مقابلات وحوارات

ليبيا المستقبل في حوار مع الناشطة الحقوقية إلهام السعودي

ليبيا المستقبل | 2016/09/16 على الساعة 20:08

ليبيا المستقبل: يساهم المجتمع المدني في حماية وتحسين وضع حقوق الإنسان، كما يعمل على رأب الصدع في المجتمعات التي تعاني من الصراعات، والدفاع عن الفئات الضعيفة والفئات التي تعاني من التمييز، ومن مهامه أيضا مراقبة تنفيذ معايير حقوق الإنسان، والتبليغ عن الانتهاكات.. عن دور المجتمع المدني، في ليبيا، في بناء دولة ديمقراطية وحقوقية.. وعن العراقيل والصعوبات التي تواجهها منظمات ومؤسسات المجتمع المدني في ليبيا.. كان لنا هذا الحوار مع الناشطة الحقوقية إلهام السعودي (رئيسة منظمة محامون من أجل العدالة في ليبيا).....

ـ لنتعرف اولا علي إلهام... من تكون؟

سؤال صعب، من الصعب أن أعرف بنفسي، إلهام هي مواطنة ليبية، محامية، حقوقية، إلهام هي الأم والزوجة هي الأخت والبنت. ولكن أكثر شيء يعرفني هو أم وحقوقية. عندما أقول محامي فإني أقصي بعض الناس من الحوار، في حين عندما أقول، حقوقي فهذه المفردة، أكثر شمولا من كلمة محامي، أرى نفسي حقوقية وحدودي هي ما يضبطه القانون، فالقانون يعلى ولا يعلى عليه، ما يعنيني أولا وأخيرا حقوق الانسان، وما يساعدني في تحقيق هذا الهدف هو تطبيق القانون. فالأولوية بالنسبة لي أن أكون حقوقية أولا، ثم وفي مرتبة ثانية، محامية.

ـ محامون من أجل العدالة في ليبيا برزت في فبراير 2011، كمنظمة حقوقية ليبية وفي فترة قصيرة كان لها حضور بارز في المشهد الحقوقي الليبي، حديثينا عن التأسيس، اليات العمل، القيادات؟

كنا 6 أشخاص مقيمين بالخارج، في 5 مدن مختلفة من العالم، لم نكن نعرف بعضنا البعض قبل أحداث فبراير 2011، كنا نعمل على مساعدة البلاد من خلال مراكزنا كمحامين، ووسيلتنا الوحيدة في ذلك هي القانون. كانت فترة غريبة وفي نفس الوقت لها طعم خاص، ذلك لأننا استطعنا خلال فترة رغم قصرها بناء ثقة قوية بيننا كأعضاء، كان كل همنا الوطن، كان قضيتنا الوحيدة التي بددت كل الشكوك وساهمت في بناء هذه الثقة. كنا نعمل في بداية الأمر بطريقة تلقائية، لم يكن لدينا مخطط أو برنامج واضح، عملنا كان عبارة على ردة فعل لما تشهده الساحة الليبية آنذاك، مثال ذلك، عندما انتشر السلاح وأصبح في متناول الجميع، اتجهنا، حينها إلى المجلس الانتقالي واقترحنا عليه، تمرين الثوار على قوانين الحرب، وقمنا بإصدار كتيب بمثابة الدليل، الذي يشرح ويبين القوانين الحربية، وما هو ممنوع في الحرب، تم توزيعه على كل من سجل اسمه كمحارب باسم الثورة، بالإضافة إلى ذلك قمنا بإرسال هذه القوانين، وكل الشروحات وكيفية التعامل مع المساجين، عن طريق الارساليات القصيرة بالهواتف الجوالة، لكل شخص في ليبيا. بحيث يكون كل ليبي، حاملاً للسلاح، على علم بمبادئ وقوانين الحرب، ولو كانت بقدر بسيط، كثوار يجب أن لا يرتكبوا أية انتهاكات.

