارى، واحات) وجهوية (شرق، غرب، جنوب، شمال) وثقافية (حسب القيم والعادات والممارسات السلوكية) لكن الهوية الجامعة التي تنصهر في بوتقتها كل الهويات هي (الهوية الوطنية) ولذلك تحتاج هوية الجماعة إلى بقعة جغرافية تكون مركز انتماء، ومسرح تاريخ وبؤرة تجارب مشتركة، لهذا فإن الهويات تتبلور في السياق المعاصر، على أرض الوطن الأم، ثم في إطار الأمة الأكبر، وقد تمتد بتشابكاتها بدرجة أقل إلى تخوم الإنسانية الأرحب لتثري أبعاد هويتها فكرياً وفلسفياً، وقد طُرِحَت في ستينيات القرن الماضي دعوة ذات علاقة بمسألة الهوية هي الدعوة إلى (الشخصية الليبية) التي أطلقها رئيس الوزراء الشاب (عبدالحميد البكوش) في خطاب عامٍّ يوم 21 نوفمبر 1967م، والتي تهدف إلى تعزيز مستوى رئيسي من مستويات الهوية الليبية، وهو مستوى الإنتماء الوطني، وجعله زاوية النظر الأولى للذات الفردية والجماعية، بإعتباره بؤرة التراكم التاريخي لكل الليبيين، كانت فكرة بسيطة وواضحة ومباشرة، تهدف إلى جعل الوطن يحتل مكانه الأول في وجدان كل ليبي وضميره، وكانت مجردة من التسويق الأيديولوجي الذي كان يصبغ تلك المرحلة، ومع ذلك فقد انبرى أصحاب المد القومي ،الذي أحبطته هزيمة 67م، لمحاربة هذه الفكرة، واتهامها بأنها دعوة عصبية انعزالية إقليمية، تنكفئ بليبيا على نفسها، وأنها على أحسن الفروض " كلمة حق يراد بها باطل " ولذا وجه زملاء البكوش من المثقفين القوميين عموماً والناصريين خصوصاً، حملاتهم ضد هذه الدعوة، وضد الجانب التعليمي الذي تزامن معها، لكن إمد تلك الحملات لم يطل، إذ شهدت البلاد إنقلاب سبتمبر، وبدأت مشاهد النكبة الليبية تترى، وتتوالد، ولم يفقد صاحب الدعوة إيمانه بجدوى فكرته، خاصة وهو يتابع من منفاه تفاصيل إنهيار الوطن، الذي وُلِدَ على يد الأجداد من رحم الجهاد والفداء والمكابدة، فأراد أن يستدعيها إلى ذاكرة الليبيين، وأن يقدمها من جديد علها تضيف بُعداً مهماً إلى رؤى المعارضة التي ازدهرت في الخارج في ثمانينيات وتسعينيات القرن الماضي، فكتب في عام 1996م مقالاً أرسله إلى مجلة "شؤون ليبية" الصادرة في المنفى، بعنوان "الشخصية الليبية" لخص فيه الفكرة الأساسية التي هي عبارة عن تعزيز ( الإنتماء الحق لليبيا البشر وليبيا المكان)، فقد لمس في الستينيات عدم وعي الليبيين بتاريخهم، وعدم انشغالهم بقضايا وطنهم والإنخراط في تطوير مستقبله ومستقبلهم، فقام آنذاك بطرح هذه الدعوة إنطلاقاً من حقيقةِ "أن الليبي لن يستطيع المساهمة في بناء أمةٍ عربيةٍ أفضل، إلّا بعد أن يفرغ من إنجاز وطن ليبي أفضل وأقدر"  رادّاً على معارضيه القدامى بقوله "إن حصر الإنتماء إلى الأمة وإنكار الشخصية الوطنية هو تشتيت لفكرة الالإنتماء، وهو يشبه التركيز على الإهتمام بالوطن والدولة، وإغفال المنطقة والمدينة والأسرة" مؤكداً على "أن الإنتماء للأمة أمر أوسع من أن تتحرك فيه إرادات الأفراد، بل الطريق إلى الأمة يمر بالوطن، فلن تقدر على فعل شئٍ للأمة العربية إذا لم تفعل كل شئٍ من أجل أجزائها”.

