مقالات

د. فتحي الفاضلي

"جذور الصراع في ليبيا" (12)

أرشيف الكاتب
2016/06/25 على الساعة 18:50

التصادم مع المدنيين:

منذ ان اصبحت ليبيا جمهورية، باسم الجمهرية العربية الليبية، مرت على البلاد فترة لم يتضح فيها الإطار السياسي الذي ستحكم به من خلاله. فرأى البعض ضرورة عودة الجيش إلى الثكنات وتسليم البلاد إلى هيئات مدنية، وتبني البعض الآخر الاتحاد الاشتراكي العربي كإطار للعمل السياسي، على غرار ما كان معمولا به في مصر، كما رأى آخرون ضرورة العودة إلى البرلمانات، ورأى رجال الثورة أن تكون السلطة العليا في أيدي أعضاء مجلس قيادة الثورة أنفسهم. واستمر هذا الجدل قرابة ثلاث سنوات ونصف، وبالتحديد حتى 15 ابريل 1973م، الموافق 12 ربيع الأول 1393هـ (ذكرى المولد النبوي الشريف)، فأعلن القذافي ما أسماه بـ "الثورة الشعبية"، التي لخصت أهدافها في خمس نقاط، أصبح كل منها قانونا للدولة، وهذه النقاط هي:

  1. تعطيل القوانين المعمول بها الآن واستمرار العمل الثوري.
  2. طهير البلاد من جميع المرضى والمنحرفين الذين يمثلون قوى الثورة المضادة.
  3. الحرية كل الحرية لجماهير الشعب الكادحة وليست للمترفعين على الجماهير.
  4. إعلان الثورة الإدارية بواسطة الجماهير التي ستحاكم طبقة البرجوازية العازلة.
  5. بدء الثورة الثقافية ليتحقق العالم ويشهد أن فكر ثورة الفاتح من سبتمبر ينبع من الإسلام.