كما قمنا بمساعدة المجلس على ترجمة حاجيات المجتمع الليبي وما يستحقه من مساعدات للمجتمع الدولي، إلى جانب ترجمة القانون الدولي لفائدة المجلس وليبيا عموما، نظرا لخبرتنا بالقانون الدولي. أما الآن وبعد مضي 5 سنوات عن انشاء هذه المنظمة فلدينا الوقت الكافي للتخطيط على المدى الطويل والمتوسط والقصير، الآن أصبح لدينا مخططات وبرامج واضحة تتكون أساسا من خمسة برامج: البرنامج الأول هو المناصرة على المستوى المحلي وعلى المستوى الدولي، فقد ظللنا ولفترة طويلة المنظمة الوحيدة التي تحضر بجنيف، والناطقة باسم المجتمع المدني بليبيا، وهذا هو الاشكال أننا المنظمة الليبية الوحيدة، في المقابل قمنا بإنشاء تحالف مع 6 منظمات ليبية أخرى، عرفناهم على المناصرة الدولية وساعدنهم في معرفة آليات الأمم المتحدة، وحاليا نعمل معهم على المناصرة بصفة عامة.

أما البرنامج الثاني فيتعلق أساسا بالعدالة الانتقالية، وفي هذا الإطار نحن بصدد تأسيس أرشيف للانتهاكات التي عرفها الشعب الليبي، وسيكون أرشيفا وطنيا، وأنا فخورة بهذا الإنجاز نظرا لأهميته لا فقط لأننا نستطيع أن نعتمده في المحاكمات المقبلة، بل أيضا هو تدوين للتاريخ والحقيقة، حتى يتمكن المواطن العادي من معرفة ما جرى، من الضحية ومن الجلاد. هذا المشروع سيكون جزء منه على الخط، يستطيع مستعمل الإنترنت الدخول إليه وإضافة أي معلومة تخص الانتهاكات التي حصلت في تاريخ ليبيا، ثم نتبين نحن صحة المعلومات والأدلة المقدمة ونقوم بإضافتها للأرشيف إذا تبين لنا صحتها. كما بإمكان المصرح بهذه الانتهاكات أن يقوم بإرسالها بطريقة سرية ونحن نضمن له حماية معطياته الشخصية.

البرنامج الثالث وموضوعه التقاضي الاستراتيجي، نختار قضايا بالأساس لأهداف إنسانية، واستراتيجية، يكون وراءها هدف معين، نحن الآن نعمل على قضايا التعذيب بمختلف أنواعه وأسبابه، فمثلا يمكن أن يعذب الشخص بسبب انتمائه العرقي أو لونه او جنسه يعني هنا نجد ان السبب هو العنصرية بالأساس فنحاول قدر الإمكان ان نكون استراتيجيين في اختيار القضايا. لدينا قضايا في كل الآليات الدولية فلدينا قضية في الأمم المتحدة وقضية في المفوضية الأفريقية وقضايا في المحاكم الليبية. كما نسعى في برنامج السنة المقبلة، توسيع مجال تدخلنا ليشمل أيضا قضايا المفقودين واللاجئين، إلى جانب ذلك سنعمل على قضية التعليم في ليبيا، والتي تعتبر من أكثر المواضيع التي تشغلنا، فمنذ اندلاع الثورة إلى حد الآن عدد كبير من الأطفال الذين انقطعوا عن الدراسة بسبب الظروف التي تعيشها البلاد. الحق في التعليم هو حق أساسي، ومن حق هذا الجيل الذي حرم منه طيلة هذه المدة، أن يعود لمقاعد الدراسة.

البرنامج الرابع تحت عنوان ثقافة حقوق الانسان، ونعتبره خلل رئيسي في ليبيا، فعدد كبير من الناس غير واعية وغير مدركة بأنه وقع انتهاك لحقوقها. وتفاجأنا من خلال استفتاء قمنا به على 3000 ليبي، أن 67% منهم يجدون أن التعذيب مبرر، وغير ممنوع منعا باتا في بعض الأحيان، ويعتبرونه عقابا، وأسلوبا للاستجواب.

البرنامج الخامس هو الإصلاح القانوني، وعملنا يتمثل في مراجعة القوانين الليبية، حتى نتأكد من مطابقتها للقانون الدولي لحقوق الانسان. وعملنا في الفترة الأخيرة على مشروع الدستور، تحت عنوان مشروع دستوري، حيث قمنا بتوعية المواطنين حول أهمية حقوقهم، والأهم من ذلك أننا قمنا باستفتاء حول أهم الحقوق الدستورية بالنسبة للمواطنين، وقمنا بتقديمها للجنة إعداد وصياغة الدستور. هذا هو ملخص البرامج، هذه البرامج ليس مستقلة عن بعضها، تعمل بصفة متوازية وبنفس الوقت، يعني أعطيك مثال، لو أننا نعمل على تعديل في قانون فيجب أن نشتغل عليه مع برنامج مناصرة على المستوى المحلي والدولي أيضا، يوجد تنسيق على مستوى البرامج، تقريبا كل حملة تضم جميع البرامج.

