مقالات

محمد بن زكري

هوامش على الأحداث الليبية!

أرشيف الكاتب
2016/11/16 على الساعة 14:19

انخفاض الحياء و رفع سن التقاعد

لو أجاز برلمان طبرق هذا المشروع الفضيحة، لارتكب بذلك جريمة جديدة تضاف إلى جرائم نظام نكبة فبراير المشؤومة. فرفْعُ سن تقاعد الرجال إلى 70 عاما، يعني في النتيجة المباشرة مفاقمة وتعميق أزمة البطالة بين الشباب، إذ أن إبقاء كبار السن في الخدمة إلى  سن 70، يعني إمعانا (حكوميا) في حرمان الشباب من فرص العمل. لم يكتفِ نظام نكبة فبراير برفع سن التقاعد من 60 إلى 65، فحرم بذلك الشباب من خمس سنوات عمل، بل ها هم الشيوخ (من الشيخوخة) يتآمرون لإضافة 5 سنوات أخرى لبطالة الشباب، فيتقدمون إلى برلمان طبرق - عبر صندوق التقاعد - بمشروع قانون (صفيق)، يقضي بالتمديد لهم في الخدمة خمس سنوات إضافية! (ولِمَ لا؟ فمؤتمر ركسوس مدد لنفسه، وبرلمان طبرق مدد لنفسه، وثلاث حكومات تتنازع التمديد لها في السلطة). والمفارقة هي أن صندوق التقاعد الذي لا زال يمتنع عن تنفيذ تشريع صدر منذ نحوثلاث سنوات، يقضي بتعديل وتسوية معاشات موظفي الدولة المتقاعدين، رغم تواضع ذلك التعديل التشريعي قياسا إلى التشريعات المناظرة في كل دول العالم (حيث لا زال معاش وكيل وزارة أومدير عام سابق 450 دينارا!!!)، ها هوالصندوق يخرج علينا بهذا المشروع الفضيحة. متناسيا أن عشرات آلاف الخريجين من كل التخصصات (حتى الأطباء!) عاطلون عن العمل، يعيشون عالة على أبائهم المتقاعدين! فمشرِّعونكبة فبراير وحكوماتها المتعاقبة وساستها الطارئون كالطفح الجلدي، الذين خصوا أنفسهم برواتب فلكية الأرقام وامتيازات فاحشة التفاصيل، دونها رواتب ومخصصات رؤساء دول صناعية كبرى كالصين وروسيا والهند وألمانيا، لم يخطر ببالهم سَن قانون بمنحة البطالة للمواطنين المعطلين عن العمل، كما في كل نظم الراسمالية الأوربية (رغم عشق الليبيين لنمط الحياة في أوربا، وغرامهم المشبوب بالراسمالية!). وبدلا من تخفيض سِن التقاعد الى 60 – 62 عاما (كما كان قبل نكبة فبراير)، حتى يحل الشباب في الوظائف محل كبار السن، فإنهم وبكل (صحة وجه) يتآمرون لارتكاب جريمة حرمان الشباب من فرص العمل. وبدلا من أن يضغط (لوبِّي) كبار الموظفين من كبار السن، باتجاه تعديل نظام التقاعد (تنفيذا للتعهدات الحكومية بالخصوص) بما ينصفهم - هم أنفسهم - كموظفي دولة متقاعدين، بعد خدمة 30 – 40 سنة، فيفسحوا المجال أمام الشباب للحلول في الخدمة العامة محلهم، فإن لوبِّي الموظفين الكبار (سنّاً ودرجة) المستفيدين من استشراء ظاهرة الفساد الإداري، يضغط باتجاه البقاء في الخدمة إلى أن يدركهم الموت! فبلا مجاملة ولا دبلوماسية: أيها (العواجيز) اخجلوا من أنفسكم، واكتفوا بما (غنمتموه) من رواتب عالية في الحقبة الفبرائرية وبقرار من النظام السابق، دون مقابل حقيقي تبذلونه من ساعات العمل الفعلي، ودعوا فرص العمل للشباب، فهم أحق بها منكم، وهم أيضا أكفأ منكم بحكم الفارق المعرفي، وطبعا هم أكثر قابلية واستعدادا للاستيعاب وتنمية القدرات واكتساب الخبرات (خاصة وأن الخبرة لا تقاس بعدد سنوات الخدمة، بل بمَلكة الإبداع ومستوى الإنجاز وكفاءة الأداء)، وقد ترهلت عقولكم الشائخة - نتيجة للكسل العقلي والمكتبي - فلم تعد صالحة للتفعيل في الإدارة الحكومية الرشيدة.

