مقالات

علي المقرحي

عرض لملف العدد التاسع من “عراجين" (5)

أرشيف الكاتب
2016/11/13 على الساعة 15:44

(الثورة الليبية وخيار التحول الديموقراطي)

د. الشيباني أبوهمود

بعد إستعراض لأمثلة من الإختلافات والخلافات في الرؤى والتفسير التي أحاطت بالأحداث التي شهدتها المنطقة العربية في عام 2011م ومن بينها ما حدث في 17 فبراير في ليبيا، بداية من تسمية تلك الأحداث وحتى خيارات البناء التأسيسي المستقبلي لتلك الدول، يناقش الدكتور أبوهمود موضوعه في هذه الورقة، متناولاً ما لوحظ بعد تلك الأحداث من سرعة اللجؤ إلى صناديق الإقتراع كوصفة سحرية لنقل هذه الدول من حالة الثورة إلى حالة الدولة، وهو ما رتب (فق طرحه) ضرورة التساؤل حول مدى قدرة الديموقراطية بشكل عام على بناء الدول!، وكذلك أهمية تقييم التجربة الليبية الحديثة للبحث عما يمكن عمله لإخراج البلد من المآزق التي يرسف فيها.

فحتى بعد مضي أكثر من خمسة أعوام على قيام ثورة السابع عشر من فبراير، مايزال الليبيون مختلفين حتى على تسميتها، فكل يسميها وفقاً لمنطلقه السياسي وزاوية رؤيته وتقييمه لها، فتعددت تسمياتها بين (الإنتفاضة والهبّة والنّكبةً، بل وحتى المؤامرة)، وقد كان الأستاذ محمد حسنين هيكل قد سبق الجميع، وأنكر على ماحدث في تونس ومصر وليبيا واليمن وسوريا وصف الثورة، واعتبره مجرد (حالة ثورية) على اعتبار أن هذه الثورات لم تكن محددة الأهداف، ومفتقرة للقيادة السياسية والأيديولوجية، والواقع أن الإختلاف حول تسميات وأوصاف الأحداث ليس بالظاهرة الجديدة على المجتمع الليبي، كما أنه من الصحيح أن هذا النوع من الجدل هو سياسي بالأساس، يدور بين خصوم سياسيين، لكنه يجد في الفقه ما يسانده، فبعض الفقهاء يعتمدون ما يُعرف بالمعيار الشكلي تعريفهم للثورة، وهو معيار يشترط خروج الشعب على الحاكم لإحداث التغيير، في حين يركز جانب آخر من الفقه على التغيير العميق في الواقع السياسي والإقتصادي والإجتماعي والثقافي الذي يُحدثه فعل التغيير للحكم على مدى جدارته بوصف الثورة من عدمها.

وأيّاً كان الوصف الذي أطلق على موجة الربيع العربي، فمما لا شك فيه أن هذا الخلاف المجتمعي قد إنعكس على نتائج هذا الربيع وعلى رؤية القوى التي قادت هذا التغيير حول الأسلوب الأمثل لإدارة المراحل الإنتقالية في البلدان الثائرة وحول شكل ومضمون الأنظمة السياسية المراد استحداثها لإدارة شؤون هذه البلدان.

أولاً / الديموقراطية وبناء الدول:

منذ انهيار الإتحاد السوفييتي عام 1991م، ساد اعتقاد عام بأن البشرية قد وصلت إلى نهاية تاريخ طويل من البحث عن النظام السياسي الأمثل الذي يكفل للإنسان كرامته، وحصوله على الإعتراف المنشود، فالديموقراطية وكما وصفها الرئيس الأمريكي( إبراهام لنكولن) تمثل (آخر أمل للبشرية)، منذ ذلك التاريخ تم التسويق إلى أن الديموقراطية، على الأقل في شقها الشكلي المتمثل في اللجؤ المنتظم إلى صناديق الإقتراع، هي مفتاح حل القضايا العالمية الكبرى التي تؤرق البشرية، والمتمثلة في التنمية واحترام حقوق الإنسان وإحلال السلام العالمي، وساد خطاب سياسي دولي يربط بشكل وثيق بين انتشار الديموقراطية وإحداث تنمية في البلدان الفقيرة وفرض المزيد من الإحترام لقواعد حقوق الإنسان، وأيضاً بين انتشار الديموقراطية وإنهاء الحروب وإحلال السلام الدائم بين دول العالم، وظهرت في حينها كتابات عالمية كثيرة لإثبات هذه العلاقة، ولدفع الدول الكبرى لاعتمادها كاستراتيجية عالمية يقوم عليها ماعرف وقتئذ بالنظام العالمي الجديد الذي دعا إليه الرئيس الأمريكي جورج بوش الأب عام 1991م.

