مقالات

علي المقرحي

عرض لملف العدد التاسع من “عراجين" (6)

أرشيف الكاتب
2016/11/16 على الساعة 14:21

(الثورة الليبية وخيار التحول الديموقراطي)

د. الشيباني أبوهمود

2- وجود ثقافة مرحبة بالتحول الديموقزاطي:

الديموقراطية كأي نظام سياسي في العالم لا بد وأن يعكس الواقع الإجتماعي المعاش، ولهذا فإن الكثير من الأنظمة تسقط بمجرد حدوث قطيعة زمنية مع الشعب بحيث يصبح النظام غير قادر ليس فقط على الإستجابة لاحتياجات الناس، وإنما على تفَهُمِ هذه الإحتياجات بسبب ما يُعرف بصرع الأجيال، فالديموقراطية يجب أن تكون نابعة من ثقافة الشعب أو على الأقل أن يكون الشعب متقبلاً لها ومستوعباً لإستحقاقات، وإلا سينتهي المطاف بمروجيها إلى إقامة ما أسماه الوزير اللبناني السابق.. غسان سلامة.. ديموقراطيات بدون ديموقراطيين، الديموقراطية كالنبات لا يمكن زراعتها في صحراء قاحلة بدون التأكد من توافر الظروف الموضوعية اللازمة لنموها، وأول وأهم هذه الظروف هو شيوع الثقافة الديموقراطية في المجتمع، وسبق للمحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان أن قضت عام 1979م في قضية جريدة صنداي تايمز ضد الحكومة البريطانية، بأنه لا وجود لمجتمع ديموقراطي بدون وجود تعددية وتسامح وانفتاح، وقد سبق القول ان الإدعاء بأن الناس قد خرجوا في 17 فبراير لأجل إقامة نظام ديموقراطي، هو ادعاء يفتقر إلى الدليل، كما لا يوجد دليل على أن  إصرار النخبة التي تصدرت المشهد على ضرورة الإسراع في اللجؤ إلى صناديق الاقتراع كان نابعاً عن قناعات ديموقراطية تبحث عن التأسيس لشرعية جديدة تنقل البلاد من حالة الثورة إلى حالة الدولة، والواضح أن هذه النخبة المنقسمة مصلحياً، ولمعرفتها باستحالة الإستفراد بالسلطة نتيجة انتشار السلاح وتوزع مراكز القوة، ولتفادي أي صدام مبكر مع المجتمع الدولي، قررت استخدام أدوات العصر للوصول إلى السلطة وهي صناديق الإقتراع، ولكن ليس لممارسة السلطة وفقاً لمستوى تمثيلها على المستوى الوطني، وإنما لإقصاء الآخر عبر  الصناديق والإستحواذ عل الدولة، وهذا الآخر لا يمثل فقط أنصار القذافي الذين تم إقصاء بعضهم بقانون النزاهة والوطنية الذي أصدره المجلس الوطني الإنتقالي في عام 2012م، وأُقصي بعضهم الآخر بقانون العزل السياسي الذي أقره بالقوة المؤتمر الوطني العام في 2013م، وإنما أيضاً الشريك في الثورة وفي العملية السياسية، لقد كان واضحاً للعيان أن اللجؤ إلى صناديق الإقتراع في يوليو 2012م بدون أن تسبقه مصالحة وطنية، وفي الوقت الذي مازال الشعب الليبي لا يزال يعيش ذهنياً ونفسياً حالة الحرب الأهلية والإنقسام بين شعورَي المنتصر والمهزوم، ما كان له إلا أن يؤدي إلى مزيد من التأزم والتعقيد، خصوصاً مع دخول الأطراف الإقليمية المتصارعة على خط اللعبة السياسية في ليبيا.

وخلافاً لما يعتقد الكثيرون، وكما أشار تقرير صدر عن لجنة برلمانية شكلها البرلمان الفرنسي (الجمعية الوطنية) لدراسة الحالة الليبية، فإن انتخابات المؤتمر الوطني قد عمقت الإنقسام السياسي الليبي ورفعته من مستوى الإنقسام المحلي سواء كان جهوياً أو دينياً إلى المستوى الوطني في رأس هرم السلطة، فبعض القبائل والمدن التي ثارت على القذافي تصورت خطأاً أن بإمكانها الإنفراد بحكم ليبيا لمجرد أنها ورثت سلاح القذافي، وعبر ممارستها للإقصاء السياسي.