مؤتمر لندن للحوار الاقتصادي

استضافت لندن يومي 31 أكتوبر و1 نوفمبر 2016، المؤتمر الوزاري للحوار الاقتصادي الليبي! المنعقد بدعوة من أميركا وبريطانيا، تحت عنوان (الشراكة الدولية مع ليبيا)، بمشاركة وزراء خارجية (محور) بريطانيا وأميركا وإيطاليا، من أجل التمكين للمجلس الرئاسي، أوما عبر عنه محمد الطاهر سيالة (وزير خارجية السراج) بـ "التنسيق بين المجلس الرئاسي والجهات ذات العلاقة بالملفات الاقتصادية، وهي وزارة التخطيط والمصرف المركزي وديوان المحاسبة والمؤسسة الوطنية للنفط"، أوحسب ما قاله رئيس الرئاسي من إن مشاركته في هذا اللقاء كان "هدفها الوقوف بشكل مباشر على كافة المقترحات التي من شأنها المساهمة في حلحلة الأزمة الاقتصادية، والاستفادة بالخبرات الدولية في هذا المجال".

فيا لغرائب حكام ليبيا الفبرائرية! ما علاقة وزراء (الخارجية) الأجانب بالشؤون (الداخلية) الليبية؟! وما دخل وزراء خارجية بريطانيا وأميركا وايطاليا بالشأن الاقتصادي الليبي؟ ولماذا تحتاج حكومة (الوفاق الوطني) إلى تدخل الأجنبي كي (يوفق) بينها وبين الجهات الليبية ذات العلاقة بالملفات الاقتصادية؟ وهل خلت ليبيا من الكفاءات والخبرات الاقتصادية والمالية، حتى يذهب الرئاسي للاستفادة من الخبرات الدولية (خبرات وزراء خارجية!) من أجل ما يسمونه (حلحلة) الأزمة الاقتصادية الليبية  أليس وزير التخطيط في حكومة السراج واحدا من خبراء الاقتصاد والأكاديميين الاقتصاديين الليبيين، وقد عمل محافظا لمصرف ليبيا المركزي، وعمل وزيرا في عهد القذافي لمدة 35 سنة من الخبرة؟ وقبل كل ذلك، أليس رجال الأعمال وكبار التجار الليبيين (ومنهم السراج ومعيتيق والكوني وسيالة وبقية المجموعة)، فضلا عن كبار رجال الأعمال والتجار في المؤتمر الوطني العام (الذي غيروا اسمه إلى المجلس الأعلى للدولة )، هم من سحبوا ملايينهم من البنوك، وبذلك تسببوا في الأزمة الاقتصادية وأزمة السيولة المالية؟ وعلى ذكر المجلس الأعلى للدولة، والمجلس الأعلى للإنفاق (الذي أنكروه)، لماذا لا ينشئون المجلس الأعلى للميليشيات، خاصة وأن الميليشيات هي فعلا السلطة العليا؟!

ديوان المحاسبة يوضح

وفي السياق، وفيما يبدوأنه درءٌ للشبهات وإبراءٌ للذمة، أصدر ديوان المحاسبة (2 نوفمبر 2016) بيانا توضيحيا حول اجتماع لندن، ذكر فيه أن المجتمعين تناولوا بالنقاش المشاكل والعراقيل التي تواجه الرئاسي في تنفيذ الترتيبات المالية لسنة 2016 (التي أوشكت على الرحيل! )، كما ناقشوا بعض القضايا المتعلقة بالسياسة النقدية، وموضوع غسيل الأموال، وخلصوا من نقاشهم (في لندن) إلى التوصية بدعم المؤسسة الوطنية للنفط، واستمرار التنسيق بين مؤسسات الدولة، لحل المختنقات (لم نعرف ما هي تلك المختنقات) ووضع الحلول للمشكلات التي تواجه المواطن كمشكلة السيولة!