ـ برامج كثيرة، تستعملون عدة عربات لتنفيذها، قمتم بإطلاق موقع "مشاهد" في الفترة الأخيرة، إلى جانب النشرة الإخبارية... لديكم أيضا الموقع الرسمي للمنظمة و"صوتي"... جهد جبار تقمون به. حديثينا عن "مشاهد" أولا... كيف استفدتم من هذا المنبر وكيف تفاعل المواطنين معه؟

في شغلنا، القانون وسيلة، وحتى لا يكون نظري وبعيد عن المواطن، نقوم بترجمة القانون ونعيد صياغة المواضيع القانونية ونعيدها الى المواطنين حتى يتمكنوا من حسن استخدامها. قبل كل شيء المواطنة فعل، وحتى تكون مواطن يجب أن تكون متفاعل مع القضايا فنحن نطلب من المواطنين أن يتجاوبوا معنا. مشاريعنا تعتمد أكثر على التفاعل مع الناس، ومشاهد هو أحد هذه المشاريع. كليبيين مستائين مما نشاهد في الاعلام من تحريض على الاجرام وعلى الكراهية وعلى الكذب وتسييس الاعلام. في مشروع صوتي، هدفنا هو أن نوضح للإعلاميين ما هو دورهم كإعلاميين من ناحية، ومن ناحية أخرى نوضح للمشاهد ما هو دوره كمشاهد، لأن دور المشاهد لا يقف عند السماع والمشاهدة فقط، او اختيار المحطة التي تتماشى واختياراته السياسية. المطلوب من المشاهد عندما يرى تحريض او أي خطأ يبلغ عنه والهدف طبعا من هذا العمل شيئين مهمين: أولا التدوين والتوثيق للانتهاكات وثانيا نحاول بهذه الأفعال أن نجعل الإعلام يغير من ذاته، من خلال رد فعل المشاهدين دون اللجوء إلى قوانين مقيدة للحريات، ولا أخفي هذه هي مخاوفنا إذا بالغ الإعلام وزايد ولوحظ أن هناك انتهاكات فرد الفعل الطبيعي أن يتقيد عن طريق القوانين او الرقابة، والحد من الاعلام وتقييده يعتبر خطيرا بالنسبة لدولة في طور البناء. هدفنا ألا نصل إلى هذه النقطة، نحن نعمل على دعم أو تأسيس التنظيم الذاتي للإعلام، من خلال دعم التواصل بين الجمهور والاعلام.

ـ خطاب الكراهية والتحريض على العنف في الإعلام امر خطير جدا وله تداعياته السلبية، وأنتم قد تعاملتم معه من خلال "مشاهد"، لكن برأيك هل توجد آليات وخطوات عملية أخرى يمكن للمؤسسات الحقوقية والمجتمع المدني اتخاذها للتعامل مع هذا؟

الآليات التي يمكن ان تكون فاعلة هي التي تصدر عن المواطنين، ليست تلك الآليات المسقطة يعني القوانين، نحن كمنظمة نرفض القوانين المقيدة للإعلام، هذا لا يعني أن الإعلام غير قادر على التقيد بسلوكيات معينة دون اللجوء إلى قوانين رادعة. في فترة ما سعينا لتأسيس ميثاق شرف بين الإعلاميين، لكن اكتشفنا أن هناك فرق بين ما كتب وما اتفق عليه وبين الواقع وتصرفات الإعلاميين، وهذه إحدى اهم الأسباب التي دفعت بنا إلى تأسيس مشاهد. وارتأينا كمنظمة أن نسعى أولا إلى تثقيف وتوعية الإعلاميين. إلى حد الآن هناك لبس في فهم حرية الاعلام وحرية التعبير وماهي قيودها، ثانيا ان نخلق ضغط على الإعلاميين لترتيب أنفسهم، وليكون هذا الضغط فاعلا، وترجى منه نتيجة يجب أن يكون من قبل الشعب، لذلك نحن نسعى لتمكين الجمهور من المراقبة وفي نفس الوقت معرفة الإعلاميين المخالفين والمحرضين. كما سيقع، بعد سنتين على الأقل، تكريم المحطات أو الإعلاميين النزهاء وبالتالي تحفيزهم أكثر.