لكن هجمة الإستبداد الشرسة التي بدأت في 69، كانت قد تسلمت المشهد، وكان أول ماعبثت به وأفرغته من محتواه، هو الهوية الوطنية والشخصية الليبية، وجماع الخيوط التي ينتسج بها الكيان الليبي الوليد، وسيكون من باب الإطناب والتزيد في الكلام، التعرض لتفاصيل ذلك، فلنكتفِ بالإشارة إلى العوامل التالية:

القطيعة شبه الكاملة بين الشعب وتاريخه الحقيقي، حيث تعرض ذلك التاريخ إلى التجزئة والتشويه والتزوير، لاعتداء الطاغية على رموزه وتحطيم آثاره وتزوير مفاصله .

النيل من مقدسات الليبيين العقدية، بتجرؤه على الطعن في الدين وتحريف القرآن وتفسيره على هواه، مع إنكار السنة النبوية وتغيير التقويم الهجري، وتكذيب المعراج وسُنّة زيارة المسجد النبوي، كما أنه وصف الكعبة بأنها "آخر صنم مازال قائماً من الأصنام" والقائمة طويلة .

التبشير بالعروبة والوحدة العربية، ورفع شعاراتها والبذل في تسويقها، ثم الرِّدة عنها والتعريض بالعرب ونعتهم بأحقر النعوت، وإهانة الرؤساء العرب والجامعة العربية، وتحقير كل ما هو عربي، والتحول بعدها نحو الإفريقية، ثم العالمية، عن طريق توسيع منظمات "أصدقاء الكتاب الأخضر" المنزرعة في العالم .

الإدعاء بأن "القرآن شريعة المجتمع" في حين أنه قد تبنى شريعة الغاب، بفرضه "الكتاب الأخضر" و "النظرية العالمية الثالثة" وتسخير الأموال والعقول والأقلام للدعاية لذلك.

جعل المجتمع الليبي حقل تجارب، وذلك بتدخله في كل أمر، وفرض آراءه التجريبية في التعليم والثقافة والسياسة والإقتصاد والإعلام، وجميع مناحي الحياة، وهي تجارب متغيرة متقلبة خاضعة لشخصية سيكوباثية متسلطة، ومما لاشك فيه أن أكثر تلك التجارب ضرراً بالهوية، هي تلك المتعلقة بالتعليم الذي وُسمت مخرجاته بالضعف الشديد في المستويات الدنيا والعليا على السواء.

إلغاء إسم "ليبيا" العريق، المحفور في وجدان أجيال ممتدة، واستبداله باسم مركب ثقيل هو "الجماهيرية العربية الليبية الشعبية الإشتراكية العظمى" والذي يتم اختزاله بعد ذلك بكلمة "الجماهيرية" وقد أسهم ذلك في إضعاف الهوية الموحدة لدرجة لم يعد الشباب معها يشعرون بأنهم ليبيون.

تصفية الطبقة المتوسطة بقرارات (البيت لساكنه، شركاء لا أجراء،تأميم التجارة) ومنع التمثيل النيابي والنشاطات السياسية الأخرى (من تحزب خان، التمثيل تدجيل، اللجان في كل مكان) وإلغاء القوانين، وإعلان الثورة الثقافية، وتأميم الصحافة الخاصة، ومهاجمة المكتبات وحرق الكتب التراثية في الميدان، ثم منع تعلم اللغات الأجنبية.

منع الأقليات العرقية من ممارسة عاداتها وتقاليدها الخاصة، وحرمانها من التسمي بأسمائها وتدريس لغتها وإقامة احتفالاتها التراثية، وذلك عملاً على صهرهم في "المجتمع الجماهيري".