وبناءا على النقطة الأولى اصبحت ليبيا تحكم بالقوانين العرفية، وكان الغاء القوانين المعمول بها من اخطر القرارات التى اتخذتها السلطه، لانها كانت تكفل نوعا من الأمن والأمان للناس. كما لم تسن قوانين بدلا من تلك التى الغيت حتى تنظم العلاقة بين السلطة والمواطن من جهة أخرى، بل سُنت قوانين جديدة يحاسب المواطن بها اشد المحاسبة.
وبناءا على النقطة الثانية والثالثة اصبح الكتاب والأدباء والمثقفون والمتعلمون، والنخبة بصفة عامة، عرضة لتهمة الترفع والتكبر، وعرضة للاتهام بالمرض والانحراف، ومساندة القوى المضادة للثورة، فسجن الكثير منهم وارغم ممن ينتمي منهم الى احزاب اسلامية وغير اسلامية (1) على الظهور على شاشات التلفزيون والاعتراف بانسحابهم او نفض ايديهم عن المجموعات او الأحزاب التى كانوا ينتمون اليها، وطلب ممن كانوا لا ينتمون منهم الى تلك الاحزاب، ان يقدموا تعهدا بالتعاون مع الثورة، وعدم معارضه مسيرتها او قراراتها. واما الذين رفضوا الانسحاب من احزابهم او جماعاتهم، او رفضوا التعاون مع الثورة، بقوا فى السجون حتى توفى بعضهم فيها، وخرج آخرون بعد أكثر من خمسة عشر عاما، قضوها فى السجن، ولايزال آخرون داخل السجن، ولا يعرف مصيرهم حتى هذا التاريخ.
واصبحت مؤسسات الدولة واداراتها، بناءا على النقطه الرابعة، التى تسمى بالثورة الإدارية، تدار بواسطة لجان منتخبة من بين العاملين فى تلك المؤسسات او الادارات، بصرف النظر عن تخصصاتهم او كفاءتهم او رغباتهم، واطلق على هذه اللجان اسم "اللجان الشعبيه". وأُقفلت بناءا على النقطة الخامسة - أو الثورة الثقافية - الصحف، أو أممت وآلت إلى الدولة، كما اقفلت المكتبات، وأحرق وصودر الكثير من الكتب، وأصبح النشر والتوزيع من مهمات وزارة الاعلام التابعة للسلطة. وتعتبر الثورة الشعبية - 1973م - أول تصادم رئيسي بين السلطة والشعب (2). وانقسم الناس في رؤيتهم لهذه الأحداث، فاعتبرها البعض سحابة صيف، ستمر سريعا، بينما أعتبرها البعض الآخر أكثر جدية من ذلك، وأنها قد تؤدي إلى إسقاط النظام نفسه. وبدأت المعارضة السلمية لقرارات النظام تنتشر في طول البلاد وعرضها.
وبعد الانتهاء من تصفية النخبة المثقفة في 1973م (3)، أتجهت الدولة إلى تطبيق بند "التطهير" في الأوساط الطلابية في المدارس والجامعات. فحاولت التدخل في النشاط الثقافي للطلاب الذين أصروا على مقاومة السلطة والسير في تطبيق برامجهم الثقافية، كما أصروا على استقلالية إتحادهم. فأصدرت السلطة قانونا يلزم الطلبة بالتدريب العسكري في أوقات تتعارض مع سير الدراسة وبرامجها، وأطلقت على هذا القانون قانون "التدريب العسكري العام" وذلك في 1974م. وكان من أهم الأهداف غير المباشرة لهذا البرنامج، تهديد الطلبة والتحكم فيهم والسيطرة عليهم داخل المعسكرات. فخرجت مظاهرات طلابية ضخمة تندد بهذه المحاولة وتندد بتدخلات السلطة في قوانين الجامعة.
وتقدم الطلبة بمذكرة أكدوا فيها قبولهم للتدريب العسكري، لكونه واجبا وطنيا، ولكنهم اشترطوا و ضع برنامج مناسب للقيام بذلك. وطالبوا في نفس الوقت باستقلالية الجامعة عن أية وصاية، وهددوا بالاعتصام إذا ألقت السلطة القبض على أي من الطلبة. وأمام إصرار الطلبة، اقتحمت القوات المسلحة مبنى الجامعة ومساكن الطلبة، وقبض على مجموعة كبيرة منهم (33 طالبا من جامعتي طرابلس وبنغازي، وطالب من مدرسة شهداء يناير الثانوية)، وأطلق سراحهم بعد مدد قصيرة نسبيا. وأستطاعت السلطة أن تمتص نقمة الطلبة بعد هذه الأحداث، بل استطاعت أن تؤلب الناس عليهم بحجة أنهم غير راغبين في حماية البلاد عسكريا. واستطاعت أن تنشر الفتنة بين القطاع الطلابي والقطاع العسكري، وأن تزيد من عمق الهوة بينهم، وتؤلب كل منهما على الآخر لتتصاعد بذلك الفرقة بين أبناء البلاد.
وقد أرادت السلطة بإصدار قانون التدريب العسكري العام أن تضرب الطلبة بالجيش، وقد أفسد هذا القانون فعلا العلاقة بين القطاع الطلابي والجيش. كما أرادت السلطة أيضا إخضاع الطلبة لسيطرتها ونجحت في ذلك لفترة معينة. وتعود أولى محاولات السلطة في الفتنة بين الطلبة والجيش إلى فبراير 1972م، وذلك عندما نشرت صحيفة "الجندي" مقالا بعنوان "هيئة التدريس بالجامعة الليبية والذوق والأصول" تهجمت فيه على أعضاء هيئة التدريس مما سبب اضطرابا في الجامعة أدى إلى قيام الطلبة بإضراب عام احتجاجا على ما جاء في المقال. وقد جاء المقال بعد أن أعلن أعضاء هيئة التدريس رغبتهم في عدم تدخل السلطة في التدريس، ورغبتهم في عودة الجيش إلى ثكناته. ومما جاء في ذلك المقال: قول الصحيفة "لقد أُثبتت هيئة التدريس بالجامعة الليبية، أنها دون المستوى الذي كنا نعتقد أنها عليه، لقد تقيأ بعضهم أفكاره المسمومة عن حقده الأسود دون وازع أو ضمير، وخلاصة القول: إننا نستطيع أن نلخص أفكارهم- أي أعضاء هيئة التدريس- قي النقاط التالية:

  1. أنانيون لا يهتمون إلا بمصالحهم الذاتية.
  2. لا يفكرون في الجماهير الكادحة بل يفكرون قي علاواتهم ومزاياهم فقط.
  3. لا يحرصون على الميزانية العامة.
  4. سمحوا للبلطجيين (مصطلح لا يستعمل في ليبيا) بالكلام غير المسؤول وغير الواعي.
  5. أحرجوا رئيس الجامعة الذي سعى لهم في الاجتماع (صدر هذا المقال بعد اجتماع أعضاء هيئة التدريس بالقذافي) والذي يمثل الجانب العاقل والواعي في الجامعة كلها، مع بعض أعضاء هيئة التدريس.
  6. منهم من يحمل مؤهلا عاليا في إحدى المواد دون أية ثقافة اجتماعية أو سياسية أو أدبية.
  7. منهم من هو ثوري وعاقل وواع، غير أن البلطجيين هم الذين أقسدوا عليه الجو وطغت أصواتهم عليه.
  8. منهم (أي من أعضاء هيئة التدريس) من يعتقد أنه كل شئ وبدونه لا تسير الأمور، ونسي أن الوطن العربي مليء بالكفاءات التي لا يساوي هو بجانبها شيئا.


وقد أثار هذا المقال غضب الطلبة وهيئة التدريس معا، فزاد إصرارهم على عودة الجيش إلى ثكناته وعدم التدخل في الدراسة، مما أغضب بالتالي القطاع العسكري ضباطا وجنودا. وهكذا وقعت الفتنة بين القطاعين. وعندما أُعلن التدريب العسكري العام، كانت آثار تلك الفتنة لا زالت باقية. وقد سخط الطلبة بصفة خاصة والشعب بصفة عامة على ذلك القانون. ليس لأن قوانين التدريب العسكري العام جاءت على حساب البرامج الدراسية وأوقاتها فحسب (حيث يفرض على الطلبة التدريب أتناء انعقاد الدراسة وعلى فترات مختلفة مما تسبب في اختلال البرامج الدراسية وتسبب في انخفاض مستوي التحصيل العلمي)، ولكن بسبب القسوة البالغة التي عومل بها الطلبة قي كثير من المعسكرات، حيث أدت التدريبات العسكرية العنيفة إلى وفاة بعض الطلبة، وانتهي الأمر إلى سقوط الطلبة والجيش كضحايا للسلطة نفسها.
وفي أواخر 1975م، أتسعت دائرة التصادم عندما قررت الدولة احتواء الإتحاد العام لطلبة ليبيا والسيطرة عليه، وتحويله إلى هيئة تابعة للدولة، وذلك عن طريق ترشيح أعوانها لإستلام الإتحاد. كما قررت أن تُنشيء إتحادين مختلفين أحدهما للمدارس الثانوية والآخر للجامعة حتى تفصل نشاط الطلبة عن بعضه بعضا من جهة، وحتى تزيد من فرصة نجاحها في السيطرة على المدارس من جهة أخرى. وفي يناير 1976م، نجحت السلطة في تشكيل اتحاد من بعض أعوانها، فما كان من الطلبة إلا أن أصروا على تشكيل اتحادهم المستقل. وكان من نتيجة ذلك أن أقتحمت القوات المسلحة مبني الجامعة، وأخذت بالتنكيل بالطلبة فجرح منهم الكثير، وخرج الطلبة على إثر ذلك في مظاهرات ضخمة اشتركت الجماهير معهم فيها. وكان رد فعل النظام هذه المرة عنيفا بشكل فاجأ حتى مؤيديه، حيث انتهت هذه المظاهرات بقتل طالبين كانا من ضمن المتظاهرين في ذلك الوقت. وأتيح للسلطة تبرير الحادث وتغطيته بسهولة ويسر لأن احتمال القتل الخطأ كان واردا في مثل تلك الظروف.
وتفاعلا مع هذه الأحداث قرر الطلبة في جامعة طرابلس، تضامنا مع الطلبة في جامعة بنغازي، أن يقوموا بالاعتصام. ثم قرروا التظاهر داخل العاصمة ليوسعوا من دائرة المشاركة في الاحتجاج على ممارسات السلطة. فتداركت السلطة هذا الأمر بعدة وعود للطلبة بتسوية قضاياهم والاستجابة إلى مطالبهم. وقبل الطلبة بإيقاف المظاهرات والاعتصام، بعد أن وضعوا بعض الشروط التي قبلتها السلطة والتي منها: التحقيق في أحداث جامعة بنغازي وتحديد المسؤول عن دخول مسلحين إلى الجامعة، وإيقاف الاصطدام بالجماهير، وإيقاف إطلاق النار عليهم، وإطلاق سراح المعتقلين من الطلاب.
ويبدو أن السلطة كانت تعمل لكسب الوقت، ففي إبريل من نفس السنة (1976م)، وبعد أربعة أشهر من موافقتها على مطالب الطلبةاقتحمت مجموعة مسلحة من أعوان النظام الجامعة الليبية في طرابلس وبنغازي، وأخذت تضرب الطلبة والطالبات دون هوادة، شاهرين أسلحتهم، مهددين بالموت كل من يقف ضد الثورة، مطالبين بتطهير الجامعة ممن أسموهم بالرجعيين والمتعفنين وغيرها من الصفات الشبيهة بها. وتم خلال هذه الأحداث القبض على أكثر من (100) مائة طالب وطالبة، وفصل (59) تسعة و خمسين طالبا، فصلا نهائيا، وطرد ثلاثة وعشرين (23) لمدة سنة واحدة. وكانت أكبر خسارة أصابت النظام من جراء هذه الأحداث، أن أخذ يفقد رصيده الذي اكتسبه في فترة التمكين جزءا جزءا.