ـ تكلمت على مشروع ضخم ومهم، نحن لا نتحدث عن مشروع مستقبلي وتصورات بل ما أنجزته المنظمة، محامون من أجل العدالة قامت بعدة مشاريع لفائدة الوطن، هذا الأمر يحتاج إلى جهد وإلى تمويل. من أين يأتي تمويلكم؟

سأشرح لك ذلك، لكن أريد أن أقول أن الممولين الرئيسيين لمحامون من أجل العدالة في ليبيا، قد انسحبوا، نظرا لتصنيف ليبيا دولة فاشلة من قبل المجتمع الدولي. المشاريع التي وعدونا بها لم يتبقى في عمرها إلا أشهر قليلة للأسف، ورغم ذلك انسحبوا، لأن المشاريع لن تكون مؤكدة على الأرض، فمحامون من أجل العدالة في ليبيا لا يملك حاليا إلا تمويل شهرين على الأكثر ثلاثة أشهر، مع كل هذه المشاريع والبرامج. فللأسف يمكن ان يتوقف نشاطها في مؤخر هذه السنة. تاريخيا، كان هناك ثلاثة أطراف تقوم بتمويل محامون من أجل العدالة في ليبيا، الطرف الأول وهم المحامون الذين كونوا المنظمة، والطرف الثاني وهم الدول والسفارات الأجنبية في ليبيا، إذا وجد تناسق بين ما تقدمه المنظمة وبرنامج السفارة فيكون التمويل. اما الطرف الثالث في التمويل فيتمثل في الممولين المحترفين. كنا نحاول أن يكون هناك توازن بين تنويع التمويل، حتى نطرد كل الشبهات، رغم أن لدينا شروط واضحة في التمويل، في عديد المرات رفضنا التمويل بسبب أنه مقيد أو تصحبه شروط. وحفاظا على مصداقيتنا، يجب تفادي أي تشكيك في نزاهتنا أو أهدافنا. لان أهدافنا واضحة وغير مسيسة وغير منحازة لأي طرف. لذلك من الصعب أن نقبل تمويل من أي طرف خاصة وان كان مسيسا او ينتمي إلى تيار سياسي معين.  رفضنا عروض تمويل مهمة، رغم أنه لا يوجد أي تأثير أو شروط أو قيود معينة، لا لشيء إلا لأنهم يتنمون إلى أحد أطراف النزاع في ليبيا. لأن مجرد القبول يزرع الشك. هدفنا أن يرانا الجميع نمثلهم. وبسبب هذه السياسة، نحن الآن ندفع الثمن، فأغلب إن لم نقل كل الممولون قد انسحبوا.

 

 

ـ إلى جانب إشكاليات التمويل، ماهي الصعوبات والاشكاليات الأخرى التي تواجهونها؟

اول مشكل محسوس هو المشكل الأمني، لدينا مكتب في لندن، وأيضا مكتب بليبيا، فتأمين المكتب بليبيا وتأمين الموظفين الذين يشتغلون به، هو أمر صعب، إلى جانب ذلك فإن زملاءنا بليبيا أكثر أعمالهم تكون بمناطق النزاع. المشكل الثاني هو التشكيك، دائما، في النوايا، وهذا أيضا أمر متعب، نحن نعمل على برامج ومشاريع، ونحاول قدر المستطاع في عملنا ان نكون محايدين، رغم ذلك لا مفر من التشكيك، لأننا للأسف كليبين وأنا أيضا، تربينا على التشكيك في أي عمل. كمنظمة نبذل مجهود وطاقة كبيرة لنؤكد للمواطنين بأن كل برامجنا واعمالنا، الهدف منها مصلحة الوطن وليس تحصيل مناصب سياسية أو غيرها. المشكل الثالث يتمثل بالأساس في كيفية جعل الموظفين يواصلون عملهم بالمنظمة رغم الصعاب التي تواجههم، زملائي من جميع دول العالم، مؤمنون بالقضية الليبية، المشكل في كيفية جعل ايمان فريقك في القضية فعال، رغم الانتقادات اليومية، ورغم أن النتائج غير واضحة، ورغم صعوبة التنقل والمخاطر التي تواجههم. نحن أسسنا المنظمة بهدف العمل في ليبيا، ولكن لا نستطيع نظرا للظروف الحالية التي تمر بها البلاد، من أصعب التحديات، المحافظة على معنويات فريقك سليمة، وان تكون لديه النية لمواصلة العمل دون أن يفقد الأمل.