وإنه لشيءٌ أغرب من أن يّصدّق! فأولا: إذا كان هذا هوكل ما (وقع) في مؤتمر لندن، فما الحاجة إليه أصلا؟ لماذا (يتكبد) هؤلاء (الكبار) عناء الاستجمام في أجنحة فنادق الخمسة نجوم بلندن؟! فمقترح ديوان المحاسبة، بشأن تمويل الأشهر المتبقية من السنة (هما في الواقع شهران فقط)، لماذا لا يناقش بينه وبين الرئاسي في "جلسة خاصة" بطرابلس؟ لماذا الجلسة (العائلية) الخاصة في لندن؟!. وثانيا: ما هوالجديد (الإعجازي العبقري) في المقترح الأقل من عادي لديوان المحاسبة، أوفي التوصيات الإنشائية تافهة المحتوى، التي خلص إليها مؤتمر لندن، في نقاشه للسياسة النقدية وتمويل عجز الموازنة للدولة الليبية؟! هذا.. بصرف النظر عن سيادة القرار الليبي، ومغزى و(أبعاد) الاستعانة بالخبرات الفنية الدولية، لمعالجة قضايا محلية، يمكن لأية لجنة فنية من (صغار) الخبراء الليبيين معالجتها بكفاءة عالية؟!. أما ثالثا: وهوالأهم، وهومحور الاهتمام الحقيقي لمؤتمر لندن؛ فيتمثل فيما أشار إليه ديوان المحاسبة من انعقاد " الاجتماع الوزاري الآخر بلندن، في ذات الفترة، والمتعلق بالشأن السياسي الليبي، الذي لم يشارك فيه ديوان المحاسبة، ولم يطلع على تفاصيله". وعلى أية حال، شكرا لديوان المحاسبة على التوضيح، لكن ما كان له أن (يجزم) بما لم يطلع عليه من أسرار مؤتمر لندن (السياسية)، التي لا يعلم بها - فيما نظن - أحد من الليبيين خارج الدائرة الضيقة لرئيس الرئاسي، فيما يخص التسريبات حول المجلس الأعلى للإنفاق والاقتراض من البنك الدولي، وليس من دخان بلا نار!.

وكوبلر يتوعد!

ويظل رئيس بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا دائم الحضور في أحداث المهزلة الليبية، فقد صرح مارتن كوبلر لقناة فوكس نيوز، ملوحا بالتدخل الأممي (أي الأميركي / الغربي) لإدارة شؤون الدولة الليبية مباشرة، عبر حكومة الوفاق الغربي، التي يسمونها - من قبيل المزاح الثقيل - حكومة الوفاق الوطني. وليس صدفة أن يتزامن تصريح كوبلر مع حدث لافت، هونفح الروح في مومياء المجموعة الإقليمية الفاشلة، لدول حوار غرب المتوسط  5+5، لتدب فيها الحياة، وتعقد اجتماع دورتها الثالثة عشرة (بتاريخ 28 أكتوبر 2016)، في جزيرة مارسيليا الفرنسية، الذي كرسته لدعم حكومة السراج، حيث أعلن وزيرا خارجية فرنسا والمغرب دعم الدول المتوسطية العشر لحكومة (الوفاق الوطني!) في ليبيا، ولم يتوانَ وزير الخارجية الفرنسي جاك ايرلوت عن التصريح للصحافة بقوله: "نحن ندعم ما تقوم به حكومة فاير السراج، حكومة الوفاق الوطني". فالهر كوبلر عندما يلوّح بالتدخل الأممي، لا ينطق عن الهوى، إذ يبدوأن الغرب قد حسم أمره - مبدئيا -  للتدخل المباشر (عبر حكومة السراج)، لإعادة رسم خارطة العلاقات المحلية والدولية، وصياغة السياسات الليبية (اقتصاديا وتشريعيا واجتماعيا) بما يخدم مصالح الغرب الستراتيجية في ليبيا، حتى إن الهر كوبلر يخرج عن مقتضى الدبلوماسية ليدلي بما مفاده أن ليبيا الجديدة، هي مجرد مشروع استثماري غربي، تحت غطاء شرعية الوصاية الأممية.

والغرب يخرج عن صمته!

وأيضا في سياق الترتيبات السياسية والتهيئة الإعلامية لانعقاد مؤتمر لندن، جرى تمرير رسالة (إشارة حمراء) مفادها أن الغرب يخرج عن صمته، ويعلن دعمه لحكومة السراج! والسؤال الذي يطرح نفسه هو: متى توقف الغرب - وعلى رأسه أميركا - ليصمت يوما عن دعم ما يسمى حكومة الوفاق الوطني، المصممة لليبيا، حتى يقال إنه خرج عن صمته؟! فالغرب لم يتوقف يوما عن دعمه (المطلق) لحكومة السراج. ذلك أن حكومة السراج هي أصلا صناعة أميركية / غربية، وهي خيار الغرب الستراتيجي لاستكمال مشروعه للربيع العربي في ليبيا ، بإعادة صياغة السياسات الليبية (داخليا وخارجيا) بما يخدم المصالح الغربية. لكن الجديد - فيما يبدو- هوذهاب الغرب لتصعيد دعمه لحكومة السراج، حتى لوأدى الأمر إلى التدخل (المباشر) بقوة السلاح. وتهيئة لذلك رأينا كيف تنادى وزراء خارجية المحور الثلاثي (بريطانيا / أميركا / إيطاليا) للاجتماع في عاصمة الاستعمار القديم / الجديد لندن (بحضور السراج)، لاستطلاع إمكانات فرض حكومة (الوفاق الوطني) بالقوة، وما أكثر الذرائع! ولا يتحفظ دبلوماسي رفيع المستوى من الخارجية الأميركية في التصريح بما يفيد أنه (يجب على الليبيين الامتثال لرغبة الغرب)، فبعيدا عن الدبلوماسية يقول الدبلوماسي الأميركي: "لا يمكن السماح لعدد صغير من المفسدين بتدمير بلد بكامله"، ذلك أنه في نظر المسؤول الغربي: داعمو حكومة السيد السراج، مِن تحالف الوكلاء التجاريين و(الليبرالويين الإسلاميين)، هوالأغلبية. أما الشعب الليبي بملايينه الستة، فهومجرد عدد صغير من المفسدين!.