تجفيف منابع الثقافة والفكر والتوعية والإبتكار، بإلغاء الأنشطة المدنية الحديثة كالمكتبات العامة والمسرح والسينما، والفنون الراقية التي من شأنها تنمية الذوق وشحذ الطاقات وإطلاق المواهب، وكذلك منع دخول الصحف والمجلات، وقصر استيراد الكتب على مؤسسة رقابية واحدة تابعة للنظام، وأدى ذلك كله إلى أن تُحرم الأجيال من تلقي دروس في الأدب الليبي، أو الفنون الليبية، أو التراث العلمي، أو عن أبطال التاريخ والأدباء والشعراء، وغيرها من وسائل تغذية الهوية .

إستشراء الفساد السياسي والإداري، وتمكين وتفضيل أفراد "اللجان الثورية" وإظهارهم بمظهر الصفوة في المجتمع، وجعلهم قدوة للشباب المحروم من المزايا المالية والمعنوية، وذلك بغية استقطابهم وتجنيدهم لخدمة أغراض النظام  وتوريطهم في ممارسات لا تُرضي الضمير الحي.

كل ذلك وغيره الكثير، أضر حتماً بالعناصر الفاعلة في الهوية الليبية، فأصبح الليبيون مشوشي التفكير، موزعي التوجهات متناقضي الإنتماءات، وصارت صورة ذاتهم الجماعية ملتبسة عليهم وعلى غيرهم، وقد استمر الحال خلال السنوات الخمس الأخيرة، بل أن الممارسات السيئة التي تؤتى جهاراً نهاراً، مما ينكره الدين والعرف والأخلاق، دون أن يكون رادع يوقفها، أو قانون يعاقب عليها، لتوحي للشباب والصغار بضعف المجتمع الذي تُستًَمَد منه الهوية.

ثالثاً / القبلية:

تعتبر القبيلة من أقدم أنواع التجمع البشري، ذات الوظائف الضامنة لتحقق الإمن المجتمعي، وحل النزاعات، وهي مؤسسة تقوم على روابط الدم والقربى، كما على غير ذلك من الإرتباط التوافقي التعاقدي، ومعروف أن القبيلة عماد المجتمع الليبي، بما كان لها من دور إيجابي في مراحل التاريخ المختلفة، وعلى الخصوص في مواجهة المستعمر الفاشي، وتنظيم صفوف المقاومة وحروب التحرير، أما القبلية التي نشير إليها هنا، فهي نزعة براغماتية، تهدف إلى تغليب مصلحة القبيلة وتمكينها في مضمار السياسة والإقتصاد، والدخول في اللعبة السياسية ودواليب إدارة الدولة بقيم القبيلة واستراتيجياتها، في تحقيق الغلبة، الوصول إلى الغنيمة، وخدمة مصالح القبيلة ومحاباتها والتمكين لها، وذلك على حساب قواعد العمل السياسي التي تزكي الكفاءة والقدرة الإدارية، وتقوم على مبادئ الدولة المدنية الحديثة المبنية على قيم المواطَنة والمشاركة والمقدرة، بغض النظر عن الإنتماء القبلي، ولا يخفى على الدارس حقيقة أن القبائل كانت تبحث تاريخياً عن دور سياسي تعهد به إليها السلطة المركزية.

وفي الحقبة الأخيرة عمل القذافي في بداية حكمه على كبح جماح القبيلة، وعدم الإعتراف بها، وخاصة في فترة حماسه القومي وحتى أواخر السبعينيات، ثم ما لبث أن انتبه إلى خطورتها وثقلها، فإحياها ولعب على نعراتها العصبية، وثاراتها الداخلية، وشجع تناقضاتها، موظفاً كل ذلك في ترسيخ نظامه، مشترياً ولاءاتها بالإغراءات المادية والمناصب العسكرية والسياسية والإدارية، ومعتمداً على رموزها في ترتيب الشؤون الأمنية على تخوم الجيران العرب والأفارقة، بل أنه أنشأ للقبائل كياناً رسمياً يوهمها فيه بالمشاركة السياسية فتأسست "القيادات الشعبية الإجتماعية" لتكون هيئة جامعة للقبائل بمختلف أصولها، وذلك من أجل متابعتها والتحكم فيها وتجنيدها لصالح نظامه.