هذا الإعتقاد قاد بالضرورة إلى نتيجة مفادها أن الأنظمة الدكتاتورية هي سبب التخلف وسبب انتهاكات حقوق الإنسان وسبب الحروب، ولا بد بالتالي من نشر الديموقراطية في العالم للتخلص من هذه الآفات الثلاث، وقد أشار الرئيس جورج بوش الإبن في خطاب تتويجه الثاني عام 2005م إلى أن (أمن أمريكا يعتمد على نجاح وانتشار الحرية في العالم، وأن أفضل أمل في السلام في العالم يتوقف على انتشار الحرية فيه، لهذا فإن سياسة أمريكا ستقوم على تشجيع وتقوية المؤسسات الديموقراطية، بحيث يكون هدفها النهائي التخلص من الدكتاتورية في العالم).

إلى ذلك تم الغوص في التاريخ للبحث عن كتابات ووقائع تاريخية تؤكد فرضية العلاقة بين الديموقراطية وبين التحديات العالمية الكبرى التي يواجهها المجتمع الدولي، فوُجِدَ في كتابات (آدم سميث) ما يعزز حُجّة القائلين بأن الديموقراطية شرط للتنمية لقوله (إن الفقر ليس ظاهرة طبيعية، بل نتيجة لسياسات نظام الحكم)، وهي الفكرة التي تلقفها الحائز على نوبل للإقتصاد (أمارتيا صن) في كتابه الشهير (التنمية حرية) ليشير إلى أن مناخ الحرية الذي توفره الديموقراطية هو العامل الحاسم في تحريك عجلة التنمية، كما تم الرجوع إلى كتابات (إيمانويل كانط) حول السلام الدائم، الذي اشترط تحول أنظمة الحكم إلى الديموقراطية لكي يسود السلام في العالم.

وقد تبنى علماء السياسة الأمريكيون ما عُرف بنظرية (السلام الديموقراطي) القائمة على دراسات ذات طابع علمي تفيد بأنه منذ نشأت الديموقراطيات الحديثة لم تقم حرب بين دولتين ديموقراطيتين، وصارت تلك مسلمة أشار إليها الرئيس الأمريكي بيل كلينتون في خطابه حول حالة الإتحاد عام 1994م بقوله: (الديموقراطيات لا تحارب بعضها البعض)، كذلك لم يَلقَ أنصار فكرة أن (الديموقراطية هي الحل) كبير عناء في إثبات الصلة بين الديموقراطية واحترام حقوق الإنسان، على اعتبار أن واقع الحال في العالم يشير إلى أن حقوق الإنسان تُحتَرَمُ بشكل كبير في البلدان الديموقراطية، خلافاً لواقع الحال في البلدان الدكتاتورية. وبغض النظر عن مدى دقة هذه النظرية  التي لا يتسع المجال للخوض فيها ونقدها، إلّا أن العالم تلقّفها وتم تقديم الديموقراطية كوصفة سحرية لحل مشكلات البشرية.