السراج والمفسدون الأربعة

وفي حمى الصراع (المقزز) على السلطة، بين ثلاثة برلمانات وثلاث حكومات، ليس لأيٍّ منها أيةُ شرعية، بكل معايير الاستحقاق، نشر موقع (Libya herald) بتاريخ 2 نوفمبر 2016، نص حوار أجراه مع رئيس الرئاسي، عبّر فيه السيد السراج عن شديد غضبه وانزعاجه واستيائه من محافظ البنك المركزي، الذي وصف العلاقة معه بأنها "سيئة"، نظرا لأن الصديق الكبير رفض تغطية نفقات رحلات (السياحة السياسية) للمجلس الرئاسي بين طرابلس وتونس، التي بلغت تكلفتها مليونين وسبعمائة وخمسين ألف دينار (2,750,000) خلال ستة أشهر تقريبا! فتصوّر أيها المواطن الليبي المُجوَّع المُفقَر المحروم المعطل عن العمل (المتبهدل)، أن رئيس المجلس الرئاسي، يستنكر و(يشْكو) امتناع محافظ البنك المركزي عن أن يحمّلك - أنت خاوي الجيب والمعدة - تكاليف رحلات الاستجمام المكوكية لأعضاء المجلس الرئاسي، فالسيد (الرئيس) يحتد ويتوتر ويصرخ محتجا، لأن المصرف المركزي رفض "توفير مليونين وسبعمائة وخمسين ألف دينار كتكاليف إقامة وتنقلات للمجلس من تونس إلى طرابلس". وهذه هي السلطة التي أفرخها لكم الحوار العبثي - في شكل زواج متعة سياسوي - بين برلمان طبرق ومؤتمر طرابلس.. فاقديْ الأهلية والشرعية، انتهاء إلى مهزلة 17 ديسمبر 2015 في منتجع الصخيرات المخملي! فبينما أنتم تبيتون أمام المصارف، تعانون صنوف المذلة، تتعرضون للمهانة من مرتزقة الميليشيات، تستجدون بضعة دنانير من مرتباتكم الهزيلة ولا تحصلون عليها، فالرئاسي ينفق (2,750,000 مليون) في فنادق تونس وحدها! ورئيس الرئاسي يتهجم على الصديق الكبير، لأن هذا الأخير رفض مسايرة الرئاسي في بذخ الإنفاق على تنقلاته وإقامته في فنادق تونس ومنتجعاتها السياحية! والجديد في الأمر أنه حتى الصديق الكبير أثبت - في هذه - أنه أجدر بمسؤولية الوظيفة العامة من الرئاسي.

أما النقطة الثانية الملفتة للاهتمام في حوار موقع ليبيا هيرالد مع السيد فائز السراج، فهي قوله "بأن الجيش الموجود في المنطقة الغربية من البلاد، يعادل ضِعف عدد نظيره في الشرق". والحقيقة هي أن الجيش الذي يتكلم عنه السراج في الغرب الليبي، هوالميليشيات. أما الجيش النظامي (الوطني) الليبي، فهويعاني ما يعانيه كل الليبيين من تسلط الميليشيات وفساد السلطة. ضباط الجيش في الغرب الليبي، لم يتقاضوا مرتباتهم الهزيلة منذ شهر يونيوالفائت، وليس سرا أن ضابط جيش برتبة مقدم أوعقيد أوعميد، يضطر للوقوف - كأي مواطن ليبي منكوب - أمام المصارف وفي الطوابير بالساعات، في لباس مدني، يعاني ما يعانيه باقي الليبيين من الويلات، ويضغط على أعصابه حتى لا تفلت منه وهويتعرض كالآخرين للإذلال من قبل عناصر الميليشيات المكلفين بحراسة البنوك. وهنا لابد من الإشارة إلى أنه في حين لا تعترف رئاسة الأركان في الغرب الليبي، بالتبعية للقيادة العامة في الشرق الليبي، فإنها سارعت - في طرابلس - إلى تنفيذ قرار رفع رواتب منتسبي الجيش الوطني الليبي، الصادر عن القيادة العامة في المرج! ولله في خلقه شؤون، ولا عزاء لموظفي الدولة المتقاعدين بمعاش 450 دينارأ.. دينارٌ ينطح دينارا! والخزي لبرلمان طبرق ومؤتمر طرابلس والأعلى والرئاسي وكل حكومات فبراير.

