مقالات

سالم قنيبر

الآلهة في حياة الشعوب (2)

أرشيف الكاتب
2016/06/25 على الساعة 19:12

1-  نوح في القرآن الكريم...

وكان اتخاذ الآلهة وتجسيدها تماثيل حجرية أصناما قد تفشت في المجتمعات البشرية وتأصلت منذ مرحلة مبكرة من تَـكَوُّن تلك المجتمعات. ويخبرنا القرآن الكريم عن قوم نوح الذين كانوا يعبدون الأصنام، ويتمسكون بعبادتها ويرفضون المساس بمعتقداتهم، ويأبون سماع ما ينال من قدسيتها، ويواجهون دعوة نوح المكلف من عند الله بهدايتهم إلى عبادة الله والتخلي عن عبادتها.

- وهذا نوح يشتكي إلى ربه ويصف موقف قومه من دعوته، التي تزداد نفرتهم من قبولها أو مجرد الاستماع إليها وهو يتابعهم ويلاحقهم، ويعمل على تبليغهم الرسالة جماعة وفرادى، سرا وعلانية، وفي الخفاء والجهر، لكن ذلك لم يزدهم إلاًّ ابتعادا عنه ورفضا لما جاء به وتمسكا بعبادة آلهتهم... {قال ربي إني دعوت قومي ليلا ونهارا. فلم يزدهم دعاءيَ إلاًّ فرارا. وإني كلما دعوتهم لتغفر لهم جعلوا أصابعهم في آذانهم واستغشوا ثيابهم وأصروا واستكبروا استكبارا. ثم إني أعلنت لهم وأسررت إسرارا}. (نوح  5-9)

- ولم يستجيبوا للترغيب بما سينالهم من الخير.. وما يغدقه الله تعالى عليهم من أسباب النعيم في الدنيا من الأموال والبنين والجنات والأنهار، إذا ما تخلوا عما هم فيه من الضلال واتجهوا إلى الله تعالى بالتعظيم والتوقير مستغفرين... ولم يستقبلوا توجيه نوح لهم  للتأمل في أطوار خلق الله لهم، وخلق السماوات، وتفاوت نور القمر مع نور الشمس في طبقاتها. والأرض التي خلق منها الإنسان، ويعيده فيها ثم يخرجه منها بعد الموت، ويسرها لهم في الحياة  بما يوفر لهم أسباب العيش فيها.

- استغرقت دعوة نوح إلى قومه زمنا طويلا، واستقبلت بالترفع والعصيان والتكذيب، واتبعوا توجيه كبارهم إلى التمسك بما هم عليه من الكفر والضلال وعدم التـخلي عن آلهتهــم {وقالوا لا تذَرُنَّ  آلهتكم ولا تذرُنَّ وَدًّا ولا سُواعًا ولا يغوث ويعوق ونَـــسْرًا}. (نوح 23)... ويروى البخاري عن ابن عباس... أن تلك الأصنام "كانت أسماء لقوم صالحين من قوم نوح، فلما هلكوا أوحى الشيطان إلى قومهم أن انصبوا في مجالسهم التي كانوا يجلسونها أنصابا.. وسموها بأسمائهم ففعلوا فلم تعبد، حتى إذا هلك أولئك وتُــنُـوسِخ العلم عُبِـدت". (تفسير ابن كثير ج4 ص 304)

2- نـــوح في العهد القديم...