وقد سبق كل ذلك ترسيخ مشروع (بَدْوَنَةِ) الحياة عامة والسياسية خاصة، تكريساً لشعاره في انتصار الخيمة على القصر، حيث ساعدت القبيلة في تهيئة الأرضية المناسبة لتلك البدونةِ، وساعدت النظام السياسي في فرضها، وتحويلها إلى نمط عيش، وصارت القبائل في "الجماهيرية" تدير وتدار عبر "مؤتمر الشعب العام" وأصبح أبناؤها قيادات "اللجان الثورية" و "مكاتب الإتصال الخارجي" وقامت بجهودهم الحثيثة الأنشطة المختلفة العاملة على تسويق النظام وتثبيته، وصار الفرد الفاعل داخل تلك الأجهزة، لت يعبر فقط عن هويته الفردية، وإنما عن مرجعيته القبلية، مبرهناً عن ارتباطه بجغرافية القبيلة أكثر من ارتباطه بالوطن، وهو ما أسهم في تقويض الدولة وتخلف المجتمع، وعدم تحقق تحديث البلاد، العائد إلى أن "أزمة العقل القبلي أنه لا يمكنه أن يكون قبلياً ووطنياً في نفس الوقت" وهو ما يجعل القبيلة عنصراً سلبياً باعتباره يدعو إلى العصبية ويفاضل بين الناس على أساس الإنتماء القبلي وليس على أساس المقدرة والعمل، والقبيلة في السياق المعاصر هي " نقيض الدولة أي عندما تقوم الدولة المدنية بكامل أركانها ومسؤولياتها [فلن تعود] هناك حاجة للقبيلة، وتختفي تدريجياً لينعدم الشعور بها حتى بين أفرادها، وتعود لتمارس دورها كمظلة اجتماعية" ويميل البعض إلىالإعتقاد بأن ظهور القبيلة في ظروف التشظي الشياسي، وتعثر تأسيس دولة القانون من شأنه أن يساعد على تحقيق الإستقرار العام وإنشاء الدولة، وذلك بغض النظر عن قدرتها على وضع حد للتدهور الأخلاقي، والممارسات الخاطئة التي يقوم بها أبناؤها وألناء القبائل الأخرى اعتماداً على الإعتبارات المتبادَلة بينهم، وهناك وجهة نظر مغايرة لا ترى جدوى في ذلك استناداً على "أن رجال القبائل ولاؤهم الأول والأخير للقبيلة، وإم تعارض ولاء القبيلة مع أي شئ آخر، وإن كان الإسلام، يقدمون القبيلة" ولذلك وبالرغم من أن %86 من السكان يقيمون في المدن، فإنهم لا ينطلقون رؤية جامعة أو برنامج وطني، وإنما تطغى على هؤلاء النزعة القبلية، فيعود أغلبهم إلى قبائلهم ولا يتبنون إلا برامجها، غير مهتمين بالمصلحة العامة، ولا بمصير الوطن، ومن الملاحظ أخيراً أن سطوة القبلية قد تسللت إلى المؤسيات التي يفترض أن تكون رسمية تابعة لأجهزة الدولة وملتزمة بقواعدها، فقد اتضح أن بعض "المجالس البلدية" أصبحت تتدخل في الشأن السياسي.

ولا شك أن انتشار القبلية في هذه الفترة الانتقالية المفتوحة بالذات، خاصة وأنها قد استحوذت على السلاح وعسكرت أبناءها، قد صبغت المرحلة بمزيد من الإنقسامات وفرض سياسة المغالبة، فأقحمت نفسها في مجال السياسة الذي تتقاطع فيه عدة عوامل متداخلة ومتشابكة، محلية وعربية وافريقية واقليمية وعالمية، والذي لا يستقيم معه التعامل بأدوات غير متكافئة.