الحرية في خطر

نتيجة لردة الفعل - على مواقع النت - المستنكرة لتكفير الكاتب خليل الحاسي، أصدر إمام جامع في مدينة البيضاء، يدعى محمد الدرسي (مفتي تكفير الحاسي) بيانا، أراد به أن يتنصل من تهمة التحريض على القتل، غير أنه نتيجة لطبيعة التكوين الثقافي السلفي، وخاصة لدى محتكري التجارة في الدين، فقد أثبت الشيخ التهمة على نفسه، من حيث لم يكن يحتسب. ذلك أن صيغة البيان تعتبر اعترافا علنيا، أشهدَ به على نفسه عشرات آلاف القراء، بأنه فعلا قد (حرض) على قتل الكاتب الحاسي. فالشيخ الدرسي أورد في نص بيانه (أواعترافه)، وعطفا على تكفيره للشيعة، بأنه خطب في جمهور المصلين قائلا: "كذلك هناك من الفِرَق مَن تسُبّ الصحابةَ - رضي الله عنهم - وتطعن فيهم كالعِلمانيّين"، وبذلك فهوكغيره من السلفيين السُّنّة يعتبر المسلمين الشيعة (الروافض) كفارا، ويجمع - في الكفر - بينهم وبين (العلمانيين)، فهوبذلك يكون - ضمنا - قد حرض جمهوره من المصلين على (تكفير) العلمانيين، وبالتالي استحلال قتلهم باعتبارهم كفارا. ثم يمضي الشيخ الدرسي، فيثبت على نفسه أنه تعرض (في خطبته الدينية) للكاتب خليل الحاسي بالاسم  واصفا أياه بأنه "من دعاة العلمانية "، أي من دعاة الكفر، مؤكدا (كفر) الحاسي بأنّ "له كلام خطير في الله والأنبياء".

والخطورة في كلام الشيخ التكفيري، تأتي من أن الثقافة السائدة بين عامة الليبيين، هي ثقافة سلفيّة (سمعيّة اتِّباعيّة) متزمتة، فهم (يقدسون) الصحابة أومن يسمونهم السلف الصالح.. إتّباعيّا، وهم يكفّرون الشيعة.. سماعيّا، وإن أخطر ما في خطورة الثقافة السماعيّة الاتّباعيّة الإسلاموية، هوتنافيها المطلق مع حرية الرأي والتعبير وحرية الضمير. وستكون الطامة الكبرى على الحريات العامة والخاصة، مع دسترة الشريعة كمصدر أساس للقوانين في ليبيا، التي يسميها المضمون السياسي الإشكالي لنص الدستور الجديد (الجمهورية العربية الليبية الإسلامية)، حتى وإنْ لم يكن هذا هوالاسم الرسمي الذي سيعطونه للدولة الليبية، التي لن تخرج في التطبيق (حقوقيا) عن كونها إمارة إسلامية داعشية.