وتجدر الإشارة إلى أنه في بداية الحركات الديموقراطية التي قادتها الطبقات البورجوازية في القرن التاسع عشر في كل من بريطانيا وفرنسا، تم تقديم الديموقراطية بهذا الشكل (أي كوصفة سحرية لحل مشكلات البشرية) حيث تم إقناع العامة، وحسب تعبير أحد رموز تلك الحركات (كلود تايلر) بأن (الإقتراع العام يجلب الرخاء العام، وبأن صناديق الإقتراع تجلب معها رغيف الخبز) المهم هنا هو أن هذا الخطاب السياسي قد حُوِّلَ إلى سياسة دولية تقوم على اجتهادات قانونية لعديد الوثائق الدولية وتم ربط شرعية الحكومات بلجؤها إلى صناديق الإقتراع من عدمه، واعتبرت الولايات المتحدة الأمريكية على لسان رئيسها السابق رونالد ريغان، أن الدفاع عن أنصار الديموقراطية والحرية هو دفاع شرعي، فظهرت نظريات التدخل الإنساني والديموقراطي، والسيادة المشروطة، وغيرها بهدف نشر الديموقراطية في العالم، وطبقت سياسة نشر الديموقراطية في العالم بشكل صريح وواضح في العديد من المناسبات، ليس فقط عن طريق ربط المساعدات الإقتصادية للعديد من البلدان النامية بضرورة تحول مؤسساتها إلى مؤسسات ديموقراطية، بل بالتدخل الصريح لفرض ذلك بالقوة، مثلما تدخلت الولايات المتحدة في الدومينيكان عام 1965م، وفي قرينادا عام 1983م، وفي بنما عام 1989م، ونيكاراجوا بين عامي 1979 و 1990م، وفي غيرها من الدول كالعراق 2003م، وفي جميع هذه الحالات كانت الديموقراطية هي المبرر، ولم تغادر القوات الأمريكية أراضي هذه البلدان إلّا بعد إجراء انتخابات ديموقراطية فيها.

ولم تصمد الأمم المتحدة أمام هذا التيار الجارف، وسرعان ماتبنت الخطاب ذاته، ولم يفوت أمينها السابق مناسبة دون أن يؤكد على أن الديموقراطية هي سلاحهم لمواجهة ثالوث التحديات المتمثل في (التنمية، واحترام حقوق الإنسان، والسِلم الدولي) بل أنه تقدم (ببرنامج للدمقرطة Agenda for democratisation) وطالب بأن تصبح الديموقراطية نموذج ممارسة السلطة على كل الصعد المحلية والدولية، وجسد( إعلان فيينا لحقوق الإنسان) 1999م هذا التوجه الدولي بشكل صريح وواضح، ووثّق نظرية العلاقة الطردية بين الديموقراطية والتنمية وحقوق الإنسان، ولأن من أبرز تداعيات انتهاء الحرب الباردة وأسرعها ظهوراً، كانت ظاهرة النزاعات الداخلية التي دمرت العديد من الدول وحولتها إلى دول فاشلة، فقد انبرت الأمم المتحدة للتصدي لهذه الظاهرة مستخدمة أيديولوجيتها الجديدة (الديموقراطية) في محاولة إعادة بناء هذه الدول، وقد اضطرت لذلك إلى استحداث ما عُرِفَ بنظام الإدارة الدولية الذي يختلف عن نظام الوصاية، في اعترافه باستقلال وسيادة الدول المستهدفة بشكل مسبق، وقد تجسد ذلك في تجارب اعتُبِرَت ناجحة، مثل الإدارة الدولية لكمبوديا و لتيمور الشرقية ولكوسوفو، ويمكن أن يقال الكثير في تقييم هذا النهج الدولي الذي ساد منذ لنهيار المعسكر الشرقي، حيث لا تلقي النتائج المتواضعة لهذا التوجه وحدها ظلالاً من الشك حول جدواه، بل أن أُسُسَه النظرية تظل قابلة للشك، فالديموقراطية نتاج بشري لا يقل أهمية عن كثير من الإختراعات العلمية التي غيرت وجه الكون، وقد مثلت الظاهرة السياسية الأبرز في القرن العشرين، وهي كما وصفها ونستون تشرشل (أسوأ نظام حكم إلا بالمقارنة مع أنظمة الحكم الأخرى الموجودة حالياً) تكمن قوتها في قدرتها على تقديم الإجابة المنطقية للسؤال - من له الحق في حكم الشعب؟ - بالقول: إنه من يفوز في صناديق الإقتراع . غير أن المشكلة تكمن في تقديمها كعصاً سحرية لحل مشكلات الشعوب، وكنموذج قابل للإستنساخ في كل زمان ومكان، وهو الخطأ الذي وقعت فيه شعوب العالم الثالث التي راهنت على صناديق الإقتراع للتخلص من الفقر والظلم والحروب والفساد.

