مقالات

عطية صالح الأوجلي

(Z)... تقاطعات الحرف والأيقونة

أرشيف الكاتب
2016/11/19 على الساعة 13:33

الذهول…
 

الانقلاب بأثينا

غرق العالم في الدهشة صبيحة الحادي والعشرين من أبريل 1967 عندما تقاطرت الدبابات الثقيلة ببطء نحو دار الإذاعة بأثينا بعد أن أحكمت سيطرتها على المواقع الحساسة بالعاصمة اليونانية. وتبين للعالم الغارق في الذهول أن  مجموعة من كبار الضباط اليونانيين قد قاموا بالاستيلاء على السلطة في البلاد وبتعطيل الدستور وحل البرلمان ومنع المظاهرات والإضرابات. فالانقلابات العسكرية والقفز إلى السلطة من على ظهور الدبابات كانت أمرا مستبعدا جدا على الأراضي الأوروبية. فهذه أثينا وليست إحدى عواصم العالم الثالث. هذا بلد هوميروس وسقراط والاسكندر وموطن الشعر والجمال. ولكن الدهشة والذهول داما طويلا والعالم يسمع ويرى سيل القرارات الغريبة التي أصدرها حكام أثينا الجدد: منع الشعر الطويل للرجال، منع أغاني البيتلز، منع قصص تشيكوف ومارك توين..! منع مسرحيات بيكيت… منع كتب تولستوي وسقراط ويوجين يونسكو… منع الرياضيات الحديثة..!!، منع علم الاجتماع و نقابة المحامين... كما منعت سلطات الانقلاب الحرف زد (Z) الذي يعني باللغة اليونانية أيضا (أنه يعيش)".


وحيدا…
 

المناضل جريجورس لامبراكس في مظاهرته الشهيرة يحمل لافتة باليونانية بعنوان “السلام”.

كان الطبيب والأستاذ الجامعي جريجورس لامبراكس يجيد رياضة القفز. فأحتكر أرقامها القياسية لمدة ثلاثة وعشرين عاما في بلده اليونان. كما نال عدة ميداليات ذهبية في ألعاب البلقان. ولكنه لم يكن من الذين يجيدون القفز في عالم السياسية. فبعد أن منعت السلطات اليونانية مسيرة سلمية تندد بالحروب وتعذر على الجميع الحضور والمشاركة. أصرت ساقاه هذه المرة على المشي به وحيدا. فعضو مجلس النواب اليوناني  هذا كان يحذر الجميع من خطر تنامي قوى الفاشية ببلاده وكان يريد أن يبعث تحذيرا قويا للقوى المتصارعة داخل الساحة السياسية اليونانية. وقد وصلهم هذا التحذير عندما داسته وتسببت بقتله عجلات شاحنة مسرعة. تبين في ما بعد أن الحادث مدبر من قبل المنظمات اليمينية ورجال البوليس وأريد به إخماد صوت هذا المناضل للأبد. لم يدر ببال المدبرون بأنه في اللحظات التي التحمت فيها العجلات المسرعة بجسد لامبراكس كان حرف زد يلتصق وعلى نحو مشابه التصاقا أبديا باسم جريجورس لامبراكس.

أبحث عن فيلم…

 

 المخرج كوستا جافراس

ولد كوستا جافراس لعائلة فقيرة بقرية "لوترا ارياس" الفقيرة عام 1933م. هاجرت أسرته إلى أثينا بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية. كان أبيه أثناء الحرب الثانية عضوا نشطا في المقاومة ضد النازية كما كان ذو اتجاهات يسارية مما أدى إلى اعتقاله بعد انتهاء الحرب. هذا الاعتقال حرم كوستا من الالتحاق بالجامعة اليونانية أو من السفر إلى الولايات المتحدة. في عام 1951غادر كوستا اليونان إلى فرنسا لدراسة القانون إلا أن عشقه للفن السابع دفعه في عام 1956 إلى الانقطاع عن الجامعة و الالتحاق بالمدرسة الوطنية للسينما ليتخرج منه ويعمل مخرجا مساعدا لعددا من مخرجي السينما الفرنسية من بينهم المخرج الشهير رينيه كلير. أخرج أول أفلامه بعنوان "جريمة السيارة النائمة" وهو قصة بوليسية بطولة الممثل الشهير ايف مونتان والممثلة "سيمون سينوريه" وكان ذلك في عام 1965 ثم فيلم "قوات الصدمة" عام 1967. وتم عرض الفيلم بالولايات المتحدة بعد إدخال بعض التعديلات على نهايته.

في عام 1969 كان كوستا يبحث عن قصة لفيلم جديد يعكس تطلعاته وقدراته. كان يتمنى لو اقترب موضوع الفيلم من الأحداث التي كانت تجري في وطنه اليونان عندما أهدى إليه احد أصدقائه نسخة من رواية لفاسيلي فسكيلوس بعنوان "زد Z-" والتي تحكي وقائع اغتيال النائب جريجورس لامبراكس ومحاولة السلطات الانقلابية التستر على تلك الجريمة. يروي احد أصدقاء كوستا انه هاتفه متأخرا في تلك ليقول بصوت ملئ بالابتهاج "أخيرا عثرت على فيلمي”.

صور الفيلم بالجزائر وكان من بطولة الفرنسي ايف مونتان واليونانية ايرين باباس. ووضع له الموسيقى التصويرية الموسيقار اليوناني الشهير "ميكيس ثيودوراكس" مؤلف موسيقى فيلم زوربا.  قوبل الفيلم عند عرضه بترحاب هائل من النقاد والجمهور. نال الفيلم جائزة الأوسكار عن أحسن فيلم أجنبي. بالطبع لم يلق الفيلم ترحابا مماثلا من الانقلابيين بأثينا الذين منعوا عرضه ووضعوا أسماء من شارك في صناعة الفيلم على القائمة السوداء.

بعد مرور ما يقرب من خمس عقود عاما على خروج الفيلم و أربعة عقود على سقوط حكم الانقلابيين في أثينا وعودة الحرية إلى شوارع أثينا لم يعد أحد يذكر أسماء أو وجوه قادة انقلاب عام 1967 ولكن الكل يدرك أن حرف زد الذي أرادوا منعه قد عاد إلى أثينا لا كحرف وحسب وإنما كأيقونة تجسد الحرية وتدين الاستبداد والتسلط وتخلد ذكرى جريجورس لامبراكس.

عطية صالح الأوجلي

كلمات مفاتيح : مقالات ليبيا المستقبل،
عطية صالح الأوجلي | 20/11/2016 على الساعة 06:10
شكرا للتنبيه الأنيق
اشكر الاستاذ تقّاز على التنويه. نعم الكلمة تعني اليونان .. وعذرا عن الخطأ.
تقّاز | 20/11/2016 على الساعة 03:25
ملحوظة خافتة
فقط وعلى استحياءٍ وعشم في لفت عناية السيد/ الكاتب ، انَّ اللافتة، الواردة في السياق والتي يحملها السيد/ لامبراكس، هي كلمة "اليونان" (إسم بلاده)، بالأحرف العالية في أبجدية اللغة اليونانية وتلفظ بالحرف العربي (إلاّسْ ) وبالحرف العالي الإنجليزي، هكذا (E L L A S). وملحوظتي المادية هذه، لا ولم تُنْقِصُ من متعة سياق [زِدْ]..."(Z) تقاطعات الحرف والأيقونة" في السرد. شكرا
آخر الأخبار
جميع المقالات والأراء التي تنشر في هذا الموقع تعبر عن رأي أصحابها فقط، ولا تعبر بالضرورة عن رأي إدارة الموقع