مؤتمر البرلمانيات الليبيات

على غرار الأدب النسوي، بالمفهوم (الجندري) البحت للمصطلح، وليس بالمفهوم الاجتماعي / الفلسفي (النضالي) لما صار يعرف في علوم الاجتماع باسم (النسوية / feminism)، تفرز حقبة الربيع العربي الفوضوية ظاهرة فصل عنصري من نوع جديد، هي التمثيل البرلماني النسائي (أوبالأحرى: النسواني). فالنسوان البرلمانيات، ترشحن لعضوية مجلس النواب (أي لممارسة السياسة والتشريع للدولة والمجتمع)، دون أن يتوفرن بالأصل على شروط المقدرة والكفاءة والثقافة السياسية وخبرات ممارسة العمل العام، التي تؤهلن - ذاتيا وموضوعيا - للقيام بالمهمة! ولذلك فالنسوان (النائبات)، في مؤتمرهن المنعقد بتونس 10 نوفمبر 2016، برعاية برنامج الأمم المتحدة الإنمائي، وقيل بدعم من حكومات ألمانيا وسويسرا وهولندا (وأنا رجل معقد أومن بنظرية المؤامرة وأرتاب كثيرا بنوايا الفرنجة)، طالبن بأن تُنظم لهن دورات تدريبية على حساب الناخبين، حتى يتأهلن لتمثيلهم في البرلمان! حيث إن " المطلب الأساسي الذي تقدمن به لزملائهن الرجال، هوأن تشكل النساء نسبة 30 % في جميع وفود مجلس النواب "! ذلك أن المهم في الأمر هوأن تنال (النائبات) نصيبهن من (ياغمة) سياحة المؤتمرات والمهام الرسمية وبذخ فنادق الخمسة نجوم مجانا، تحقيقا للمساواة التامة بين النائب والنائبة في وفود مجلس النواب، أسوة بالمساواة بين النواب والنائبات في تعيين الأزواج والأقارب في الوظائف العامة وفي السلك الدبلوماسي والقنصلي. والحق أن كلمة (النائبات) أعجبتني جدا، فهي جمع نائبة (وتُجمع أيضا على نوائب)، وكلمة (نائبة) تعني في اللغة العربية (مصيبة). فاللهم قِنا شر نائبات فبراير، فلم تعد بنا طاقة لتحَمّل المزيد من تناوب نائبات نكبة فبراير علينا.