ـ موضوع الحصانة موضوع مهم تطرقتم له في عدة تقارير، خاطبتم أيضا الجنائية الدولية بالخصوص، خاطبتم جهات أخرى... ما مدى خطورة هذا الموضوع من وجهة نظركم؟ وهل عمليا وفي ظل غياب الدولة في ليبيا يمكن أن نحقق فيه أي إنجاز؟

الموضوع واضح ولا يحمل أية صعوبة، إذا لم تتوفر المحاسبة والتقاضي، فلن يتحقق السلام في ليبيا. ثقافة الإفلات من العقاب، هي من أخطر الثقافات التي يمكن أن تكون سائدة في الدولة، وقد عشنا هذه الحالة في فترة حكم القذافي، ورثنا هذه الثقافة ولا تزال موجودة إلى حد اليوم، إذا لم نحترم القانون، فسيكون القانون السائد، هو قانون الغاب. الدولة هي من تفلت من العقاب الآن، بحجة أننا في فترة انتقالية وفي فترة أزمة، المحاسبة والتقاضي من مسؤوليتها وإذا هي غير قادرة على إنجازها فيجب محاسبتها وهنا تكمن خطورة الموقف الذي نراه في ليبيا الآن. السلطات الليبية اعترفت بعدم قدرتها على التقاضي والسيطرة على السجون في ليبيا، وهذا حقا أمر مخجل وغير مقبول، من واجب الدولة تأمين المواطنين وإعطاءهم حقوقهم وتوفير كل احتياجاتهم. إن كانت الدولة غير قادرة على السيطرة على السجون ومحاكمة المتورطين في النظام السابق والمليشيات المسلحة، فكيف لها أن تطالب بالسلاح لمحاربة تنظيم الدولة. أكثر الأشياء التي تهدد البلاد وتمثل خطرا كبيرا هي ثقافة الإفلات من العقاب.

ـ والمؤسسات الدولية التي توجهتم إليها ما الذي تستطيع عمله؟

نفس الثقافة، الكل يبحث عن الحل السياسي أولا، لو أنّ الحل السياسي يكون غير مصاحب بشروط حقوقية لن يكون حلا، الحل السياسي الليبي مفتوح، الأشخاص الذين وقعوا على الحل السياسي، عدد كبير منهم أقدموا على انتهاكات لحقوق الانسان، فتكون مكافئتهم هي إعطائهم دور في الدولة المستقبلية، ماذا سيكون الحافز بالنسبة للأفراد الحاملين للسلاح لتطبيق القانون. كل خطوة على المستوى السياسي على مستوى القوانين الصادرة منها قوانين الحصانة وقوانين الاعفاء، كلها تمثل مصدر ضعف لحكم القانون في ليبيا وأكبر مصدر ضعف هو الدستور.

ـ أنتم أطلقتم حملة دستوري، كانت لكم اعمال كثيرة في هذا الموضوع، كما تواصلتم مع الهيأة التأسيسية لإعداد مشروع الدستور الليبي. ما هو تقييمكم لعمل الهيأة حتي الان؟ وكيف ترون هذا المشهد؟ وهل فعلا بالإمكان استصدار دستور في ظل دولة منقسمة علي نفسها؟

لا، هذا الجواب البسيط، الدستور مرآة للمجتمع، اختيار تاريخ ترسيخ الدستور له أهمية، بما أنه سيعكس تلك الفترة، سيرسخ ثقافة الدولة ومبادئها للمستقبل، فهل تعتبر الفترة الحالية التي تعيشها ليبيا، هي مناسبة للتعريف بالشخصية الليبية والثقافة الليبية او الكيان الليبي او الدولة الليبية او ما هي مبادئنا وماهي أولوياتنا، هل تعتبر أحسن فترة في تاريخ ليبيا؟ برأي الدستور ضرورة، صحيح، ولكن ليس في الوقت الحالي، لسبب بسيط لأنه سيرسخ المشاكل التي تعيشها البلاد في الوقت الحالي ويكون ضعيفا. وأشير في هذا الإطار إلى أن المسودة الأخيرة للدستور أضعف من المسودة السابقة ويرجع ذلك أساسا إلى السياسة المتبعة والمتمثلة في إيجاد حلول وسطية ترضي جميع الأطراف. الدستور لا يمثل مرآة المجتمع فقط إنما هو أمل للمستقبل، يتضمن أكثر حقوق من الموجود حاليا. من خلال تواصلنا مع أعضاء اللجنة، عرفنا أنها تتضمن عناصر ممتازة تعمل بجد لكن ظروف العمل غير مناسبة والوضع غير سليم، في بعض الأحيان يكون ردهم نضع الدستور أولا حسب المعطيات التي نمتلكها الان، ثم نقوم بالتعديل. إذا كانت فكرة تعديل الدستور موجودة من قبل إرساءه فهو بالتأكيد دستور فاشل. لأن الدستور آلية مقدسة لا تتغير إلا في الضرورة القصوى.