وواحدة من أهم نتائج تقرير اللجنة البرلمانية الفرنسية التي قامت بالتواصل مع كل المعنيين بالشأن الليبي، بما في ذلك رؤساء دول الجوار، هو أن الحل في ليبيا لا يمر بالضرورة وفقط عبر الديموقراطية بمعناها الغربي القاضي بحكم الأكثرية للأقلية، وإنما الأمر يحتاج إلى نوع من الخيال السياسي الذي يأخذ بعين الإعتبار تركيبة المجتمع الليبي وخلفياته الثقافية والإجتماعية، إن ضُعف نسبة مشاركة الليبيين في الإنتخابات والتي لم تتجاوز %18 في انتخابات البرلمانالتي جرت في يونيو 2014م، وضُعف مخرجات الصندوق سواء على مستوى البلديات أو على مستوى المؤتمر الوطني ومجلس النواب، هي مؤشرات قاطعة الدلالة على أن المجتمع الليبي  يحتاج إلى مزيد من الوقت، وإلى بذل مزيد من الجهد لنشر الثقافة الديموقراطية فيه، وبالطبع لا يعني هذا أن المجتمع الليبي غير صالح لاحتظان الديموقراطية، لكنه ببساطة يعني أن هناك شروطاً موضوعية يجب العمل على توافرها قبل اللجؤ إلى الصندوق مجدداً لمعالجة مشاكل ليبيا المزمنة، ففي نهاية المطاف لا أحد يستطيع أن يطلب من أي إنسان آخر ممارسة حق من حقوقه، إذا كان هذا الإنسان لا يعرف هذا الحق أو لايقبل به، وفي المجتمعات الشرقية فإن مسألة شرعية الإنتخابات من الناحية الدينية، يجب أن تُحسَمَ قبل مطالبة الناس بالذهاب إلى صناديق الإقتراع.

3- التنظيم:

لأن عملية الإنتخابات تسمى باللعبة الديموقراطية، فإن اللعب يجب أن يتم وفق قواعد مُتَّفَقٌ عليها مسبقاً، ما حدث في ليبيا هو العكس، فقد تم اللجؤ إلى صناديق الإقتراع لتحديد قواعد اللعبة وفق منطق المنتصر والمهزوم، ومسألة عدم الإهتمام بالجانب التشريعي للعمل وفق ضوابط قانونية حاكمة للعملية السياسية، كانت ظاهرة ملازمة للثورة منذ بداياتها، فقد تأسس المجلس الوطني الإنتقالي ومارس العديد من الأعمال السياسية والقانونية لمدة أكثر من خمسة أشهر، قبل أن يصدر الإعلان الدستوري المنظم للعملية السياسية ولصلاحيات المجلس، وكأن مسألة الإعلانات الدستورية ترفاً فكرياً لا دعامة في صرح بناء دول القانون والمؤسسات.

ومن مفارقات الثورة الليبية أنها أبقت على منظومة قوانين النظام السابق التي تجرّم فعل الثورة، وتجرّم تشكيل المجلس الإنتقالي نفسه، وفي قفزة أخرى في الهواء تم اللجؤ إلى الإنتخابات في غياب تام لأي توافق حول المفاهيم الأساسية المطلوبة للعيش المشترك في بلد واحد والتي عادة ما يحددها دستور البلاد.

لقد كان واضحاً أن من سعى إلى الاستعجال في اللجؤ إلى صندوق الإقتراع لا يسعى فقط لوضع قواعد اللعبة بنفسه بعد أن يكون قد تمكن من إقصاء الآخر، وإنما أيضاً لتحديد قيم ومفاهيم المجتمع بعيداً عن أية حالة من حالات التوافق، ولقد تمت الإنتخابات الأولى والثانية في غياب تام لوجود الدولة، ولم يتم التركيز حتى على الشروط الأساسية للترشح كالملفات الأمنيّة للمترشحين بل وحتى التثبت من جنسيات بعضهم، ناهيك عن شروط الكفاءة، الأسوأ من هذا وذاك أنه لم يُنَصَّ على شرط التمثيل، الأمر الذي سمح بدخول البرلمان لأشخاص لم يصوت لهم سوى العشرات من الناس خلافاً لما جرى عليه العرف الدولي من اشتراط الحصول على نسبة معينة من الأصوات لدخول المؤسسات التشريعية.