محمد بن زكري

كلمات مفاتيح : مقالات ليبيا المستقبل،
د. أمين بشير المرغني | 19/11/2016 على الساعة 07:06
عنوان مناسب حقا.
يقول من كتب "أيها (العواجيز) اخجلوا من أنفسكم، واكتفوا بما (غنمتموه) من رواتب عالية في الحقبة الفبرائرية وبقرار من النظام السابق، دون مقابل حقيقي تبذلونه من ساعات العمل الفعلي، ودعوا فرص العمل للشباب، فهم أحق بها منكم، وهم أيضا أكفأ منكم بحكم الفارق المعرفي، وطبعا هم أكثر قابلية واستعدادا للاستيعاب وتنمية القدرات واكتساب الخبرات (خاصة وأن الخبرة لا تقاس بعدد سنوات الخدمة، بل بمَلكة الإبداع ومستوى الإنجاز وكفاءة الأداء)، وقد ترهلت عقولكم الشائخة - نتيجة للكسل العقلي والمكتبي - فلم تعد صالحة للتفعيل في الإدارة الحكومية الرشيدة" تحت عنوان " اانخفاض الحياء ورفع سن التقاعد" . عنوان مناسب حقا.
مشارك | 19/11/2016 على الساعة 05:38
تعليق
الى الاخ زكري: شكراجزيلا على الشرح اذ انني لسبب ما فهمت الموضوع بشكل خاطئ و كأن المتقاعد يصبح في وضع سيء ماديا بينما في الحالة المثالية هو يتقاضى نفس المكافئة دون عمل.
زكري | 18/11/2016 على الساعة 18:20
ردا على مشارك : الحل (جزئيا) هو تعديل و عصرنة نظام التقاعد
في دول الراسمالية الاجتماعية ، كألمانيا و فرنسا و السويد و النرويج و الدنمرك ، يركزُ الموظفون مطالبَهم و تضغطُ النقابات .. باتجاه (تخفيض) سن التقاعد إلى 50 أو 55 سنة . فتخفيض سن القاعد (عندهم) ، يعتبر من المكاسب التاريخية / الحضارية للموظفين .. بحق المواطنة ، و ذلك لأن الموظف الذي يتقاعد من العمل ، يحتفظ بكامل راتبه .. لا ينقص منه فلس واحد ، فضلا عن (استمرار) تمتع الموظف المتقاعد بالعلاوات السنوية و الزيادات و المنح ، مثله مثل زميله في الخدمة . أما رفع سن التقاعد (عندهم) فهو إجراء حكومي استثنائي (تقشفي) . و عندما لجأت الحكومة الفرنسية - سنة 2010 في رئاسة ساركوزي - لرفع سن التقاعد من 60 الى 62 ، قامت مظاهرات احتجاجية عارمة ، لم تتوقف الا بعد ان أوضحت الحكومة ان رفع سن التقاعد هو إجراء (مؤقت) . اما في دولة الامارات العربية المتحدة ، فقد رُفع سن التقاعد مؤخرا ، إلى 50 عاما ، بشرط قضاء 20 سنة خدمة . أما (عندنا) فكل شيء يجري بالعكس و بالمقلوب ! و السبب هو (تخلف) نظام التقاعد و افتقاده للعدالة ، مع غياب وعي الموظفين بحقوقهم و ضعف النقابات و دكتاتورية و فساد النظام و جهل ولا مبالاة الحكام
مشارك | 18/11/2016 على الساعة 15:40
تعليق
استطيع تفهم الحاجة لرفع سقف سن التقاعد و ذلك لأن المسن في ليبيا كثيرا ما يكون لا يزال يعيل افرادا من اسرته من اولاد او بنات نتيجة للبطالة و لكن ايضا نتيجة للحالة الامنية و انسداد الافق. اعتقد ان هذه القضية يجب ان تحل في ظل قضية اكبر و هي الاعتماد على الخزينة العامة للحصول على وظائف بينما المجتمع لا يحتاج كل هؤلاء الموظفين. اعتقد انه يجب البدء في تشجيع ثقافة العمل الحر الانتاجي حتى بين من تحصلوا على شهادات عالية و الا فمصير ليبيا الافلاس نتيجة الصرف على ملايين الموظفين الذين لا يعملون شيئا و لا ينتجون شيئا
زكري | 17/11/2016 على الساعة 20:59
الديمقراطية هي أولا ثقافة تراكمية لا زالت تنقصنا
للسيد م . ب : كما أن الإنسان - أي إنسان - هو محصلة عوامل عدة ، و هو ابن تاريخه الاجتماعي ؛ فهو أيضا ابن بيئته . و البيئة الليبية في عمومها ، بيئة متصحرة جافة ، كثبان من الرمال المتحركة التي تبتلع الخضرة و الماء . جبال صخرية جرداء ، أودية معزولة موحشة مفخخة بالمفاجآت غير الصديقة . و قليلة هي الواحات و مساحات الخضرة . فماذا إذن يُنتظر من إنسانها - في العموم - غير أن يكون جافا غليظا قاسيا عدوانيا ؟! و كما هي الواحات نادرة في هذه البيئة الصحراوية ، فكذلك هي الطباع السمحة و السلوكيات الحضارية و المشاعر الرقيقة و الوجوه الباسمة .. نادرة بين الناس (حتى من يعتبرون أنفسهم نخبة النخبة) . و فيما يخصني أتقبل بكل سعة الصدر أي نقد أو انتقاد ، على قاعدة الاعتراف للآخر بالحق في الاختلاف ، بشرط الابتعاد كليا عن الشخصنة و الكيدية ، و على أساس الالتزام بأدب الخطاب . و لا بأس من تضارب و صراع الأفكار ، تعبيرا عن حرية الاختلاف ، فالديمقراطية ثقافة قبل أن تكون صندوق اقتراع .
زكري | 17/11/2016 على الساعة 20:49
اليست ثورة ، بل انتفاضة شعبوية عمياء .. انتهت الى نكبة فادحة