ـ دعينا ننتقل إلى الحوار السياسي الليبي الدائر، هل كان لكم دور في هذا الحوار؟ او أي تعامل مع الأطراف المتحاورة؟

ليس بطريقة رسمية، لأنه رسميا لم يكن هناك دور للمجتمع المدني، حتى المشاركين من المجتمع المدني كانت مشاركتهم كنشطاء سياسيين. فلما وقعت دعوتنا على هذا الأساس كان ردنا نحن نشطاء حقوقيين ولسنا نشطاء سياسيين. وعند مطالبتنا بأن يكون للمجتمع المدني والحقوقي مجال للتدخل لم نجد ردا إيجابيا. طريقة تفاعلنا مع الحوار كانت عامة من خلال تقارير او بيانات صحفية او مراسلات، بعثنا حتى مراسلات مفتوحة تتضمن أولوياتنا كما وجهنا مراسلات للأنظمة الراعية للحوار، بعثنا للأمم المتحدة، حيث بلغناهم ان إطار عملهم غير سليم لأنه لا يتضمن مشاركة حقوقيين، ولا يحتوي مبادئ حقوق الانسان كجزء أساسي. الحوار اقتصر على الطرفين الأساسين في ليبيا، لانهما الأوصياء على ليبيا خصوصا وأن هذا أمر خطير ويهم مستقبل ليبيا وبالتالي المجتمع المدني بصفة عامة ليس الحقوقيين لم يكونوا أطراف رئيسية في الحوار.

الأطراف السياسية المعترف بها في الحوار، لا تمثل الواقع الليبي، وغير مؤثرة في الواقع الليبي، من وجهة نظري الشخصية، أن يقع الاعتراف بالأطراف المسيطرة فعلا على الأرض، وتتحاور معهم، مع رؤساء المليشيات لإيجاد حل سياسي معهم، وهذه طريقة يمكن ان تأتي بنتيجة، او يقع تمكين الشعب من المشاركة من خلال المجتمع المدني، لكن الحوار لا يشمل الأفراد الفاعلة ولا المعنيين بالقضية، الأفراد الذين يمكن للمجتمع الليبي والمجتمع الدولي على حد السواء أن يتقبلهم. وجدناه في الأخير غير معبر على أرائنا وغير قادر أن يفعل أي تغيير على أرض الواقع. طرابلس محمية من قبل ملشيات، ماهي قدرتك كطرف سياسي أنك تحكم بالقانون أو تحاكم ملشيات أنت تعتمد عليهم لتحقيق سلامتك الشخصية.

ـ  لنعود إلى الانتهاكات والمشهد الحقوقي في ليبيا، كيف ترينه؟ كيف تصفيه؟

الوضع في ليبيا سيء للغاية، أعطيك بعض الاحصائيات، على كل 5 عائلات في ليبيا هناك عائلة لديها فرد مفقود أو وقع اختطافه، الأرقام مرعبة، أكثر من 80% من المقبوض عليهم وقع تعذيبهم، 48% من الليبيين يستحقون إعانات. الانتهاكات موجودة ومقبولة من قبل المسؤولين، القضية أصبحت قضية شخصية لكل ليبي. لا يمكن أن تكون قضية حقوق الانسان نظرية فقط أو غير مهمة في مثل هذه الحالات فالدولة أو السلطة التي تتبنى هذا الفكر قد حكمت على نفسها بالإعدام. الانتهاكات بليبيا متكررة وبصفة يومية في ظل غياب الرقابة والمحاسبة وثقافة الإفلات من العقاب، ومع دولة مبتسمة وراضية عن هذا الوضع. المجتمع الدولي راضي عن هذا الوضع، ولكن في المقابل يصرح هذه دولة فاشلة ولا يمكننا مساعدتها.