وتفتقر نظرية ربط التنمية واحترام حقوق الإنسان وإحلال السلام إلى السند التاريخي مثلما لا يدعمها الواقع، فتاريخياً تطورت الدول الغربية اقتصادياً قبل أن تتحول إلى ديموقراطيات، فالتنمية هي التي أدّت إلى الديموقراطية وليس العكس، إنها الطبقة البورجوازية التي أرادت تحصين مكاسبها الإقتصادية فطالبت بحقها في التمثيل، ظهرت مقولة (لا ضريبة دون تمثيل no taxation without represention)، ولذا يقال: (لا ديموقراطية بدون بورجوازية) وقد عرف العالم الغربي الحريات قبل الديموقراطية بمفهومها الحديث الذي يعني حق التصويت للجميع، كما أن صناديق الإقتراع أوصلت دكتاتوريين عتاة مثل هتلر وموسيليني إلى سدة الحكم.

وبعد تعقبه لأثر الإنتخابات في دول العالم الثالث ودول الكتلة الشرقية سابقاً، وصل الباحث الأمريكي الشهير فريد زكريا إلى خلاصة دونها في كتابه الشهير (the future of freedom) تقول: أن الديموقراطية في تزايد ، والحرية في تناقص - وهذا يدحض نظرية العلاقة الطردية بين الديموقراطية واحترام حقوق الإنسان.

الحقيقة الأخرى هي، أن أنظمة الحكم مثلها في ذلك مثل القواعد القانونية، انعكاس للواقع السياسي والثقافي والإجتماعي الخاص بكل بلد، والديموقراطية كنظام للحكم لا يمكنها الخروج على هذه القاعدة، لذلك يسلم أنصار نشر الديموقراطية في العالم وعلى رأسهم السيد بطرس غالي، بأنه ليس للديموقراطية أية قيمة مالم تكن منبثقة من تفاعلات الواقع الإجتماعي لكل مجتمع، وإلّا فإنها لن تحقق السلام وستكون فقط مناورة لبعض الوقت. والمؤسف أن تجربة بلدان الربيع العربي، تدل على أنه قد تم القفز على هذه الحقيقة الموضوعية، وتعد ليبيا المثال الأبرز على ذلك.

ثانياً / التحول الديموقراطي في ليبيا، وخيار القفز في الهواء:

سيقت مبررات عديدة ولمدة طويلة لكون العالم العربي إستثناءاً من التوجه الدولي نحو الديموقراطية، وقد عزا البعض ذلك إلى العوامل الثقافية والإجتماعية، فيما أرجعه البعض إلى الأنظمة الحاكمة، وربطه بعض آخر بالدين الإسلامي الرافض (بزعمهم) لقيم ومفاهيم الديموقراطية، غير أن هبوب رياح التغيير بدأاً من 2010م غيَّر من تلك النظرة، ودفع كثيرين إلى إعادة تقييم دراساتهم، فصحيح أن المرض كان قد استفحل بالبلدان العربية، وكان الوضع يسير نحو الإنفجار، لكن الإجماع منعقد بين الأوساط السياسية والفكرية العربية والغربية على فجائية ثورات الربيع العربي، وتمثلت تلك العفوية في تلك البلدان بشكل عام، وفي ليبيا بشكل خاص، ليس فقط في عدم وجود قادة مخططين لما حدث، وإنما كذلك في عدم وجود أهداف واضحة يراد تحقيقها، فقد جرت سنن الثورات بأن يكون لكل ثورة قاعدة فكرية محددة تشكل العقيدة التي تتبناها شريحة كبيرة من الشعب، تقوم بالخروج على النظام القائم لخلق واقع قيمي جديد، قائم على تلك العقيدة المسماة بأيديولوجية الثورة، وقد كانت ثورات الربيع العربي كانت أكثر انسجاماً مع ثورات ما بعد الحرب الباردة، والتي ثارت فيها الجماهير لإزالة الأنظمة القائمة واستبدالها بأنظمة تتم إقامتها عبر صناديق الإقتراع فقط، دون أساس فكري نابع من الخصوصية الثقافية للشعوب الثائرة، بل أن الثورات العربية قامت على ما يبدو فقط لتغيير الرؤساء دون المساس بالنظام السياسي كمنظومة متكاملة مسئولة مسئولية مباشرة عما آلت إليه أوضاع الشعوب العربية.