الجماهيرية:

وبعد أربعة سنوات من إعلان الثورة الشعبية، أي في مارس 1977م، الموافق 12 من ربيع الأول (ذكرى ميلاد الرسول صلى الله عليه وسلم): أعلن العقيد القذافي بيان "سلطة الشعب"، والذي تحولت ليبيا بمقتضاه إلى "الجماهيرية العربية الليبية الشعبية الاشتراكية"، بدلا من "الجمهورية العربية الليبية". ومن النقاط التي جاءت في ذلك البيان:

  1. يكون الإسم الرسمي لليبيا "الجماهرية العربية الليبية الشعبية الاشتراكية".
  2. القرآن الكريم هو شريعة المجتمع في الجماهيرية العربية الليبية الشعبية الاشتراكية.
  3. السلطة الشعبية المباشرة هي أساس النظام السياسي في الجماهيرية العربية الليبية الشعبية الاشتراكية، فالسلطة للشعب ولا سلطة لسواه، ويمارس الشعب سلطته عن طريق المؤتمرات الشعبية والروابط المهنية ومؤتمر الشعب العام، ويحدد القانون نظام عملها.
  4. الدفاع عن الوطن مسؤولية كل مواطن ومواطنة، وعن طريق التدريب العسكري العام يتم تدريب الشعب وتسليحه وينظم القانون طريقة إعداد الإطارات الحربية والتدريب العسكري العام.


وانتشرت في الفترة من بداية الثورة وحتى إعلان سلطة الشعب، شعارات ومصطلحات جديدة في ليبيا مثل: الشعب يحكم نفسه بنفسه، والشعب سيد الجميع، والشعب هو الحاكم، والتمثيل تدجيل، ولا نيابة عن الشعب، ومن تحزب خان، والثورة والسلطة والسلاح بيد الشعب، ولا سيد ولا مسود، ولا رئيس و لا مرؤوس، وغيرها من المصطلحات التي تدعو إلى شعبية السلطة و توزيعها على امتداد أفقي واسع.

الإرهاب يصل إلى الشارع:

وبعد شهر واحد من إعلان سلطة الشعب، صعدت السلطة موقفها مع الطلبة بصفة خاصة، ومع المدنيين بصفة عامة، عندما قامت في إبريل 1977م، بشنق ثلاثة من شباب ليبيا في إحدى ساحات مدينة بنغازي، وهم عمر علي دبوب، ومحمد الطيب بن سعود، وعمر الصادق الورفلي (المخزومي)، بالإضافة إلى عامل من جمهورية مصر العربية، يدعى أحمد فؤاد فتح الله. وبُثت العملية مباشرة، عبر أجهزة التليفزيون، إلى كل بيت في ليبيا، فكانت هذه العملية بداية فتح بوابات العنف العلني ضد المدنيين. وأيقن الناس - عقب تلك العملية - أن هذا النظام لم يعد نظاما شعبيا محبوبا، ولم يعد البديل الذي أنتظروه طويلا. واعتبروا شنق المدنيين في الشوارع رسالة إلى الأمة بفتح بوابات الدم. وأصبح الشعب منذ ذلك اليوم يتعامل مع السلطة بصمت. وأثرت هذه الحادثة في طبيعة العلاقة بين النظام والشعب منذ ذلك الوقت وحتى يومنا هذا. لقد كان هذا الحادث صفعة أخمدت حماس المواطنين واندفاعهم نحو الثورة. لقد شكل السابع من إبريل 1977م، إنذارا وتهديدا من الدولة إلى المدنيين الذين ظنوا أن الثورة منهم وإليهم، فانطلقوا يؤيدونها بحماس منقطع النظير. كانت تلك الحادثة أيضا طلقة - خاطئة الهدف - أرسلها النظام لينتبه الناس إلى وجود الدولة والسلطة، وليتيقنوا أن عليهم احترامها وتقديرها. وأصبح المواطن يتوقع في هذه الأجواء التي يغلفها الرعب، أن يكون هو الضحية الجديدة، فأخذ يعمل جادا، أن لا تكون جثته مرشحة للتعليق في المرة القادمة. وكانت هذه العملية العلنية، هي أول عملية شنق علني منذ خروج الإيطاليين.