ولعل غياب الأحزاب والإصرار على غيابها، بل وتحميلها مسئولية تعثر العملية الديموقراطية يُعَدُّ أبرز سمات التجربة الليبية، وأحد أبرز أسباب مشاكلها، فالأحزاب ركن من أركان الديموقراطية التي لا تقوم ولا تستقيم إلا به، وكان الأَوْلَى - طالما تم اخنيار الديموقراطية لمعالجة مسألة السلطة في ليبيا - أن يتم أخذها كفكرة متكاملة لا أن يتم بترها وإفراغها من محتواها، لقد تم التجني على الأحزاب وعلى التجربة الحزبية، واتهامها بعرقلة عملية التحول الديموقراطي، وهذا ناتج عن ثلاثة أسباب رئيسية:

الأول/ هو التركة الثقافية الليبية التي لا تعرف الأحزاب، وترى فيها شرّاً يجب الإبتعاد عنه، فليبيا لم تعرف الأحزاب حتى في العهد الملكي باستثناء سنواته الأولى، وقد عمل القذافي على شيطنة الأحزاب إلى درجة ربطها بالخيانة، ولأن من جهل شيئاً عاداه، فقد كان الشارع الليبي - وبسبب عدم معرفته بالأحزاب وبدورها البناء في تنظيم العمل السياسي - جاهزاً لتقبل كل الإتهامات ضدها.

ثانيا/ الفوبيا (الخوف المرضي) من أحزاب الإسلام السياسي، خاصة الإخوان المسلمين الذين اعتقدت النخبة السياسية الليبية أنهم أكثر تنظيماً، وبالتالي لا مجال لمنافستهم إلا بتشويه الفكرة الحزبية.

• ثالثاً/ عدم قدرة الطبقة السياسية الليبية (المدنية) على العمل الجماعي المنظم، فالكل يرفض أن يكون مرؤوساً من قِبَلِ الغير، والكل يعتقد أنه الأفضل والأجدر.

ويبدو من الغريب فعلاً أن نجد الكثير من المثقفين الليبيين الذين ترعرعوا في الغرب، ويعرفون جيداً معنى الأحزاب ودورها السياسي والإجتماعي في المجتمع، يطالبون بحظر الأحزاب، لقد أظهرت تجربة لجنة الستين، وتجربةالبرلمان الأخير، أن ممارسة الديموقراطية والانتخابات بدون أحزاب سياسية هي عملية عبث سياسي لا يمكن أن يستقيم حال البلاد مع استمراره، وبكل تأكيد فإن الأحزاب نفسها تحتاج إلى عملية ضبط  بحيث تُمارَسَ وفقاً للقانون وأن لا تؤَسَسَ على أسس دينية أو جهوية، ولكنها تظل الوسيلة الوحيدة المنظورة التي بإمكانها تنظيم العمل السياسي في ظل حالة الإنقسام القاعدي في المجتمع، إذ بإمكان الأحزاب أن تكون حلقة الوصل بين مكونات المجتمع، وأن تساهم في القضاء، أو على الأقل في التخفيف من الجهوية، ومن النعرات القديمة والحديثة.

الخلاصة:

من جملة ما تقدم، يمكن التأكيد على الأمور الآتية:

1- ان الديموقراطية ليست نموذجاً جاهزاً، يمكن استنساخه بسهولة، وأن اختزالها في صناديق الإقتراع هو إفراغ لها من محتواها.

2- إن المجتمع الليبي بسبب ظروفه الثقافية والإجتماعية وموروث العقود الماضية ومخلفات فترة الثورة، ليس جاهزاً لخوض غمار تجربة ديموقراطية ناجحة ومنتجة.

3- إن استعجال الليبيين في اللجؤ إلى صناديق الإقتراع قد خلق - حسب وصف الدكتور صالح السنوسي - مشهداً سياسياً هجيناً، نصفه ثورة ونصفه ديموقراطية، فكانت النتيجة الإساءة إلى العملية الديموقراطية، والفشل في تحقيق أهداف الثورة.