هذه الطبيعة (العملية) للثورات العربية جاءت تصديقاً لنبؤة (فوكوياما) ومن قبله (هيجل) اللذَين رأيا في الديموقراطية الغربية الأيديولوجية النهائية للعالم، والتي أغلقت باب التاريخ، وشكلت نهاية لتاريخ البشرية الطويل المتمثل في الصراع بين المبادئ والعقائد المختلفة، فلا جديد بعد هذا الإنتصار إلّا في حدود بعض الإصلاحات الطفيفة داخل نفس الأيديولوجيا، وهكذا فمنذ تاريخ نهاية الحرب الباردة فإن كل الشعوب التي سوف تثور لاحقاً سوف لن تسعى إلّا للوصول إلى نهاية التاريخ هذه الذي انتهى بالنسبة لغيرها منذ زمن، وصحيح أن الثورات العربية لا تخلو بالمطلق من بعض التوجهات الفكرية الأصيلة والمتأصلة في المنطقة، وصحيح أيضاً أن الحضور الإسلامي كان واضحاً في هذه الثورات وهو ما شكل في حد ذاته ثورة على موروث لازمنا منذ العصر الأموي، ويقضي بعدم الخروج على ولي الأمر، لكن الحقيقة أيضاً أن متوسط أعمار شباب الفيسبوك الذين قاموا بالثورة لا يتجاوز العشرين سنة، مما يصعب معه التصديق بأنهم كانوا مؤدلجين، ثم أن شعار الثورة منذ اليوم الأول هو المطالبة بإسقاط القذافي (الشعب يريد إسقاط العقيد) كما أن خطاب جُلّ قادة الثورة من حقوقيين وإعلاميين ومعارضين سابقين يكاد يخلو من أية جُمَلٍ سياسية أو فكرة مبتكرة، ولم نجد في جله إلّا سيلاً من عبارات السب والشتم لنظام القذافي، اللهم إلّا قليلاً من العبارات الضحلة المرددة لبعض الأفكار المستوردة كدولة القانون، والدولة المدنية، والديموقراطية إلى آخره.

تمثلت فجائية الثورة بالنسبة للجميع في توقيتها، إذ كان النظام منتشياً بانفتاحه على الغرب وباعتقاده بأنه قد حل آخر وأعقد مشاكله، وخسرت المعارضة الضغط الخارجي على النظام والذي كان يوفره عداءه مع الغرب، وراحت تبحث عن تموضعات جديدة في الواقع الجديد، واستكان الشعب لمصيره ورأى في سياسة الإنفتاح ومشاريع التنمية في البنية التحتية أفضل ما يمكنه الحصول عليه من نظام لطالما حرمه من كل شئ، وبدأ الغرب يتسابق على جني ثمار تقارب القذافي معه، وغابت الأوضاع الداخلية في ليبيا عن خطابات مسئوليه.

جاءت الثورة لتثبت خطأ كل هذه الحسابات الأربعة، وبسبب فجائيتها لم يكن باستطاعة أحد التحكم في مجرياتها أو نتائجها، إن انعدام التخطيط والقيادة هو سبب التخبط الذي تعيشه بلدان الربيع العربي، ومنها ليبيا، والمفارقة أن من تصدروا الثورة، وفي محاولة للحصول على التأييد الدولي قد سوقوا الثورة على أساس أنها ثورة من أجل الديموقراطية وأنه بالديموقراطية سيتم بناء ليبيا وحل مشاكلها المزمنة، في تجاهل تامٍ للتطور التاريخي للمجتمع الليبي، وللمطالب البسيطة للمتظاهرين، بحياة أفضل من الوضع البائس الذي كانوا فيه وبذا فقد تمت الهرولة، أو كما سماها السيد (طارق متري) الهروب إلى صناديق الإقتراع لإعلان انتصار الثورة، فكانت النتيجة كارثية باعدت بين الناس وبين أحلامهم وطموحاتهم البسيطة في حياة كريمة، إن غياب القيادة والتخطيط قد أديا إلى تجاهل أبسط شروط ومقومات التحول الديموقراطي، والمتمثلة في النقاط الآتية:

1- سلطة تحمي عملية التحول الديموقراطي نفسها:

في كل تجارب الأمم المتحدة المشار إليها للدمقرطة عملت تلك الهيئة عبر إداراتها وقوات حفظ السلام التابعة لها، على بناء المؤسسات والأجهزة الإدارية والسياسية والقضائية والأمنية، وفي آخر مرحلة لجأت إلى صناديق الإقتراع لتحديد من يدير هذه الأجهزة، فعملية الصندوق كانت لاحقة على عملية خلق السلطة، والديموقراطية مثلها مثل حقوق الإنسان، لا يمكن أن تزدهر بدون وجود سلطة تحميها، فإذا كان جوهر الديموقراطية هو التداول السلمي للسلطة فالمنطق يقتضي وجود هذه السلطة ليتم تداولها، وعليه فالسؤال الذي يحق للجميع أن يطرحه هنا هو (ما هي السلطة التي سلمها المجلس الوطني الإنتقالي وحكومته إلى المؤتمر الوطني وحكومته؟) إن السلطة الوحيدة التي تم تداولها منذ ثورة السابع عشر من فبراير هي سلطة صرف الأموال من خلال تغيير الأشخاص المسئولين عن التوقيع، صحيح أن السلطة لا تُختزل في جانبها المادي فقط، وأنها في نهاية المطاف تعني مكنة اتخاذ القرار، لكن الحقيقة تظل هي أن القوانين أو القرارات التي تجعل من التزامات الآخرين معلقة على إرادتهم تفقد معناها القانوني المتعارف عليه، فمنذ سنوات والحدود البحرية والبرية والجوية، والسجون، والكتائب المسلحة، بل ومدن ومناطق بأكملها خارج سيطرة الحكومات المتعاقبة، الأمر الذي أضر بمصداقية هذه الحكومات لدى الشعب الذي تعود ولمدة أربعة عقود على سلطة مركزية غاية في الصرامة والتركيز، إن وجود السلطة يعني وجود الدولة نفسها التي يراد من الديموقراطية تحديد هوية من يديرها، والخيار الليبي باللجؤ إلى صناديق الإقتراع لخلق سلطة للدولة هو خيار يتنافى وطبيعة الأشياء، وقد شكل سابقة في تاريخ الأمم والشعوب، ولهذا كانت إنتخابات المؤتمر الوطني في يوليو 2012م قفزة في الهواء، عقّدت المسألة أكثر من مساهمتها في حلها، فالسلطة ضرورية ليس فقط لحماية الصندوق، وإنما لحماية مخرجاته وإلا فلا معنى لمشاركة الناس في عملية الإقتراع، والصدفة وحدها قادت إلى احترام نتائج انتخابات المؤتمر الوطني، ولأن كل طرف كان يعلم أن النتائج الرقمية لن تنعكس بالضرورة على أداء المؤتمر، وهو ما تم فعلاً عندما خسر تحالف القوى الوطنية رئاسة الوزراء على الرغم من فوزه الظاهر في الإنتخابات، وقد تنبّه المراقبون الدوليون مبكراً لفراغ السلطة المطلوبة لحماية مخرجات انتخابات البرلمان في يوليو 2014م، ولهذا أطلق السيد (طارق متري) دعوته الشهيرة للحوار بغرض تقاسم السلطة بغض النظر عن نتيجة الإنتخابات التي يعرف مسبقاً أنها لن تُحترم.

(يتبع….…)

علي المقرحي

* راجع الحلقات بـ (ارشيف الكاتب)

لا تعليقات على هذا الموضوع
آخر الأخبار
جميع المقالات والأراء التي تنشر في هذا الموقع تعبر عن رأي أصحابها فقط، ولا تعبر بالضرورة عن رأي إدارة الموقع