التصادم مع العسكريين:

أما في الجانب العسكري، فقد تمثل التصادم بعدة محاولات انقلابية، بلغت ما لا يقل عن ثلاثة عشر محاولة، كان أولها عام 1970م، وكان اهمها ذلك الذي حدث في أغسطس 1975م (4) وقاده بعض أعضاء مجلس قيادة الثورة أنفسهم، وراح ضحيته عشرات من "الضباط الوحدويين الأحرار" من الذين قاموا "بالثورة" في 1969م. وقد هدف الانقلاب إلى تصحيح الأوضاع، والعودة بالهيكل السياسي للدولة، إلى الشكل المتعارف عليهوالأكثر تنظيما واستقرارا، معارضين بذلك خط "الثورة الشعبية" الذي تبناه القذافي. وأسفرت أغلب المحاولات عن كثير من التغييرات الجذرية في بنية الجيش الليبي، فلم تعد النظم السائدة في الجيش الليبي هي المتعارف عليها بين الجيوش الأخرى، بل أصبحت فئات من خارج الجيش، ذات ارتباطات قبلية أو ولاءات وتحالفات مع السلطة تديره وتتحكم فيه. وتحول الجيش إلى مؤسسة تقاد بهياكل بعيدة عن تركيبته الإدارية. ولم يعد للكفاءة أو الأقدمية مجالا فيه. وفسدت العلاقة بين الجيش والسلطة، بعد أن اعتبرت السلطة أن الجيش مصدرا من مصادر الخطر الرئيسية عليها. وكان إعدام 22 ضابطا من أكفأ القيادات العسكرية في ليبيا، رميا بالرصاص، من أكبر الضربات التي تلقاها الجيش الليبي، وكان جلهم من "الضباط الوحدويين الأحرار". حدث ذلك في اليوم الثاني من إبريل 1977م. وأستمرت السلطة في محاربة الجيش، فظهرت مقالات تنده بالقوات المسلحة، وكان أشهرها، مقال نشر في 21/3/1983م، تحت عنوان "الجيش... حشيش وطيش"، هوجمت فيه القوات المسلحة، واتهم الضباط والجنود بأنهم: "يبيعون الحشيش ويهربون الخمور ويتمتعون بسلع لا يتمتع بها المواطن العادي ويقطنون القصور الفخمة وغيرها من التهم"، وبناءا على كل ذلك، ظهر مشروع تدمير الجيش أو حله وإستبداله بقوى أخرى.
وتطور الانفصام بين السلطة والجيش إلى أعلى درجاته، بظهور مشروع حل الجيش، ومحاولة تطبيق مشروع تجييش المدن أو مشروع الشعب المسلح، الذي سيحل محل الجيش التقليدي. وكان ميزان القوى يسير بعلاقة عكسية بين اللجان الثورية والجيش، فكلما قلت سلطات الجيش ومكانته، كلما ازدادت قبضة اللجان الثورية قوة، إلى أن حلت اللجان الثورية أخيرا، محل الجيش، وأصبحت القوى التي يعتمد عليها النظام في السيطرة على البلد حتى الآن. وكان اول إعلان لحل الجيش يعود تاريخه إلى 1979م، وذلك في الاجتماع الأول للعقيد معمر القذافي بالضباط الوحدويين الأحرار. ولا يزال النظام يعمل جادا لحل الجيش الرسمي، وإحلال الجيش الشعبي محله. فقد أعلن بعد مرور عشرين عاما على الانقلاب الذي قام به الجيش؛ إلغاء القوات المسلحة وإحلال الشعب المسلح مكانه!! وهدفت كل هذه الجهود إلى إضعاف مكانة الجيش وتقليص مشاركته في السلطة حتى تقل فرص القيام بانقلاب يزيل السلطة الحالية. وإذا قبلنا جدلا بهذا الاتجاه كإجراء أمني، فإن البلاد ستظل من الناحية العملية معرضة للخطر. وذلك لأن المؤسسة العسكرية بشكلها الحالي، وبتدخلات أطراف عديدة في شؤونها وغياب التنسيق بين قطاعاتها وتقطيع أوصالها وتركيزها على أمن السلطة أكثر من أمن البلاد (وهي قضية يعاني منها العالم العربي منذ أكثر من نصف قرن)،  يجعلها غير قادرة على أداء أبسط واجباتها وهو حماية البلاد من أي غزو خارجي. وليست الغارة الأمريكية على ليبيا عنا ببعيد.
والى اللقاء.. باذن الله.. مع الحلقة الثالثة عشر.. والحديث عن.. تأسيس اللجان الثورية.. وإغراق الوطن في مستنقع الارهاب.