4- ان الديموقراطية ليست هي الأسلوب الأنجع لبناء وإعادة بناء الدول، لبداهة أن الديموقراطية تقوم على حكم الأغلبية، في حين أن بناء الدول يحتاج إلى توافق الجميع، لقد أظهرت تجربة بلدان الربيع العربي (تونس ومصر وليبيا) أن ما أفرزته صناديق الإقتراع لا يمثل في الحقيقة غالبية الشارع في هذه البلدان، وبالتالي رفض الشارع مخرجات هذه الصناديق، وأصبحنا أمام ما سمي بشرعية الشارع في مواجهة شرعية الصناديق، هذا الواقع هو ما دفع بهذه البلدان إلى البحث عن مخارج بعيدة بشكل أو بآخر عن قواعد اللعبة الديموقراطية، فجرى الحسم عسكرياً في مصر، وجرى التوافق التونسي والليبي خارج قبة البرلمان، وفي جميع هذه الحالات أُجبِرَ الفائز في الإنتخابات على أن يترجل، لأن فوزه أتى في الزمان الخطأ، وربما في المكان الخطأ.

5- إن عدم وجود سلطة تحمي العملية الديموقراطية قد أدّى في ليبيا إلى عدم احترام قواعد الصندوق، كما أن عدم وجود تنظيم لهذه العملية، قد أدّى إلى فشل الصناديق في إفراز كفاءات قادرة على بناء الدولة، ناهيك عن قدرتها على تمثيل الجميع، وإشراكهم في عملية البناء.

6- إن لجؤ الليبيين إلى صناديق الإقتراع لتبادل سلطة ليست موجودة أصلاً، جعل من العملية الديموقراطية أشبه بالقفز في الهواء، لذلك يتوجب على الليبيين ومن ورائهم المجتمع الدولي، إعادة النظر في أولوياتهم، واعتماد مقاربة أكثر واقعية تتماشى مع الظروف الإجتماعية والتاريخية للمجتمع الليبي الذي لا يبدو مقتنعاً بمخرجات الصندوق، ونخشى أن يمتد عدم القناعة هذه إلى فكرة الصندوق نفسه، وهو الأمر الذي سوف يعيدنا إلى المربع الأول.

لهذا فإن النخبة الليبية مطالْبَة بالتفكر والاتفاق حول مسروع وطني يكون هدفه الأول الحفاظ على الدولة، وخلق سلطة تمثل هذه الدولة، وتعمل لاحقاً على تهيئة المناخ المناسب لعملية التحول الديموقراطي، إن المخاطر التي تهدد البلاد داخلياً وخارجياً، وتهدد المواطن الليبي في وجده تحتم على الجميع إعادة قراءة الواقع جيداً بعيداً عن الخطابات الرنانة والشعارات الفضفاضة التي صاحبت الثورة في السنوات الخمس الماضية، وعلى الجميع تذكُّر أنه في فقه الأولويات، فإن حفظ النفس يتقدم على غيره من المصالح، وبأن الضروريات مقدمة على الكماليات.

علي المقرحي

* راجع الحلقات بـ (ارشيف الكاتب)

م ب | 17/11/2016 على الساعة 19:16
الكمال لله وحده
اخي الكاتب أشكرك علي مقالك وتحليلك للحالة الليبية في اتجاهها نحو الديموقراطية ، لكن لفت نظري نقطتين ،أولاهما الاستغراب بان المثقفين العائدون من الغرب لايحبذون الديمقراطية !؟ ولذلك انت تستغرب ، اعتقد انني أشاركهم نفس الرأي لان النظام الديمقراطي يحتاج الي بنية من مجتمع قابل وليس طارد لفكرة الديموقراطية ،فانهم لا يَرَوْن ان التوقيت كان مناسباً فقط ، وان الشعب الليبي يستحق الديموقراطية لكن بجرعات الي ان يقوي وعيه الثقافي،والثانية،علي حزب الاخوان اكاد أكون جازماً انهم كانوا من المشاركين الرئيسين في مأساة شعبنا الليبي عندما لم يسلموا السلطة وتنكروا لصناديق الاقتراع فادخلوا البلاد في أتون حرب طاحنة ، لم يشوههم احد في البداية هم من شوهوا أنفسهم وشوهوا صورة الاسلام في لعبهم علي السياسة كغيرهم لكن بستار الدين ،لذلك لا أوافقك علي النقطة الثانية في مقالتك وأرجو اعادة النظر فيها بإنصاف، وشكرا علي رحابة صدرك وكرمك
آخر الأخبار
جميع المقالات والأراء التي تنشر في هذا الموقع تعبر عن رأي أصحابها فقط، ولا تعبر بالضرورة عن رأي إدارة الموقع