ـ أين (ميزان

توقف إصدارها بسبب غياب التمويل، حاليا لدينا فقط النشرة الشهرية. ميزان من المشاريع التي قمنا بها وكانت بالنسبة لي مصدر فخر. لكن للأسف نقص التمويل دفعنا للتخلي عن هذه المجلة.

ـ المجتمع المدني في ليبيا بدأ بالتكاثر بعد ثورة فبراير 2011 وظهرت العديد من المؤسسات والمجموعات، ولكن على أرض الواقع لا نرى نتائج ملموسة من هذه المنظمات. ما هو تقييمك للمجتمع المدني في ليبيا؟ ما هي سلبياته؟ وما هي الاشكاليات التي يعاني منها؟؟

من الصعب أن ننتقد المنظمات، لأننا لا ندرك نواياهم. في ليبيا هناك عدم فهم للمعنى الحقيقي للمجتمع المدني وما هو دوره. من حق أي شخص ان ينشأ حزب نحن كحقوقيين ندافع وبشدة عن هذه الفكرة. لكن في ليبيا ما ألاحظه ان السياسة أصبحت ملوثة، لذلك لجأ البعض إلى استخدام المجتمع المدني لأغراض سياسية، نظرا لأن هذا الأخير مازال يحمل الكثير من النزاهة مقارنة بالأحزاب السياسية. لو نرجع قليلا إلى الوراء، المجتمع المدني بليبيا تكون بعد ثورة 17 فبراير، قبل هذا التاريخ لم يكن هناك مجال. لذلك أعتقد أن المجتمع المدني في ليبيا لا يزال في طور النشأة، لذلك سنتعرض إلى كثير الأخطاء على مستوى هذا المجال. لكن المشكل يتمثل أساسا في عدم القدرة على التمييز بين نوعية الأهداف يعني إذا كان الهدف سياسي أم لا. إلى جانب ذلك وهذا لا يقل أهمية عن الأول، ان مؤسسات المجتمع المدني في ليبيا تشكوا نقصا واضح ومفضوح في الاحتراف. ويرجع بالأساس إلى أن العاملين بالجمعية أو المؤسسة يرون أن نشاط المجتمع المدني لن يستطيع توفير الرزق على مدى طويل لذلك يلجؤون إلى أنشطة أخرى وبالتالي يصبح النشاط الأول نشاط ثانوي. وبالتالي لن ينمي قدراته ولن يستطيع فهم دوره في المجتمع المدني بصفة خاصة وفي المجتمع بصفة عامة. ولهذا السبب نجد أشخاص يشتغلون في إطار سياسي ولكن ضمن جمعية. هذه الظاهرة موجودة في عديد البلدان ليس فقط بليبيا، السياسة جزء لا يتجزأ من حياتنا اليومية والفصل بين السياسة والعمل في المجتمع المدني صعب، لكن لازم إيجاد قيود. أكثر شيء يثير مخاوفي الآن في ليبيا أن يفقد المجتمع المدني مصداقيته، لا السياسة ولا المجتمع الدولي ولا الإعلام لديهم مصداقية، فقط عدد ضئيل من الموظفين العاملين بالمجتمع المدني، لكن دون احتراف، وذلك بسبب أن أغلبية المواطنين لا يعطون أهمية كبيرة للشغل في المجتمع المدني، بالنسبة لهم شيء ثانوي يمكن ممارسته في وقت الفراغ. فمثلا عندما تركت عملي، علما واني كنت أشتغل في مجال القانون التجاري، لأشتغل بالمنظمة، أغلبية من أعرفهم كانوا رافضين هذا التغيير، بالنسبة لهم العمل بالمنظمة شيء ثانوي، وليس أساسي، لذلك يبقى العمل بالمجتمع المدني غير محترف. وبالتالي يكون التأثير على المؤسسات والمنظمات سهلا، من قبل الأطراف المحترفة كالسياسيين والشركات التي لديها أهداف خاصة من وراء التمويل، وهذه من أهم أسباب التي تدفع بتسيس المجتمع المدني.