رابعاً / غياب النخبة:

تكتظ الساحات بأنواع من النخب مختلفة، فهناك النخبة السياسية، والإجتماعية والعلمية والإقتصادية أو نخبة رجال الأعمال كما تسمى، وهناك النخب الفنية والرياضية، وغيرها، لكن النخبة التي تهمنا في هذ السياق هي نخبة المثقفين والمهتمين بالشأن العام، تلك التي تكتسب نخبويتها من فعلها وفاعليتها، ومن القضايا التي تطرحها والمبادئ التي تنطلق منها، والقيم التي تجسدها، ويُتَوَقَعُ أن يتوفر في هذه النخبة جانبان : نظري وعملي،أما (الأول) فيتمثل في مستوى من الثقافة والمعرفة، والإلمام ببعض المفاتيح العامة لعدد من المعارف التي لا يكون المثقف مثقفاً إلا بتحصيلها، مع التمكن من فرع معين من العلوم أو أكثر، أما (الجانب العملي) فيمثل درجة من التفاعل مع الأحداث الدائرة في بيئته، والإلمام بما يجري في المحيط العربي والإسلامي، بل والعالمي، وأن يكون له مبدأ وموقف من القضايا، يعبر عن حيثياته شفوياً أو كتابياً، مدفوعاً بدرجة من الفاعلية والشعور بالمسؤولية والإلتزام، وأن يكون نشاطه منبثقاً من إيمانه بأن القيام بالواجب يسبق المطالبة بالحقوق، بل ويتجاوزها، وإذا نظرنا إلى النخبة الليبية في ظل الظروف العويصة والمتشابكة التي أوجدها الوضع السياسي، نجد أنها كانت تحت مجهر مراقبة رأس النظام نفسه، الذي تفنن في حصر وتصنيف ومتابعة،كل من فكّر، ومن لم  يفكّر، في الإنتماء للتيارات الفكرية والسياسية التي كانت منتشرة بين صفوف الشباب في عقد الستينيات، قبل حدوث النكبة، وما "ندوة الفكر الثوري" التي عُقدت بطرابلس في مايو 1970م، إلا لرصد أكبر مجموعة ممكنة من المثقفين والكُتَّابِ والأساتذة الجامعيين، وكل من هو مهتم بالشأن العام،حيث كانت عصبة صغار الملازمين من "الحكام الجدد" تصطف فوق المسرح لثلاثة أيام متتالية، تلقي بتساؤلاتها وأطروحاتها، مستدرجة كل من تدفعه طيبته وعفويته إلى إلقاء بحث أو ارتجال مداخلة أو توجيه سؤال، كانت الندوة تُبِثُّ على القناة الليبية اليتيمة آنذاك، وكان قلم الرقيب ورجال المخابرات يسجلون ملاحظاتهم، ويوزعون الخرائط على التصنيف الحزبي والأيديولوجي كل متكلم، وكان من نتيجة هذه الندوة أن أُلْقيَ القبض على العشرات ممن حضرها وتحدث فيها، فامتلأت السجون بمئات المثقفين الذين أعتُقِلوا ووُجِهَت إليهم مختلف التهم التي نَسَبَت إليهم الإنتماء الحزبي، ومعاداة الثورة، ومحاربة المد القومي.. وغيره وبهذا تمت "التصفية" المعنوية للنخب الليبية في وقت مبكر جداً، ليتعظ من بقيَ خارج القضبان، فلا يتهور في قول أو فعل. أو اعتقاد، ثم ما لبثت أن أُمِّمَت الصحافة فأغمدت الأقلام الشريفة، وأنسدت آفاق الحراك الثقافي والإجتماعي، حتى إذا شق "الإتحاد العام لطلاب ليبيا" عصا الطاعة، وخرج عن طوق الطغاة، تطورت أحداث السابع من ابريل، وواجهت فئة الطلاب هجمة النظام الشرسة حتى أن بعضهم عُلِّق فوق أعواد المشانق في الساحات العامة وخلال شهر رمضان الحرام، حتى صار السابع من ابريل عيداً دموياً يدق فيه الطاغية طبول حربه النفسية والجسدية في البلاد متلذذاً بساديته،هذه الأحداث وغيرها أجهضت كيان النخب الليبية، خاصة وقد تزامن معها تجفيف مصادر العلم والثقافة والإبداع، وأتت "الثورة الثقافية" أكلها فتوارى المخلِصون، وتركوا الساحة لأدعياء الثقافة ومزوري الكلمة، ورواد المثابات الثورية والمركز العالمي للكتاب الأخضر.. وبقيت قلة قليلة تسير على حد السيف، ولم ينْجُ من طوفان العفن إلا من قد رحم الله، ثم لم تلبث أن خرجت بعد ذلك نُخِبٌ أخرى، صُنعت على عين المستبد وبإشرافه، فأنخرطت في جوقة السلطان تفيده وتستفيد منه، تدخل تحت عباءته، وتتبنى شعاراته ونظرياته، وتسخّر أقلامها وجهدها لتمجيده وتكريس ممارساته، حتى أصبحت جزءاً،نه وصار دفاعها عنه دفاعاً عن نفسها ووجودها وامتيازاتها.