لم يرد في سفر التكوين ما يشير إلى رسالة نوح إلى قومه، ولم يتطرق إلى عبادة للأوثان كانت قائمة عندهم.... ولم يكن غضب الرب الذي حل على الإنسان في ذلك الزمان كما يرد في  الرواية الإسرائيلية في سفر التكوين بالعهد القديم،  بسبب تجاهله لدعوة نوح إلى عبادة الله والإعراض عنها.... وإنما وقع غضب الرب على الإنسان بسبب الشرور التي كان يرتكبها في جميع أعماله مما جعله يندم على خلقه ويأسف على إيجاده في الأرض... وحده نوح الذي نال رضى من الله، فأمره بصنع الفلك لينجيه وبنيه وامرأته ونساء بنيه من الهلاك الذي سيحل بكل البشر... "(.. ورأى الرب أن شر الإنسان قد كثر في الأرض. وأن تصور أفكار قلبه إنما هو شرير كل يوم. فحزن الرب أنه عمل الإنسان في الأرض وتأسف في قلبه. فقال الرب أمحو عن وجه الأرض الإنسان الذي خلقته، الإنسان مع بهائم ودبابات وطيور السماء، لأني حزنت أني عملتهم. وأما نوح فوجد نعمة في عيني الرب.". (سفر التكوين إصحاح 6/5-8)

3- آلهة العرب في الجاهليـة...

- عمرو بن لُحي الذي "يجر قُصْـبَه (أمعاءه) في النار"، كما ورد في الحديث الشريف (المصدر السابق ص 93).  نسب إليه أنه أول من غير ديانة إسماعيل، وهو الذي قام بنصب الأوثان في الحرم ودعا الناس  إلى عبادتها.

- وتعددت الروايات في شأن ابن لُحي وتكاثرت، ومنها أن تابعه من الجن أمره بالتوجه إلى جدة، حيث يجد الآلهة التي كانت تعبد في زمن نوح وإدريس، وطلب منه أن يحملها ألي مكة ويدعو الناس إلى عبادتها، وبذلك انتشرت في بلاد العرب عبادة الأصنام. (السيرة لإبن كثير ج1 ص 62)

- ورواية أخرى تقول بأن عمرو بن لحي خرج من مكة إلى الشام في بعض أموره، وعندما قدم مآب بالبلقاء.. وجد الناس يعبدون أصناما قالوا إنها تستجيب لدعائهم، فتبعث لهم بالمطر وتنصرهم وقت الحاجة، فطلب منهم الحصول على واحد منها ليحمله إلى أرض العرب، فأعطوه واحدا يدعى هبل، فقدم به مكة فنصبه وأمر بعبادته وتعظيمه. (سيرة إبن هشام ج1 ص95)

- كذلك نسب إليه الدعوة  لبناء بيت على صخرة اللات واتخاذها إلها يعبد. وقيل إنه الذي أدخل الأصنام مع الله في التلبية مجاراة للشيطان الذي تمثل له ملبيا: "لبيك لا شريك لك إلا شريكا هو لك، تملكه وما ملك" فقالها عمرو ودانت بها العرب. (سيرة ابن كثير ج1 ص 62-65)... وذُكر أيضا أنه هو الذي نقل تمثالي إساف ونائلة المنصوبين فوق الصفا والمروة، ووضعهما على زمزم... فطاف الناس بالكعبة وبهما، وعبدا من دون الله. (سيرة إبن كثير ج1 69-70)

- ومن ضمن الأسباب التي ذكرت عن عبادة الحجارة وتفشيها عند القبائل العربية أن من كان يغادر مكة مهاجرا من أهلها كان يحمل معه حجرا من حجارة الحرم، وحيثما نزل يضعه ويطوف حوله كطوافه بالكعبة، وأدى ذلك بهم بتقادم العهد إلى عبادة ما ينحتونه من الحجارة، مستبدلين بها دين إبراهيم وإسماعيل. (السيرة النبوية فبن هشام ج1 ص 95-96)