ـ بعنوان عريض كيف تصفين المجتمع المدني الآن؟

يجب الاعتراف أولا ان المجتمع المدني الليبي مبتدئ، ويجب العمل على تطويره... يجب أن يكون هناك تعاون بين جميع أطراف المجتمع، لا توجد ثقة متبادلة بينهم، غياب الخبرة وغياب التعاون وغياب التمويل، تجعل من المنظمات قابلة بأن تتأثر وبسرعة، وبالتالي سيكون هذا عامل فشل للمجتمع المدني.

ـ كانت لديكم أعمال فيما يتعلق بالطفل، في قضايا التعليم خاصة، لكن بشكل عام ذوي الاحتياجات الخاصة والمرأة والطفل أين مكانها في برامجكم؟

هناك منظمة من التحالف، تعنى بذوي الاحتياجات الخاصة وأخرى تعنى بالمرأة. لدينا مبدأ معين، عندما نأخذ قضايا المرأة وقضايا ذوي الاحتياجات الخاصة وقضايا الطفل كقضايا مستقلة، فهذا يعطي فكرة أن هذه الحقوق غير متساوي مع بقية الحقوق وبالتالي نعطي إطار لمن يريد انتهاكها. فكل حق هو حق امرأة وحق ذوي الاحتياجات الخاصة. فمثلا في عملنا في المناصرة، على التعذيب، نقوم بالتركيز على عمليات التعذيب ومدى تأثيرها على الانسان بصفة عامة وعلى المرأة بصفة خاصة أو على الطفل ماهي أكثر الأشياء التي يجب حمايتها، ففي إطار التعذيب من الأشياء التي يتم التركيز عليها هي التربية في المدارس، ماهي العقوبات التي يتم تسليطها على الطفل فبعض منها يعتبر عملية تعذيب، من العقوبات أن يقف الطفل لمدة 30 دقيقة في الشمس وهذه تعتبر عملية تعذيب لما لها من أثار سلبية على صحته الجسدية والنفسية. أو على ذوي الاحتياجات الخاصة أيضا. نحاول دراسة كل المشاريع التي نقوم بها من جميع النواحي بحيث يكون في إطار مكتمل. أعتبرها من أخطر الأشياء حين تحدد منظمة نسائية دور المرأة وتختصره في نقاط معينة، هذا يعني ان ليس لها أدوار أخرى. وهذا يساعد من هم ضد حقوق المرأة لأن من الأول عند تحديد حريات المرأة فأنت اعطيته فرصة لمحاربة هذه الحريات. أعطيك مثال على ذلك بعد الثورة العديد من المنظمات التي تدافع عن حقوق المرأة طالبت بتطبيق سيداو بليبيا، مع العلم ان سيداو هي الاتفاقية الدولية لحقوق المرأة، وفقط تونس وليبيا من باقي الدول العربية، وقعوا عليها دون تحفظ، فأثارت هذه الوثيقة حفيظة المفتي ومن معه وطالبوا بإلغائها على أساس انها غير إسلامية وحاربوها. كان الأجدر العمل على تطبيق ما جاء بالوثيقة وتثقيف الشعب دون تسميتها، فذكرها أوحى للغير بمحاربتها. لذلك برنامج حقوق المرأة ليس برنامج مستقل عن البقية. كل مشروع يتضمن بعد المرأة وبعد الطفل وبعد ذوي الاحتياجات الخاصة. حتى أن كل المشاريع التي أنجزناها تسجل حضور نسائي بنسبة 50% على الأقل. بهذه الطريقة تثبت وجود المرأة دون ان تثير حفيظة الآخر.

ـ هل انت متفائلة؟ هل من انفراج قريب؟

أنا متفائلة ولكن واقعية، ليبيا ستخرج من هذه الأزمة وستتغير نحو الأفضل أكيد، ولكن لن يكون التغيير خلال فترة خمس سنوات او عشر سنوات، سيتطلب وقتا أطول، لأننا لن نستطيع أن نغير ثقافة لن أقول 42 سنة لا بل ثقافة مدى الحياة. حتى نستطيع التغيير يجب أن يكون لدينا إيمان بالقضية ونفس طويل للوصول إلى الهدف.

شكرا لك إلهام على قبولك الدعوة.

- تابعوا "محامون من أجل العدالة في ليبيا علي: الموقع الرسمي - الفيس بوك - تويترصوتي - مشاهد - دستوري -

لا تعليقات على هذا الموضوع
آخر الأخبار