وإلى جانب النخب المقيمة، وُجدت نُخب أخرى مهاجرة أُجبرت على البقاء خارج الوطن، منذ أن صارت العودة إليه من باب رمي النفس إلى التهلكة، ومثل كثير غيرهم من المثقفين العرب، وجد هؤلاء أنفسهم يتمتعون بكرامتهم الإنسانية، وحريتهم الشخصية والدينية، وتساويهم فامونياً في الحقوق والواجبات مع سكان البلد الأصليين، الإمر الذي لم يكن ممكناً في عالم العرب والمسلمين . وتكرر لهؤلاء ما حدث داخل الوطن، ولكن بشكل آخر، فقد طغى السياسي في حياتهم على الثقافي، وتأجلت المشاريع الفكرية والأكاديمية، وتخلت الطموحات العلمية عن أولوياتها عند الكثيرين، إذ أصبحت غير ملائمة لتلك المرحلة التي كانت تستدعي تحويل الممارسة الثقافية، التي بدت وكأنها نوعاً من الترف - لحساب الهم السياسي، لكن الفعالية السياسية البديلة للثقافية والمتداخلة معها، ظلت بالنسبة للنخب المهاجرة محكومة بغياب التجربة التنظيمية في الوطن الأم، ومحكومة أيضاً بضخامة الأنا المتوارثة، بما تحمله من نزعة التحكم والوصاية ورفض الإختلاف ، مع العجز عن حل التناقضات ومعالجة عيوب جوهرية في الفكر والممارسة.

تلتقي النخب المقيمة والمهاجرة في خطوط قليلة، وتتقاطع في أخرى كثيرة، المثقف المقيم يتميز  بأنه موجود في قلب الأحداث، وهو ما يمنحه - نظرياً على الأقل -  فرصة التفاعل والفعل والتأثير، لكن هذه الفرصة قلما تصمد أمام المعاناة اليومية وقبضة الإستبداد، ويتميز المثقف المهاجر بقدرته على رؤية القضايا خارج حدودها الضيقة، فهو يقرأ بحرية ويرصد ويحلل، يتبنى رأياً ثم يعدله، أو يعدل عنه حسب المعطيات الفكرية الواقعية، وهو متنوع المصادر الثقافية، وأكثر حرية في التعبير واتخاذ المواقف، لكن ذلك كله يتم فوق أرضية مغايرة، وفي ميدان غير الميدان الذي تتشكل فيه القضايا وتدور فيه المعارك، ولذلك يظل هذا المثقف محدود التأثير في مجتمعه الأصلي البعيد، ومقتلع الجذور من تربته الحقيقية.

المثقفون "العضويون" الأكثر تأثيراً -ربما- هم القلة الذين مكنتهم ظروف خاصة وقدرة عالية، وربما مظلات سياسية أو قبلية، من أن يكونوا داخل الوطن أو خارجه متى أرادوا، ينظرون إلى المشاكل الداخلية في ضؤ المعطيات الخارجية، ويستوعبون التحولات الكونية من منطلقات وطنية قومية، وهم على قلتهم وعلى ما يتميزون به من مرونة وحركة وقدرة على الإتصال، لا شك كانوا مؤهلين لتكوين حلقة وصل بين مثقفي الداخل والخارج في فترة ما، وهي الحلقة التي طالما احتاجت إلى تأسيس وتوسيع، لكن هذه النخب للأسف لم تنتبه يوماً إلى قيمة شبكة العلاقات الثقافية والإجتماعية التي يحتاجها أي مشروع فكري أو برنامج نهضوي، يستهدف إحداث تغيير.