- انتقلت عبادة أصنام قوم نوح إلى العرب في الجاهلية، وتقول مصادر أخبارهم إن الذين عبدوا تلك الأصنام من ولد إسماعيل، حين فارقوا دين إسماعيل، هذيل، اتخذوا سواعا برهاط من أرض ينبع... وكلب من قضاعة، اتخذوا وَدًّا بدومة الجندل... وعَبَدَ يغوث أَنعُمْ من طي.. كذلك أهل جرش من مذحج... وفي اليمن اتخذت خَـيْوان ـ بطن من همدان ـ يعوق.. إلها لها بأرض همدان... كما عبدت نَسرا ذو الكلاع من حِمْير، بأرض حِمْير في اليمن. (السيرة النبوية لابن هشام ج1 ص97-98)

- عرف العرب في جاهليتهم آلهة كثيرة، وكانت بعض القبائل تختص بإله معين أو أكثر، وأعدت لها معابد أو بيوت (طواغيت)، على نسق الكعبة لها سدنة وحُجاب يقومون على أمرها  وتُهدِي لها كما تُهدِي للكعبة، وتطوف بها كطوافها بالكعبة وتنحر عندها. (سيرة ابن هشام ج1  ص 101)

- ومن تلك الآلهة التي يتردد ذكرها، هبل الذي اتخذته قريش إلها، ونصب تمثاله في جوف الكعبة. وصنمي إساف ونائلة، أقيما على موضع زمزم قبل إعادة حفرها وكانوا يقومون بالنحر عندهما، وقيل إنهما كانا رجلا وامرأة من جرهم أحدثا في الكعبة فمسخهما الله حجرين. وكانت العُزى أيضا من آلهة قريش تشارك في عبادتها كنانة، وكان لبيتها بنخلة سدنة وحجاب من بني سليم. (الروض الأنف للسهيلي ج1 ص105)

- ومنها أيضا مناة، ببيتها وسدنتها.. وكان  يعبدها الأوس والخزرج وآخرون من أهل يثرب. كذلك اللات ومعبدها بالطائف... يعبدها ويقوم على أمرها ثقيف... وعميانس بأرض خولان الذين كانوا يجعلون له نصيبا من أنعامهم وحرثهم... وذًكر أن سعدا إله بني ملكان بن كنانة كان صخرة بفلاة من أرضهم يذبح فوقها الهدي... وذو الخلصة لدوس وخثعم وبجيلة وكانوا يستقسمون عنده بالأزلام. وكانت طيء، وكذلك من يليها بجبلي طيء،  سلمى وأجا، يعبدون قِـلْس.. ورُوي عن سلمى وأجا قصة مشابهة لتلك التي ترددت عن إساف ونائلة. وبيت عِبادة بني ربيعة كان يسمى رضاء... وذو الكعبات، كان البيت لبكر وتغلب وإياد. والى جانب هذه الآلهة العامة وجدت آلهة خاصة لكل عائلة، اتخذها أهل كل دار يتمسحون بها ويسألونها قضاء الحاجة. (السيرة النبوية لابن هشام ج1  ص194-101)

- هذا المظهر للحياة الدينية عند العرب في جاهليتهم، لا نكاد نجد له أثرا في تراثهم الثقافي المتمثل في الشعر الجاهلي، الذي عبر عن مختلف معالم حركة حياتهم الاجتماعية، بأعرافها وتقاليدها وقيمها. وقد يكون للإسلام الذي حارب عبادة الأصنام واجتثها وقضى عليها أثره في إغفال ما ورد عن تلك الأوثان والطواغيت وتجنب ما يُـذكِّر بعبادتها.

يتبع.....

سالم قنيبر
بنغازي، السبت، 20 رمضان 1437 - 25 يونيو 2016

كلمات مفاتيح : مقالات ليبيا المستقبل،
لا تعليقات على هذا الموضوع
إستفتاء
هل انت متفائل بان ليبيا ستخرج من ازمتها قريبا؟
نعم
لا
نعم ولكن ليس قريبا
+
إعادة
لمتابعة ليبيا المستقبل
جميع المقالات والأراء التي تنشر في هذا الموقع تعبر عن رأي أصحابها فقط، ولا تعبر بالضرورة عن رأي إدارة الموقع