د. فتحي الفاضلي
فبراير- 1992م
- راجع الحلقات السابقة بــ (أرشيف الكاتب)

* لقد اصدرت الكتاب في فبراير 1992م في ولاية ميزوري، واستطاع بعض الاصدقاء تهريب نسخ منه الى ليبيا، تم تداولها سرا، وعلى رقعة واسعة في ذلك الوقت. وسأنشر الكتاب كما هو بلا تغيير أو إضافة او تعديل. والله ولي التوفيق.

هوامش:

  1. اصدرت الثورة في 1972م قانون اسمته قانون "تجريم الحزبية" يعاقب بالإعدام كل من ينتمي إلى حزب. كما كتبت مقولة "من تحزب خان" في الشوارع والمكاتب والأسواق وغيرها من الاماكن العامة. 
  2. تعود أول محاكمات للمدنين في الدولة إلى بداية الثورة حيث شكلت محكمة الشعب التي حوكم فيها رجال العهد الملكي، و تعود أول حرب تشنها السلطة على الصحافة إلى يناير 1972م، حيث حوكم رؤساء تحرير ما يقارب من خمس عشرة صحيفة،  مع مجموعة أخرى من اكفأ المذيعين في ليبيا بتهمة التواطؤ مع العهد الملكي وعدم مهاجمته والتصدي له (ولم يستسغ الشعب الليبي هذه المحاكمات). وهذه الصحف التي حوكم رؤساء تحريرها والمشرفون عليها هي: الأمة، الحرية، الحقيقة، الرائد، الرقيب، الريبورتاج، الزمان، الشعلة، طرابلس الغرب، الطليعة، العمل، العلم، الفجر، ليبيا الحديثة.
  3. اقام اعضاء مجلس قيادة الثورة في بداية الانقلاب ندوة اطلق عليها "ندوة الفكر الثوري"، اشترك فيها نخبة من الكتاب والادباء والمفكرين من ليبيا. و قد اعتبر الكثير من الليبين أن تلك الندوة كانت فخا نصبه مجلس قيادة الثورة لكشف التوجهات الفكرية للمشاركين في هذه الندوة. ولا نرى ذلك لأن اغلب تلك التوجهات كانت واضحة - حتى بدون هذه الندوة - ولكنها كانت فرصة لمعرفة المتسلقين والمصلحيين والمتزلفين والوصوليين، وقد كان ذلك.
  4. قاد الانقلاب الرائد عمر المحيشي، ثم هرب إلى تونس ومصر ثم استقر به المقام في المغرب حيث تحصل على اللجوء السياسي فيها، ثم سلمه الملك الحسن الثاني، ملك المملكه المغربية إلى السلطات في ليبيا.
إستفتاء
هل توافق علي مقترح “القطراني”: مرحلة انتقالية تحت سلطة الجيش بقيادة حفتر؟
نعم
لا
+
إعادة
لمتابعة ليبيا المستقبل
جميع المقالات والأراء التي تنشر في هذا الموقع تعبر عن رأي أصحابها فقط، ولا تعبر بالضرورة عن رأي إدارة الموقع