لو تعلم - خوي شاكر معروف - كم هو سؤالك حارق و كبير ! و رغم أني أوضحت في عدة مقالات سابقة ، لماذا هي ليست ثورة ، و كيف استحالت إلى نكبة منذ سنتها الأولى ، فلا زال الأمر بحاجة إلى مزيد التناول الموضوعي ، بآليات البحث في (علم الثورة) لاستجلاء أبعاد هذا الحدث التاريخي . لكنها – من حيث المبدأ – ليست بالأصل ثورة ، بل مجرد انتفاضة شعبية عشوائية .. عمياء بلا تخطيط و لا برنامج و لا قيادة . فالثورة هي حركة تغيير جذري لواقع فاسد ، و استبداله بواقع جديد كليا اكثر تقدما و عدلا و إنسانية و تلبية لحاجات الناس المادية و المعنوية ، هي تغيير لواقع ظالم .. بكل بناه و علاقاته الاجتماعية و الاقتصادية و الثقافية و السياسية ، لصالح الأغلبية المسحوقة من الشعب . و هو ما لم يحدث و لن يحدث ، نظرا لانتفاء شروطه . ليس هذا ما كان شعبنا ينتظره بعد أربعة عقود من الاستبداد و الفساد والإفقار . ليس هذا ما دخلنا المعتقلات من أجله . ليس هذا هو ما كنا نحلم به و دفعنا ثمنه غاليا جدا . و التحولات التاريخية تقاس بمحصلتها ، و المحصلة هي نكبة .
م . بن زكري | 17/11/2016 على الساعة 19:08
لمن تُقرع الأجراس ؟
) للسيد سعيد رمضان : احترم انطباعك السلبي عن شخصي المتواضع ، فكلٌّ يرى من زاوية نظره ، و يقيّم الأمور بمعايير خلفيته الفكرية المغايرة - بل و المناقضة - للآخر . و أزعم أني أحاول إضاءة أكثر من شمعة . لكني لا أدعي لنفسي أية بطولة ، فلست منقذا ، و ليس لأي شعب من منقذ غير نفسه . فقد سقطت فكرة البطل الفرد المنقذ إلى غير عودة . 2) للأستاذ الدكتور خالد الناجح : رغم أن الأمر يبدو عبثيا ، لجهة الإجابة عن السؤال : لمن نكتب ، و ماذا نكتب ، و لماذا نكتب ؟ فليس لنا إلا أن نكتب .. فلعل و عسى . 3) للسيد زيدان زائد : لا عليك ، فقد توضح اللبس . و يظل أدب الخطاب و اتزان لغة الحوار مطلوبين دائما . و جل من لا يخطئ .... (شكرا لكرم تفضلكم بالمرور) .
م.ب | 17/11/2016 على الساعة 18:10
لماذا التنابز بين كُتّابنا الأفاضل ؟! لعله الايقو
لماذا يكثر بين كتابنا الادباء ، التعليقات الساخنة والملتهبة الحارقة ، وأنتم كتاب أدباء و تحسنون اختيار الكلمات الرقيقة التي لا تسئ الي احد وتصيب القصد من النقد !؟ اعتقد انها الاّراء السياسة المتباينة ولكن حتي السياسة تحتاج الي دبلوماسية ،لا والكتابة بالاسم الحقيقي زيادة في إمعان التوكيد، ،شن شايل الواحد منها ، والكلمة الطيبة صدقة ربما تحتاجها في ذاك الموقف الرهيب وتنقص حسنة واحدة ، و واحدة فقط فانظر ماذا تري ؟!( وهنا لا اقصد الكاتب بعينه بل غيره ) ، ، غفر الله لنا جميعا !!!!
شاكر معروف | 17/11/2016 على الساعة 17:53
عاشق فبراير رغم الجراح
خوي محمد بن زكري اولا شكرا علي شجاعتك الأدبية ،وثانياً اعملت مبضعك علي الأورام بدون تحذير مسبق حتي أني خِلْت من تعنيهم يتصايحون ،جعلها الله لك ذخرا يوم تلقاه، !؟ لكن توقفت عند كلمة نكبة فراير ، والله أني احسبها كانت ثورة شعب خرج في وجه طاغية لكنها سرقت وحيّدت عن مسارها بفعل بعض ابنائها اللغير مخلصين لمواطنيهم ولا لبلادهم حتي أذاقوهم ذلا وهوانا، فماذا تقصد ياخو محمد نكبة فبراير !؟ ارجو منك التوضيح ولَك مني كل تقديرى احترام
زيدان زايد | 17/11/2016 على الساعة 09:47
الأستاذ الفاضل محمد بن زكري ( اعتذاري اليك ايها المبجل )
لقد حدث ألتباس في تشابه بين لقب زكري ز وبين لقب محمد بن زكري ذاك المدعو تهجم علينا انا والاخ البهلول وعندما رديت عليه انا بعبارة زمزاك التي يقابلها متزلف وظننت أنت انك المقصود واعتذر اليك وعذري تشابه الالقاب
خالد المبروك الناجح | 17/11/2016 على الساعة 08:30
القربة مشروكة !
.... ولكن لا حياة لمن تنادي ؟!. جُلّهم لا يقرأون ومَن يقرأ سيسخر منك ومنّا إن كان من المسؤولين وستعمّق جراحه إن كان من المسحوقين . لا أدري متى سننتفض إن كان كلّ هذا لا يستفزّنا ؟.
سعيد رمضان | 17/11/2016 على الساعة 08:27
بفضلكم تحولت فيراير الى نكبة
يا أخى بدلا من أن تلعن الظلام أشعل شمعة ،أسلوب التعالى والمكابرة فى الكتابة يزيد الطين بلة ،ماذا قدمت أنت وغيرك من الجهابذة لثورة الشعب الليبى فى فبراير سوى التشكيك والأحباط والبكاء على الأطلال ،ماهكذا يكون النقد البناء ،تتظاهر بأنك العلامة الكبير والعارف بكل شىء ولم نرى منك أى حلول لنكباتنا ومصائبنا ،تتهجم على الجميع وتسخر من الجميع ،ولايعجبك العجب ونسمع منك جعجعة فقط ولانرى أى طحين ،حاول أن تخاطب الناس بلغة متفائلة لتبعث فيهم روح الأمل من جديد ،الآن فقط أصبحت فبراير نكبة ؟لاحول ولاقوة الابالله ،ألم تسأل نفسك عن الذى رمانا على المر ؟
آخر الأخبار
جميع المقالات والأراء التي تنشر في هذا الموقع تعبر عن رأي أصحابها فقط، ولا تعبر بالضرورة عن رأي إدارة الموقع