وهكذا تظهر الخطوط العريضة لمأزق النخب الليبية، وفشلها في تكوين تيار قائم على التراكم والفعالية والمقاومة ويتبين رضوخها لواقعها الضاغط في داخل البلاد وخارجها، ولذلك لم تجد انتفاضة فبراير النخبة القوية والمؤهلة التي تصطف لتقود الشباب الحائر المتحمس، المفتقد للرؤية والمفتقر لأدوات التفكير النقدي والتمحيص الفكري، ولذلك تفتقد ساحتنا السياسية الشخصية الكارزماتية التي تنتظم حولها الرؤى، ويستقيم بها النظر والتقييم والعمل المنهجي الواضح . وللأسف فإن أغلب البخب المقيمة، ضمرت أدواتها وشاخت أفكارها، ومضغتها أضراس الحياة القاسية التي شحذها الإستبداد، وكثير منهم يشعرون فعلاً أن القطار قد فاتهم، وأن شيئاً لا يعوضهم شبابهم الذي داسته أحذية العسكر، النخب المهاجرة عادت إلى واقع مغاير لم تعاصر تحولاته إلا نظرياً أو سماعاً، ولذلك تحول حلمها في العودة إلى الوطن والعيش فيه، وخدمته فيما تبقى من العمر إلى ما يشبه الكابوس، فالإنحدار الذي حدث في السلوك ومظاهر الحياة المختلفة في ليبيا كان صادماً، وكذلك كان رد فعل المجتمع الذي لم يستطع أن ينتصر على جلاده فيمحو من وجدانه تلك العبارة الآثمة التي نحتها الطاغية، ليصف بها الأحرار ممن جاهروا بمعارضته ومقارعته، ألا وهي عبارة "الكلاب الضالة" وإن كان الناس قد هذبوها قليلاً لتصير "دبل شفرة" في إشارة إلى الجنسية المزدوجة التي يحملها معظم أولئك. أنكر الكثيرون على النخبة المهاجرة أن تنخرط في خدمة بلادها، بل وتم رفضهم قولاً وفعلاً أحياناً، وحوربوا ومورس ضدهم التشكيك والتهميش.

وفي هذا الزمن المشوش والظرف الإستثنائي وسيادة العناصر السلبية في ممارساتنا الثقافية والإجتماعية، أصبح من الثابت أن النخبة أو الصفوة المقيمة والمهاجرة على السواء، إنما يعكسون الثقافة التي نشأوا عليها، والأفكار التي أسهم الإستبداد والقبلية، وضياع الهوية وضبابية المستقبل في صياغتها، والتي لم يفلح العيش في الغرب الديموقراطي المتحضر في محوها، وهو ما يثبت أن أصل أزمتنا في هذا المنعطف الخطير من تاريخنا، إنما هي ثقافية بالدرجة الأولى، وانها متصلة بالجهاز المفاهيمي، والتركيبة الذهنية، وبالأخلاق والقيم والممارسات اليومية، ولذلك فإن أي مشروع نهضوي تنموي للدولة المدنية التي نتطلع إلى تأسيسها فوق أرض الوطن، لن تتحقق دون تغيير وتجديد وإعادة صيانة البنى التحتية في المجتمع، تلك البنى التي تتشابك عروقها وينتسج نسيجها بخيوط موروثاتنا الثقافيك، والتي نحتاج فيها إلى خطط مدروسة لإصلاح التعليم ونشر التوعية، وفتح نوافذ العلم والمعرفة والإبتكار، مع الإهتمام بإعادة صياغة الشخصية الوطنية، في إطار مرجعية دينية وحضارية منفتحة على العلم والتقنية، وعلى الرقي الخلقي رالسمو الروحي. وفي هذا فليتنافس المتنافسون.

علي المقرحي

* راجع الحلقات بـ (ارشيف الكاتب)

لا تعليقات على هذا الموضوع
آخر الأخبار
جميع المقالات والأراء التي تنشر في هذا الموقع تعبر عن رأي أصحابها فقط، ولا تعبر بالضرورة عن رأي إدارة الموقع